رياضة (المصارعة) والسلام.. تحول السودان من ساحات القتال لميادين التقارب الاجتماعي

تقرير: هيام تاج السر

تعتبر رياضة المصارعة أو (الصراع) رياضة شعبية في السودان تعبر عن الثقافة المحلية للمجتمعات، فهي ليست مجرد رياضة وفقاً للمراقبين بل هي تراث عظيم يرجع تاريخه إلى أكثر من مائتي سنة قبل الميلاد لشعب النوبة، و(الصراع) في جبال النوبة عبارة عن طقوس تبدأ من إعداد (اللاعب الفارس) ومروراً باختيار مكان وزمان النزال، لأن الفارس يمثل عنوان القبيلة وهي ليست منافسة يسعى اللاعب من خلالها إلى الكسب والفوز فقط، لكنها رياضة لها قيم وهي إظهار الفراسة وإعداد الشباب والأبطال وإعلاء شان القبيلة، وهي رياضة فيها التسامح والمحبة وتنتهي بتجسيد (السلام) الذي يتمثل في حمل الفائز للخاسر على كتفه بعد انتهاء النزال.

مواسم السلام

 زعماء القبائل كانوا يتخذون من مواسم الصراع والأسبار مكاناً لتبادل المعارف والمصالح ورتق النسيج الاجتماعي والصلح بين المتخاصمين، فكان موسم الصراع هو مهرجان كبير (للسلام).

وعلى ذات النسق سار الاتحاد الرياضي السوداني للمصارعة بعد تأسيسه في أكتوبر ٢٠٠١م، حيث ظلت (حلبات) المصارعة في كل مدن السودان قبلة لكل أبناء السودان بتنوعهم الإثني والديني، كما تعتبر مكاناً للمتعة والفرجة والتفاعل مع اللمسات والإيقاعات التي تصاحب الصراع من رقصات وأغاني (الحكّامات) والشبال والعطر، كما يشكل الأجانب من جميع دول العالم حضوراً في جميع الحلبات خاصة حلبة شرق النيل بولاية الخرطوم.

رتق النسيج الاجتماعي

وعلى مستوى البطولات تمكن الاتحاد السوداني للمصارعة من أن يعمل على رتق النسيج الاجتماعي والإسهام في التعايش السلمي، حيث ظهر ذلك في جميع البطولات التي أقيمت في حلبة شرق النيل، ثم بطولة الجمهورية الرابعة بولاية شمال كردفان ٢٠١٦، وكسلا ٢٠١٧، والبحر الأحمر ٢٠١٨ وجنوب كردفان ٢٠١٩م، أي أن المصارعة سبقت الجميع في تعزيز رسائل (السلام)، ووجد ذلك صدى وقبولاً من قبل المواطنين وخاصة الرياضيين.

 وجمعت المصارعة كل أبناء السودان دون تمييز فاستحقت أن تكون هي رياضة السلام.

وقال رئيس الاتحاد السوداني للمصارعة المحامي الله جابو سليمان كابو، لـ (مدنية نيوز) اليوم إنه وفي سبيل إنزال السلام على الأرض كانت الشعارات المعبرة لكل بطولة، حيث كانت بطولة الجمهورية السادسة للكبار بولاية البحر الأحمر ٢٠١٨م تحمل شعار( السلام)، ثم بطولة الجمهورية السابعة لفئة الكبار بولاية جنوب كردفان تحت شعار (حنبنيهو) وهو شعار يحمل مضامين ثورة ديسمبر وتحقق ذلك فعلياً من خلال التفاعل الجماهيري والحكومي حيث كان الجمهور بمختلف مكوناته يردد شعارات السلام والثورة وينظر لغد أفضل للسودان باجتماع كل الفرقاء، ثم كانت بطولة الجمهورية الثالثة للناشئين والشباب بولاية كسلا ٢٠١٩م تحت شعار (بسواعدنا نبني بلدنا والسلام هدفنا)، حيث ساهمت البطولة في رتق النسيج الاجتماعي ومعالجة الصراع الأهلي من خلال المنافسات والبرامج المصاحبة التي كانت حديث مواطني الولاية، وأشار إلى أن بطولة الجمهورية للناشئين والشباب والمقرر لها الأسبوع الأخير من أكتوبر الجاري تحت شعار (الرياضة جسر للسلام) تليها بطولة الجمهورية الثامنة للكبار بولاية الجزيرة آخر العام تحت شعار (الصراع أساس التعايش السلمي).

وأضاف الله جابو، أن هذه الشعارات تحققت فعلياً على أرض الواقع في كل الولايات التي استضافت البطولات، وأن اتحاد المصارعة سبق كل المكونات في المناداة بالسلام الحقيقي، وتابع: تشهد على ذلك كل اللقاءات في جميع المناسبات والبطولات لأنها حقيقة رياضة سلام.

ولفت رئيس الاتحاد السوداني إلى أن المصارعة بها تنوع في اللاعبين والجمهور، رغم أنها رياضة وتراث شعب النوبة، وقال: إلا إنها استطاعت ان تجذب كل أبناء السودان فكانت مشاركة أبناء قبائل كردفان البقارة والحوازمة وغيرهم ثم قبائل الفور والداجو ثم الدناقلة ثم الأنقسنا والهوسا في النيل الأزرق ثم الرشايدة في كسلا، وهذا التواجد الخليط من اللاعبين يؤكد قومية المنشط مع الاحتفاظ بالحق الأدبي لأهله وأصحاب التراث وهم شعب النوبة، وذكر أن الحضور الجماهيري بكل ثقافاته وألوانه ومعتقداته يمثل دليلاً على أن رياضة المصارعة هي الأكثر حظاً في أن تجمع كل أبناء السودان في مكان واحد وفي سلام حقيقي.

تمازج في البطولات

وحسب متابعات (مدنية نيوز) فإن جمهور المصارعة محب لها وفي كثير من البطولات نجد أن الجماهير تسافر لتشجع منتخباتها، وكان ذلك واضحاً في بطولة الجمهورية الرابعة بولاية شمال كردفان ٢٠١٦م عندما كان جمهور جنوب كردفان يكاد يفوق جمهور شمال كردفان رغم أنها الولاية المستضيفة، وسبب ذلك أن المصارعة في كردفان هي الهواء الذي يتنفسه الإنسان طبقاً لتعبير الكثيرين، فلا يكاد يسمع بتنافس للمصارعة إلا وخف الى المكان ليستمتع بإرثه وتراثه العظيم ويعبر عن ذلك حقيقة.

ويتوقع خبراء اللعبة أن تشهد بطولة الجمهورية لفئة الناشئين والشباب التي ستقام بولاية النيل الأزرق في الفترة من (24-30) أكتوبر الحالي بمشاركة (13) اتحاداً ولائياً تحت شعار (الرياضة جسر للسلام)، حضوراً للجماهير من ولاية سنار لتشجيع منتخبها ثم الاستمتاع برياضة المصارعة، بالإضافة إلى جماهير ولاية الخرطوم المتابعة لنشاط المصارعة التي أعلنت استعدادها لمرافقة منتخبها على أمل ان يعود بكأس البطولة، بجانب جمهور النيل الأزرق بكل تميزه الذي يجتمع فيه كل أبناء السودان، حيث ستقام البطولة في (الدمازين، الرصيرص وباو).

اهتمام إعلامي

 ساهم الإعلام بصورة إيجابية في تعريف الجميع برياضة المصارعة وقوانينها ولاعبيها، حيث كان الصحافة والإذاعات تنقل تلك التفاصيل، بالإضافة إلى عدد من القنوات الفضائية الداخلية والعالمية، ولعل ما قامت بتوثيقه قناة Bein Sports في جنوب كردفان أثناء بطولة الجمهورية السابعة لفئة الكبار يعد دليلاً على أن رياضة المصارعة تجد الاهتمام الإعلامي، حيث ظلت تلك المادة تعرض عبر القناة حتى الوقت الراهن، وكانت تغطية يصفها المهتمون بلعبة المصارعة بالمتميزة، ويشيرون إلى أنها تضمنت توثيقاً لمسيرة اللاعب القومي فتحي محمد يعقوب الملقب بالكلك، ثم هناك قناة الهلال وقناة النيلين اللتين كان حضورهما وتوثيقهما ونقلهما للبطولات الأثر الكبير في نشر رياضة المصارعة وإيصال رسالة المصارعة التي تعمل على بناء السلام الحقيقي بين أبناء الوطن الواحد.

مكتسبات

من خلال بطولات الجمهورية طبقاً لمتابعات (مدنية نيوز) فإن هناك مكاسب عديدة منها التعريف بثقافة المنطقة والتعريف بالولاية وإنسانها وتميزها، ثم تأثير هذا الحضور الكبير من كل الولايات في إرساء دعائم السلام، وأسهمت بطولة جنوب كردفان بصورة مقدرة، إذ كان التلاقي بين أبناء النوبة والبقارة والحوازمة في المنافسات، والذين يمثلون ولاياتهم واجتماع آخر على المساطب في (إستاد كادقلي) وتفاعل (الحكّامات)، وحضور الجماهير من (الفرقان)، والتي جاءت ليستمتع بمشاهدة الأبطال القادمين للولاية، حيث كانت هي البطولة القومية الأولى التي تقام بالولاية، فكان السلام الحقيقي ماثلاً للعيان، واختفت كل مظاهر العنف أو الاعتداء وكل ذلك كان بفضل رياضة المصارعة.

أما في ولاية كسلا فقد أسهمت هذه الرياضة في حل الاشتباكات الأهلية التي حدثت، وحققت بطولة الناشئين والشباب التعايش السلمي بين المكونات الاجتماعية في كسلا عبر البرامج المصاحبة واللقاءات التي تمت على مستوى أطراف النزاع الأهلي في الولاية، بل ومشاركة اللاعب (حميد) من أبناء الرشايدة في جولة من جولات المصارعة، وكل هذا الحراك يؤكد الدور الذي تؤديه رياضة المصارعة، ولأجل هذا أصبحت الولايات تتسابق في استضافة البطولات التي تنقلت بين ولايات (الخرطوم، شمال كردفان، كسلا، القضارف، البحر الأحمر، جنوب كردفان، النيل الأزرق ثم الجزيرة).

تخطيط قادة الاتحاد

وأشار قادة الاتحاد إلى التخطيط السليم الذي يتبعه مجلس إدارة الاتحاد الرياضي السوداني للمصارعة الذي يعمل على نشر رياضة المصارعة وتطويرها لتصبح رياضة عالمية، والمساهمة في تحقيق التعايش السلمي والسلام الاجتماعي الحقيقي الذي يوحد وجدان أهل السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *