الحكومة الانتقالية.. أزمات خانقة وإرادة للعبور (29)

بقلم: حسين سعد
الانتقال الديمقراطي هو الخطوة الاولي في هدم القديم وبناء عهد جديد عقب الاطاحة بنظام متسلط فشل في تأمين حياة جَمْعيّة مستقرّة، مترفّهة، تتوفّر فيها الحقوق، وتُوزّع فيها الواجبات والثروات بطريقة عادلة. وبحسب دراسة لمركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية أنّ سطوة النظام الدكتاتوري في عدّة بلدان عربية، وانخراط المشرفين عليه في دوّامات الفساد المالي والإداري، وتمسّكهم بمسارات الاستبداد المقنّن وغير المقنّن، أسهمت في قيام ثوراتٍ شعبيّة قوّضت الحكم الفردي أو الأسري السائد، وشرّعت لقيام واقع سياسي جديد، يعيد إلى المواطن دوره في صياغة القرار، وفي تشكيل مؤسّسات الدولة.
تحديات الانتقال:
وأثبتت دراسات أجرتها مكاتب منظّمة الأمم المتّحدة، وأهل الاختصاص من المشتغلين بالبحث في التحوّل الديمقراطي في البلدان التي شهدت حالات حراك احتجاجي أو عمل ثوري، مثل جنوب أفريقيا، والأرجنتين، وتشيلي، وتونس، أنّ مرحلة الانتقال الدّيمقراطي تواجهها تحدّيات متشابهة، تتكرّر من بلد إلى آخر، لعلّ أهمّها عُسر عمليّة الانتقال نحو الديمقراطيّة، بسبب بيروقراطيّة الإدارة التقليديّة، واستمرار أجهزة النظام السابق في الهيمنة على دواليب الدولة، وتزايد نسق المطالب الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، والإحساس بالشكّ تجاه الحكم الجديد، والخوف من المستقبل لدى أغلب المواطنين، وصعوبة تفكيك شبكات الفساد.
تحديات الفترة الإنتقالية وإعادة البناء
للثورات تضحيات كبيرة يجب أن تقدَّم، وفواتير متعددة يجب أن تُدفع، ومشكلات عديدة على الشعوب التي ثارت أن تتحملها، ولو تعجّل الناس تحقيق أهداف ثوراتهم دون تحمل هذه التضحيات فلن يتمكنوا من هدم الفساد والظلم وإقامة العدل وترسيخ الحرية، وحتى اللحظة الراهنة وبالرغم من الإهتزازات التي عيشتها الفترة الإنتقالية كمقدمة لإنطلاق المسار الديمقراطي فعلياً فى تونس ومصر, فقد عجز أغلب المشاركين في صناعة القرارعن بلورة أجندات واضحة تسهل الولوج الفعلى الى ذلك الإنتقال الديمقراطي،وتحقيق التغيير الشامل والنهائي من ممارسات الفساد والإستبداد إلى مسار ديمقراطي يكرس لثقافة المواطنة والمشاركة في إتخاذ القرار بمستوياته المختلفة. ومن بين التحديات ايضا التي تقابل الحكومة الانتقالية هي تفيذ برنامج صادق للعدالة الإنتقالية، بصورة تعيد مراجعة كل ما إقترف من تجاوزات وأخطاء خلال المرحلة الإنتقالية كما تشمل ما إرتكبه النظام السابق من تجاوزات سياسية وأمنية وإقتصادية فى حق المجتمع، والتى لا تسقط حقوق أصحابها بالتقادم، وذلك عبر برنامج قوى وملزم للجميع بأطر وآليات دستورية وقانونية واضحة وناجزة.
الشارع والنخبة:
تشير تجارب الانتقال لبلدان مجاوره وخلال فترة ما يقارب من العام الحالية بالسودان نجد ان الذين أداروا الاوضاع خلال مرحلة الإنتقال، إفتقدوا بوصلة التواصل مع الشارع والشباب بصورة ناجعة، نظراً لتكلس النخبة وغياب القيادة والشخصية النموذج والكاريزما، كما أدت هذه الوضعية الي تململ داخل الحاضنة السياسية وتجميد نشاط حزب الامة القومي(هذه القضية تناولناها بالتفصيل في حلقات مكونات الحرية والتغيير) كما ظهرت كنكشة البعض في عدد من اللجان ، وصار واضحا عجز وإنفصال القيادات عن إحتواء الشارع وتقويم عنفوانه الثورى، ما أدى بالجموع الثائرة الى إعادة المحافظة أكثر علي لجان المقاومة، كما ظهرت نبرة الإعتماد على القبلية والعصبية والجهوية، وفي ذات الوقت إرتفع سقف المطالب الجماهيرية أمام محدودية تحرك الحكومة فى الإستجابة لها، فالخوف هنا من ان تنحرف بعض المطالب وتتحول الى حالة من العصيان علي الحكومة التي وجدت شعبيه خرافية
تعطيل مسار التحول:
الملاحظ في الزّمن الانتقالي أنّ عدداً مهمّاً من النّاس يجدون صعوبة في استيعاب روح الثورة، والتفكير بعقل التّغيير، فمنهم من تفاجئهم الثّورة، ومنهم من تهدّد مصالحهم، وتقوّض نفوذهم الفردي أو الفئوي أو الطبقي أو الحزبي. ومنهم من يجد صعوبةً في القطع نفسيّاً وذهنيّاً مع عصر الدّولة المستبدّة ومافيات الفساد الإداري والمالي والأخلاقي، التّابعة للعهد القديم، فينصرف هؤلاء وغيرهم إلى توتير الأجواء السياسيّة واختلاق الفتن، وإلهاء النّاس بالمسائل الجانبية وبالصراعات ، ويعمدون إلى تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي حماية للفساد ،وهروباً من المساءلة والمحاسبة، ويشكّل هؤلاء مجتمعين الدولة العميقة القادرة على هزّ كيان الدّولة الانتقاليّة النّاشئة، وتأزيم الوضع السّياسي وتهديد السّلم الاجتماعي،والنموزج الواضح لذلك ما حدث من أحداث عنف دامية بكل من بورتسودان والقضارف وكسلا وكادوقلي والجنينة والجزيرة فضلا عن حرب الاعلام والاخبار الكاذبة.
من الثورة الي الدولة:
وتقول الدراسة أنّ المواطنيين في فترة الانتقال ينتظرون تحقيق عدد من المطالب من بينها بناء أسس دولة مدنيّة ديمقراطيّة جديدة، ذات مؤسّسات فاعلة، عادلة وشفّافة،واستعادة الاستقرار الأمني والسّلم الاجتماعي، وتحقيق الحدّ الأدنى من الرّفاه الاقتصادي، وإقامة أسس العدالة الانتقاليّة، وضمان الحرّيات العامّة والخاصّة، لكن تحقيق هذه المطالب في وقت قصير أمر قريب إلى المحال أكثر منه إلى الإمكان، لاسيما في ظل الانتقال من الثّورة إلى بناء الدّولة.
الانتقال في افريقيا:
يقول الاستاذ مصطفي أنجاي أنّ القارة الافريقية مع بدايات تسعينيات القرن المنصرم شهدت موجةً كبيرةً من الانتقال الديمقراطي، حيث لم يكد عقد التسعينيات ينتصف حتّى أصبحت الدول الإفريقية كلّها- حقّاً أو زوراً- تنتسب إلى النظام الديمقراطي، ما عدا ليبيا القذافي الذي عارضه صراحةً في (الكتاب الأخضر).ويضيف مصطي هذا الانفتاح الديمقراطي، عرفته القارة الإفريقية بالتزامن مع مناطق أخرى في العالم؛ في أعقاب نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين.ويشير مصطفي الي التحوّل الديمقراطي في إفريقيا إتخذ مسارات عديدة تبعاً لاختلاف التجارب السياسية للأنظمة السلطوية القائمة، بالإضافة إلى تعدّد الديناميات المحلّية للدول المعنية، واختلافها على صعيد قوّة الأحزاب الأحادية وتجذّرها، وحجم التحالفات الموجودة بينها وبين البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أو على صعيد قوّة الأحزاب والقوى المعارضة، ونضجها، وقدرتها على الحشد والتعبئة الاجتماعية ونبه الي وجود أكثر من مسار:
(1) التحوّل المتوازي: وهو ما يُعرف لدى البعض بالتحوّل المفاوض ، ويعني: اتفاق قيادات الحزب الأحاديّ والقوى السياسية والمدنية المعارضة على أرضية مشتركة؛ للانتقال إلى الديمقراطية والانفتاح السياسي والتعددية الحزبية، وتعدّ (المؤتمرات الوطنية) من أهمّ الصيغ الإجرائية التي تبنّتها الدول الإفريقية، خصوصاً الفرنكفونية منها، وتعدّ بنين والغابون وكونغو برازفيل والنيجر وتوغو والكونغو الديمقراطية؛ من أهمّ الدول الإفريقية التي جرّبت هذا المسار.
(2) التحوّل من الأعلى: تكون فيه مبادرة التحوّل الديمقراطي من الحزب الأحادي؛ كإجراءٍ استباقيٍّ للتصدّي للضغوط الداخلية والخارجية، إمّا عن طريق دعوة القوى الحيّة إلى مؤتمرات وطنية لتبنّي سياسات مصمّمة مسبقاً من الحزب الحاكم، وإمّا عن طريق إجراء تعديلات دستورية تراعي بعض مطالب المعارضة، وقد نسجّل في هذا المسار كثيراً من الدول الإفريقية، منها: كوت ديفوار، بوركينافاسو، الكاميرون، مدغشقر، تنزانيا، أوغندا، نيجيريا، غانا.
(3) التحوّل من الأسفل: يكون نتيجة المطالب والضغوط الشعبية لإحداث التغييرات والإصلاحات اللازمة للتحوّل الديمقراطي، هذا المسار غالباً ما يكون مصاحباً بنوعٍ من العنف عبر احتجاجات ومسيرات القوى السياسية والمدنية، ولعلّ حالة الانتقال الديمقراطي في مالي من أهمّ نماذج هذا المسار، حيث دفعت الضغوط الشعبية بعضَ الجيش بقيادة أمادو تماني توري إلى الانقلاب على نظام الرئيس موسى تروري الديكتاتوري، كما يمكن إلحاق حالة جنوب إفريقيا بهذا المسار.. (يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *