الحكومة الانتقالية.. أزمات خانقة وإرادة للعبور (19)

بقلم: حسين سعد

تواجه الحكومة الانتقالية تحديدات عديدة في وقت واحد، وتمثل تلك التحديات أكثر من الأزمات التي واجهتها أول حكومة عقب الاستقلال، في وقت تعاني فيه الحاضنة السياسية قوى الحرية والتغيير مشاكلاً وتباينات عديدة تهدد مستقبل تحالف قوي الثورة، وفي ظل هذه الاجواء جمد حزب الامة القومي نشاطه ثم طرح مقترحاً (نحو عقد اجتماعي جديد) وفي مارس 2020م خططت جماعة حماية الثورة والسلام والتحول الديمقراطي الي عقد ورشة عمل بالنادي الدبلوماسي تم الغائها بسبب جائحة كورونا، وكان من المنتظر ان تناقش تلك الورشة اربعة موضوعات رئيسية وهي: الملامح العامة لمسار الحكومة الانتقالية ووضع منهج جديد لتحقيق السلام المستدم والعلاقة بين المكون العسكري والمدني ومحور أخير خصص لقوي اعلان الحرية والتغيير ما تم انجازه وما لم ينجز ؟داخل هذه الحلقة نتابع ما واجهته اول حكومة بعد الاستقلال وايضا نتابع تحديات الفترة الانتقالية الماضية التي اعقبت ثورة مارس ابريل 1985م كما نطرح المذكرة التي دفع بها بعض الحادبين علي مستقبل قوي الحرية والتغيير.ومؤخرا اعلنت جامعة الخرطوم عن ملتقي للبناء الوطني والانتقال الديمقراطي.

تحديات اول حكومة:

تقول الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه في كتابها (تاريخ السودان المعاصر) كانت أول المصاعب المصاعب التي واجهت حكومة الحزب الوطني الاتحادي حوادث مارس 1954م  ثم الازمة الوزارية، والمؤامرات الحزبية، والمعونة الامريكية، واحداث عنبر جودة التي اعتقلت فيها السلطات 800 مزارع  ادخل منهم 281 في عنبر صغير للاسلحة غير مستعمل ،وبدون ان توفر لهم التهوية الضرورية واحتياجاتهم من الماء والطعام توفي منهم 189 بسبب الاختناق اثناء الليل ثم ارتفع العدد الي (195) ويقول النور حمد ان حقبة الديمقراطية الاولي يناير 1956م نوفمبر 1958م حفلت بالممارسات السياسية العبثة الشبيهة بالالاعيب  الصبيانية، وانحصرت الجهود فيها في الصراع علي الكراسي كما تسمت بأسوأ  انواع الممارسات مثال تحولات النواب اللا مبدئية من معسكر الي اخر وشراء اصوات النخبين، واشارت بعض الصحف الي نواب كانوا يتقاضوان مرتبات شهرية من رئيس الوزراء عبد الله خليل  ليسندوا حكومته رغم ان هولاء النواب لم يكونوا من نواب حزبه.

فشل موسسات الحكم الانتقالي:

ومن جهته يقول المفكر الراحل محمد علي جادين في كتابه (تقييم التجربة الديمقراطية الثالثة في اسودان ) يتفق معظم السياسيين السودانيين علي فشل مؤسسات الحكم الانتقالي في تحقيق اهداف انتفاضة مارس ابريل 1985م ليس بسبب عدم وضوح تلك الاهداف او ضعف تفاعل القوي السياسية معها او قصر الفترة الانتقالية بل بسبب اصرار المجلس العسكري الانتقالي علي المحافظة علي الركائز الاساسية والقانونية والاقتصادية للنظام الديكتاتوري المايوي، وفي ذلك يقول الصادق المهدي كنا نتوقع ان يستلهم النظام الانتقالي تطلعات الشارع الذي صنع الانتفاضة، وان يتخذ بموجب تلك التطلعات اجراءات ثورية ،واضحة لقطع دابر النظام المايوي الا ان مؤسسات الحكم الانتقالي كانت ممعنة في المحافظة، وكانها حكومة ادارية لا سياسية تتصدي للامور في اطار الواجبات الادارية، ان عجز مؤسسات الفترة الانتقاية في هذا الجانب لايمكن عزله عن فشلها في الجوانب الاخري خاصة في مجال تصفية اثار مايو السيسية والقانونية ففي المجالات الاخري سارت مؤسسات افترة الانتقالية  في نفس الاتجاه -فهدم الركائز الاساسية والسيسية واقانونية لنظام المايوي ومحاكمة رموزه تبدو مسالة بديهية ومقدمة ضروريةلبناء نظام ديمقراطي حقيقي وراسخ ثم عقد التجمع الوطني المؤتمر الاو قوي الانتفاضة في مدني في الفترة من 15-22 نوفمبر 1985م  بهدف مناقشة الاوضاع السياسية في ابلاد بعد مرور اكثر من سبعة اشهر علي انتصار الانتفاضة.

مذكرة الراهن السياسي:

وفي يوم 30 مارس 2020م دفع عدد من الحادبين علي مصلحة البلاد بمذكرة للمجلس المركزي لقوى إعلان الحرية والتغيير خاصة بالراهن السياسي ،والأداء العام لمنظومة قوى إعلان الحرية والتغيير،وركزت المذكرة التي تلقت مدنية نيوز نسخه منها علي قضايا تحديات الفترة الإنتقالية والبناء التشريعي والمنظومة الأمنية والسلام والوحدة الوطنية والعلاقات الخارجية والتعاون الدولي المؤتمر القومي الدستوري، الاقتصاد ومعاش الناس، ووحدة قوى الثورة وإصلاح وتطوير منظومة إعلان الحرية والتغيير،وحذرت المذكرة من خطورة التدخلات الدولية والإقليمية باستخدام سلاح المال والاقتصاد على مستقبل الديمقراطية في البلاد ووجود اللوبي الاقتصادي المتحالف مع بقايا السلطة السابقة بحيث لا يسمح بالتفكيك الكامل للدولة العميقة لأنه يضر بمصالحها، سلبيات الإتفاق السياسي الذي نتجت عنه الوثيقة الدستورية المليئة بالثغرات والقنابل الموقوتة، نتيجة لتساهل الحرية والتغيير أنتج المنظومة الأمنية المسيطرة حاليا وكيانها الاقتصادي خارج السيطرة.

مخاطر حقيقية:

وقالت المذكرة هنالك مخاطر حقيقية تهدد النظام الديمقراطي في البلاد تتطلب منا جميعا اليقظة وتطوير الياتنا التنظيمية في قيادة الحرية والتغيير وجميع كتلها المشكلة لها إضافة لحشد كل قوى الثورة والتي أهمها لجان المقاومة وحركات الكفاح المسلح ، وأوضحت ان تمدد الأزمة الاقتصادية أدى إلى انحسار التأييد الجماهيري لحكومة الثورة ،وحاضنتها السياسية الحرية والتغيير ،ورددت (هذا مؤشر  خطيريجب تداركه) وقالت ان عدم قيام المجلس التشريعي إلى الآن يشكل مؤشرا خطيرا، كون أن المجلس هو الجهة المنوط بها أن تقوم بتقييم وإقالة الحكومة و أفرادها وإجازات الإتفاقيات الدولية وإتفاقيات السلام ويحاسب ويوقف تجاوزات مجلسي السيادة والوزراء ، خاصة المكون العسكري، الى آخرمهامه  المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية.

أخطاء التكييف الدستوري:

ووصفت المذكرة مفاوضات السلام في جوبا بأنها تكتنفها أخطاء التكييف الدستوري لها وتغول مجلس السيادة على السلطات التنفيذية لمجلس الوزراء وتغييب مفوضية السلام المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية، وغياب المجلس التشريعي ونقاش مواضيع مختلف عليها حتى داخل الحرية والتغيير مثل الهوية و العلمانية وعلاقة الدين بالدولة وهي مواضيع أتفق من قبل قيام الثورة على نقاشها في المؤتمر القومي الدستوري.

قوى إعلان الحرية والتغيير مواجهة بمطالب الشارع والذي كان يتوقع سرعة إيقاف التدهور الاقتصادي وإصلاح معاش الناس وإرجاع المفصولين من الخدمة المدنية والعسكرية وإزالة دولة التمكين والمحاسبة وتطبيق العدالة على جرائم النظام منذ  يونيو 1989 وحتى مجزرتي القيادة العامة، فضلا عن إخفاق قوى إعلان الحرية والتغيير في إحتضان جميع القوى الحية التي ساهمت في إنجاح ثورة ديسمبر، خاصة لجان المقاومة والمرأة وتيار الإنتفاضة وتجمع القضايا المطلبية.

الواجبات والمسئوليات المتوقعة

عليه، فإن مجمل الواجبات والمسئوليات الملحة التي كانت ملقاة على عاتق حكومة الثورة و مؤسسات السلطلة الإنتقالية وقوى الحرية والتغيير كحاضنة سياسية ، كانت تتلخص في إدارة الثورة بشكل موحد لقواها حتى بلوغ مرحلة الحكم الراشد،ومواجهة مخاطر الدولة العميقة والقضاء على بقايا النظام الساقط،ومواجهة الحملة الدولية التي تديرها بعض الجهات الدولية الساعية لإفشال التجربة الديمقراطية في بلادنا وإحلال  البديل الذي يخدم مصالحها، والقضاء علي الاثار السالبة التي خلفها النظام البائد،والبدء مبكرا في التحضير لعقد المؤتمر القومي الدستوري وعدم النتظار حتى اللحظات الأخيرة.

الأداء التنظيمي للحرية والتغيير

قالت المذكرة ان أجندة المجلس المركزي مزدحمة،وهذا نتاج مركزيته القابضة ، والتي نرى أن حلها يكون في إعطاء الأجهزة الأخرى الفرعية قدر من سلطة اصدار القرار بشكل لا مركزي  وحرية تكوين التنظيمات الجماهيرية المختلفة،وإقترحت المذكرة تقسيم أعضاء المجلس المركزي اي قطاعات مثل (ادارة الثورة-وادارة الفترة الانتقالية-الدستور والقانون) ودعت المذكرة الي تفعيل المجلس الاستشاري باجتماعات دورية وإعتباره بمثابة جمعية عمومية أو مؤتمر عام وإعطائه صلاحيات واضحة وأن تكون توصياته وقراراته ملزمة، ويجب تعيين مقرر خاص له،وطالبت بإعادة النظر في الهيكلة الحالية ومراجعة تمثيل الكيانات، وفتح اللائحة (النظام العام) للمراجعة والتعديل حتى تواكب كل المستجدات والوضع الراهن،وشددت المذكرة هنالك مواضيع هي الأخطر وتتطلب سرعة البت حولها ضمانا لسلامة الثورة وحددتها في تكوين المجلس التشريعي مع الإحتفاظ بعدد من المقاعد لحركات الكفاح المسلح متى ما تم التوقيع النهائي على اتفاق سلام شامل.. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *