اتفاق حمدوك والحلو.. الفرص والنجاحات


تحليل: حسين سعد
وقع رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك ورئيس الحركة الشعبية شمال القائد عبدالعزيز الحلو في الثالث من الشهر الحالي اتفاق مشترك، حيث وجد الاتفاق تأييد محلي واقليمي وعالمي واسع ،وإلتفت حوله قوي سياسية من بينها الحزب الشيوعي والحزب القومي السوداني وحزب الموتمر السوداني والحزب الاتحادي الديمقراطي الاصل ،وحركة القوي الديمقراطية الجديدة حق، وتجمع المهنيين وتجمع القوى المدنية وتجمع الاجسام المطلبية،والاتحاد النسائي، وغيرها خلف الاتفاق الذي وصف بأنه الفرصة الأخيرة، وخطوة مهمة لبناء السلام،كما ساهم الاتفاق المشترك بتحريك مواكب جماهيرية عاتية في كل من كاودا والعباسية تقلي والدلنج وكادوقلي ونيالا والجنينة والخرطوم ،وعقب ذلك شهدت جوبا زيارات متتالية من قبل القوي السياسية والتنظيمات المهنية ،والنسوية،والاجسام المطلبية للجلوس مع الحركة الشعبية شمال ونجحت تلك الاجتماعات في التوقيع علي اعلان سياسي ،داخل هذا التحليل نحاول الاجابة علي سؤال ماهي فرص النجاح المتوفرة للاتفاق المشترك في احلال الامن والاستقرار والسلام ؟وماهي الصعوبات والتحديات التي تعترض طريقه؟وماهي المكاسب التي تجنيها بلادنا المازومة أصلا بالنزاعات والحروب الدامية؟وهل يطوي الاتفاق المشترك صفحات الحروب ؟وماهي الوصفة السحرية لمعالجة المسألة السودانية منذ الاستقلال؟ ولماذا وجد الاتفاق المشترك تاييد واسع لاسيما وان بلادنا شهدت من قبل توقيع المئات من اتفاقيات السلام لكنها لم تحقق السلام وسرعان ما تندلع الحرب مرة أخري؟ الفهم الجيد الاتفاق المشترك يتطلب معرفة السياق الذي أبرم فيه والالمام بتعقيدات المشهد السياسي ومعرفة الخلفيات التاريخية للصراع؟وشعارات الثورة؟وأزمة الهوية؟

اولا. علي ماذا نص الاتفاق المشترك:

أكد علي ان السودان دولة متعددة الاعراق و الاثنيات و الاديان و الثقافات، يجب الاعتراف الكامل بهذا التنوع و الاحتفاء به،والتاكيد علي المساواة الكاملة في الحقوق السياسية و الاجتماعية لكافة السودانين ، كما يجب صيانة هذة الحقوق بالقانون. ونص الاتفاق على التأكيد علي ان السودان دولة ديمقراطية فيها كل حقوق المواطنين مقدسة، كما يجب ان يعتمد دستور السودان مبداء الفصل ما بين الدين و الدولة، و في حالة غياب هذا المبدأ يجب احترام حق تقرير المصير. حرية الاعتقاد و التعبد و ممارسة الطقوس الدينية يجب ان تصان لكافة المواطنين السودانين، حيث لا يجوز التمييز بين المواطنين علي اساس ديني، كما لا يجب ان لا تعتمد او تتبني الدولة اي ديانة رسمية. وأقر الاتفاق بأن يحتفظ جبال النوبة والنيل الازرق ( المنطقتين) بوضعهم الراهن بما في ذلك الحماية الذاتية لحين الاتفاق علي ترتيبات امنية جديدة بين الطرفين بالاضافة الي حين التحقق من التطبيق الكامل لمبداء فصل الدين عن الدولة واقر الطرفان علي استمرار اعلان وقف العدائيات بين الطرفين طوال فترة التفاوض و لحين التوصل الي ترتيبات امنية جديدة. وأكد الاتفاق مبدأ
المشاركة العادلة في السلطة و الثروة يجب ان يصان بنص الدستور لكل المواطنين السودانين.ثم نشرت وكالة السودان للانباء خبرا رئيسيا في الرابع من الشهر الحالي قالت فيه:اتفق رئيس الوزراء عبدالله حمدوك في اجتماعه له مع عبدالعزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية شمال في اديس ابابا علي الاستمرار في التفاوض والتامين علي رعاية دولة جنوب السودان الشقيقة للتفاوض بين الحكومة والحركة عبر منبر جوبا مع تمتين دور الشركاء الاقليمين والدوليين ،واقر الجانبان وضع خارطة طريق تحدد منهجية التفاوض والاتفاق علي اقامة ورش تفاوض غير رسمية من الجانبين لمناقشة القضايا الخلافية المطروحة للتفاوض مثل (إشكالية العلاقة بين الدين والدولة وحق تقرير المصير)بغية الوصول الي فهم مشترك يسهل من مهمة فرق التفاوض الرسمي، يسري الاتفاق المشترك، ويصبح ملزما بعد المصادقة عليه من قبل المؤسسات المعنية وقد جاء هذا الاتفاق لمعالجة القضايا العالقة في اعلان المبادي والعودة الي المفاوضات الرسمية علي ضوء ما يتحقق من تقدم في المفاوضات غير الرسمية ووضع مصفوفة لتحديد المسوؤليات والمواقيت الزمانية.
ثانيا.. ومن خلال استعراض بنود هذا الاتفاق، يمكن الإشارة إلى ملامح عامة نذكرها في النقاط التالية:

(1)التأمين علي رعاية دولة جنوب السودان الشقيقة للتفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية عبر منبر جوبا وتقوية دور الشركاء الاقليمين والدوليين التأمين علي النقطة يعزز الوجدان المشترك بين دولتي السودان جنوبا وشمالا وفيه إشارة ذكية الي ان انفصال جنوب السودان واعلان استقلاله من الدولة الامم كان سببه عدم احترام التعدد والتنوع
(2) أقر الجانبان وضع خارطة طريق تحدد منهجية التفاوض
(3)الاتفاق علي اقامة ورش تفاوض غير رسمية من الجانبين لمناقشة القضايا الخلافية المطروحة للتفاوض مثل (إشكالية العلاقة بين الدين والدولة وحق تقرير المصير)بغية الوصول الي فهم مشترك يسهل من مهمة فرق التفاوض الرسمي يلاحظ هنا ان الاتفاق تجنب الدخول في تفاصيل القضايا الخلافية ونص علي اقامة ورش تفاوض غير رسمية
(4) يسري الاتفاق المشترك، ويصبح ملزما بعد المصادقة عليه من قبل المؤسسات المعنية وقد جاء هذا الاتفاق لمعالجة القضايا العالقة في اعلان المبادي والعودة الي المفاوضات الرسمية علي ضوء ما يتحقق من تقدم في المفاوضات غير الرسمية ،ووضع مصفوفة لتحديد المسوؤليات والمواقيت الزمانية
ثالثا.. نجاح وفشل الاتفاق:

(أ)من مكاسب الاتفاق هو معالجته لقضية كبيرة،وهي التنوع والتعدد الديني والثقافي ،ويعتبر السودان واحد من أكثر دول القارة السمراءمن حيث عدم الاستقرار، وانتشار الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، وتعود هذه الصراعات إلى عدم حل المساءلة القومية واحترام التنوع، كما تم الزج بالإثنية والقبلية والدين ،وبحسب الاستاذ التجاني الحاج في ورقة له بعنوان (مستقبل السلام في السودان ) فقد فشلت كل الحكومات الوطنية في معالجة أزمة الهوية،وتوصيف هذه النخب للدولة السودانية بــ”الدولة العربية الإسلامية”، في إنكار واضح للتعدد الثقافي والعرقي والديني، مما ترتب عليه إستبعاد/إقصاء لا تخطئه العين للمكونات الإفريقية الأخري، وكان ذلك من الأسباب الرئيسية التي نتج عنها إنفصال جنوب السودان لاحقاً في ،2011م، وتجدد الحرب الأهلية مرة أخري في جنوب كردفان والنيل الأزرق وإستمراريتها في دارفور.بجانب إستمرارية سيطرة وهيمنة ذات النخب التي إرتبطت بالإستعمارين (التركي ــ المصري) و (الإنجليزي ــ المصري) على مفاصل الدولة السياسية والإجتماعية والإقتصادية، وإقصائها المتعمد للآخرين الذين لا يشاركونهم نفس السمات الثقافية والعرقية. وإستمرارية الحروب الأهلية الطويلة التي خاضتها هذه النخب عبر حكوماتها المركزية بلا إستثناء على بقية أطراف السودان من جنوبه إلى غربه وشرقه، والتي بدأت بدعوى قمع “التمردات” التي يقودها أبناء هذه المناطق ضد الحكومات المركزية، إلى أن وصلت إلى مرحلة الحروبات الجهادية في عهد حكومة الإنقاذ (الإسلام السياسي). فضلا عن إستمرارية نفس البنية المادية ونهج التطور الإقتصادي الذي خلّفه المستعمر لخدمة مصالحه بتركيز التنمية والخدمات في الوسط النيلي وتجاهل المناطق الطرفية البعيدة، مما نتج عنه مركز ثقافي/عرقي/إقتصادي سلطوي مسيطر وهامش مقصي على كافة هذه المستويات.
(ب)أبرمت العديد من إتفاقيات السلام بالسودان لكنها لم تحقق السلم المستدام بل حققت هدنة بسيطة وسرعان ما أعقبتها حربا ضروس ،ولم تغوص تلك الاتفاقيات في أسباب النزاع بل مضت تلك الاتفاقيات في معالجة (كيفيات) توزيع السلطة والثروة بين البنيات/القوى السياسية المتصارعة، دون أن تعير كبير إعتبار لكيفية إن تنال القواعد الاجتماعية التي تنتمي إليها هذه البنيات أي شئ من هذه المحاصصات. وهو ما يفسِّر لماذا كان تنفيذ هذه الإتفاقيات دائماً ماينتهي عند مستوى توزيع الحقائب بين الحكومة وخصومها ويشير الاستاذ التجاني الحاج في ورقته (مستقبل السلام في السودان) الي إن تجدد النزاعات الداخلية والحروب في تاريخ الشعوب والأنظمة السياسية ليس نتاج المصادفة، إنما يجد جذوره في كيمياء التحوّلات الداخلية الخاصة بهذه المجتمعات وأنظمتها السياسية. وتلعب معادلات توازن المصالح الإقتصادية/الاجتماعية وصراعات السلطة، دوراً رئيسياً في إندلاع النزاعات وإستمراريتها. وفي السودان وعندما نعيد قراءة الأزمة تلفت نظرنا حقيقة هامة، إلا وهي نمطية تكرار الصراعات وأسبابها، فالحرب الأهلية الأولي بين شمال السودان وجنوبه، إنتهت في 1972م بإتفاقية أديس أبابا. لكن بالرغم من ذلك تجددت بعد عشرة أعوام من ذلك التاريخ إستناداً لنفس الأسباب، وأيضاً إندلعت الحرب هذه المرة في الشمال نفسه (دارفور، شرق السودان، جنوب كردفان والنيل الأزرق) لنفس الأسباب أيضاً. هذا التطور يمكّننا ـــــ من الناحية النظرية ـــــ من أن نعيد طرح القضية بصيغة أكثر عمومية، بإعتبار أنه وفي الحالة السودانية، وعلى خلفية تشابه أسباب الصراعات منذ الإستقلال وحتى الأن بأن هناك: ثمة علاقة عضوية/هيكلية تربط مابين الهيمنة السياسية/الثقافية القائمة على آيديولوجيا العروبة والإسلام والمربوطة بأهداف السيطرة والإستحواذ من جانب، وإستمرارية النزاع واستدامته من جانب ثانٍ، وتقف هذه العلاقة كسبب جوهري وراء إستمرار الحرب لفترة طويلة
(ج)اهتم الاتفاق بمسألة ايجاد حلول مستدامة لقضية النزاع المسلح ظلت واحدة من التحديات الرئيسية التي واجهت الاستقرار السياسي في السودان وادت وسوف تؤدي الي فشل اي مجهودات تبذل لجهة تحقيق تحول ديمقراطي او تنمية مستدامة لكن
(د) يتماشي الاتفاق المشترك مع شعارات الثورة بشكل جيد(حرية-سلام-عدالة) والوثيقة الدستورية التي نصت علي إقامة سلام عادل وشامل، ووضع حد للحرب من خلال مخاطبة جذور المشكلة السودانية.
(خ) الاتفاق الذي وقع بين حمدوك والحلو حيث يمتلك الاول سند اقليمي ودولي وشعبية جماهيرية لكنها تراجعت مؤخرا بينما يمتلك الثاني سند اقليمي ودولي ومحلي واراضي محررة وقوة عسكرية ومصداقية لدي القوي السياسية وتجمع المهنيين وتجمع الاجسام المطلبية وتجمع القوي المدنية والتنظيمات النسوية ولجان المقاومة والنازحيين واللاجئيين
(ه)حظي الاتفاق بترحيب محلي واقليمي وعالمي حيث وصف الاتفاق بأنه خطوة جيدة كما وجد الاتفاق دعما من الحزب الشيوعي والموتمر السوداني والاتحادي الاصل والتحالف السوداني وتجمع القوي المدنية وتجمع المهنيين السودانيين ،والاتحاد النسائي ،وتجمع الاجسام المطلبية ولجان المقاومة والنازحيين واللاجئين خارجيا كان هناة ترحيب لكل من بريطانيا وامريكا وفرنسا بالاتفاق حيث علق مفوض السياسية الخارجية بالاتحاد الاوربي جوزيب بوريل علي الاتفاق وكتب بوريل علي تويتر:ارحب باتفاق المبادي وكذك كتب السفير البريطاني بالخرطوم مرحبا بالاتفاق.
رابعا.. عقاب في الطريق:
مثلما أشرنا الي فرص نجاح الاتفاق هناك ايضا عقبات في طريقه،صحيح ان هناك تفاؤل كبير وتاييد واسع وجده الاتفاق من قبل قوي سياسية، ومنظمات مجتمع مدني، واجسام مطلبية ومهنية وتنظيمات نسوية لكن هناك ايضا رفض مكتوم لدى بعض المكونات في قوي الحرية والتغيير والمجلس العسكري ورفاق الكفاح المسلح ،دوافع تلك الجهات الرافضة معلومة ،واقعيا نري ان تلك العقبات التي اشرنا لها قد لا تكون كافية لافشال الاتفاق لان الشعب السوداني صاحب المصلحة في الاتفاق بجانب الحركة الشعبية شمال والجهاز التنفيذي برئاسة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك لهما مصالح كبيرة ،ويريد حمدوك تحقيق واحد من شعارات الثورة وهو السلام والذي سبق وان اعلن مرارا بأن الستة اشهر الاولي من عمر الفترة الانتقالية ستكون لتحقيق السلام ومعالجة الوضع الاقتصادي ففي قضية السلام تم توقيع اتفاق بالاحرف الاولي علي اتفاقيات سلام جوبا بين الحكومة والجبهة الثورية الذي يصفه البعض بسلام المسارات الذي يرفضه البعض، ويصف بأنه سلام محصصات ووظائف بينما القضية الثانية وهي الاوضاع الاقتصادية فقد استحكمت حلقاتها علي الشعب وهنا تكفي نظرة واحدة للصفوف امام المخابز او سماع النقاشات في المركبات العامة او البرلمانات الشعبية المتحركة التي يبداء فيها النقاش من قيمة تعرفة المواصلات، والفشل في حل المشكلة الاقتصادية، اما الطرف الثاني من الاتفاق القائد الحلو فقد خاطب أربعة فعاليات في يوم واحد نظمتها الحركة الشعبية امس الخميس بكل من الخرطوم ونيالا والجنينه وكاودا دعا فيها الشعب السوداني وقوي المجتمع المدني للتمسك باتفاق الثالث من سبتمبر الحالي والتأكيد علي تبنيه بواسطة كل مكونات الحكومة الانتقالية لاكمال عملية التفاوض، وانجاز التحول الديمقراطي الذي لن يتحقق الا بدستور يفصل بين الدين والدولة،ويضمن حياد جهاز الدولة حتي يقف علي مسافة متساوية من كل الاديان والاعراق والثقافات ،واوضح الحلو ان اتفاق الثالث من سبتمبر وضع الاساس وخارطة طريق لحل جذري للمشكلة السودانية، وانه-أي-الاتفاق يمثل فرصة كبيرة للحفاظ علي وحدة ماتبقي من البلاد واستقرارها، وقال الحلو ان الاتفاق الواسع الذي حظي به الاتفاق دليل علي نجاعته كحل لاسباب الصراع وهذا الاجماع غير المسبوق جعل هذا الاتفاق ملكا للشعب السوداني ليقوم بالدفاع عنه، وحمايته من اجل السلام، والاستقرار والتنمية والتقدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *