قوى الكفاح المسلح.. المهمة المزدوجة

بقلم: خالد فضل

  الآن بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام مع فصائل الجبهة الثورية إضافة لفصيل مني أركو مناوي المنشق عن التحالف، وأيّا كان الرأي حول نواقص الإتفاق، فإنّ واقعا سياسيا لابد أن يترتب على ذلك الإتفاق. فقوى الكفاح المسلح؛ وهو المصطلح الذي تمّ استخدامه بعد سقوط نظام البشير الإسلامي نتيجة ثورة ديسمبر المجيدة، عوضا عن مصلح (الحركات المسلحة, أو الحركات المتمردة) هذه القوى حصلت إبتداء على تقدير معنوي مهم، إذ لكلا المصطلحين دلالاته السالبة فيما كان مستخدما والموجبة فيما يتم استخدامه الآن، وفي ذات الوقت فإنّ الإعتراف والتقدير للكفاح المسلح إبان معارضة النظام المباد يلقي على هذه القوى مسؤوليات جديدة، ويضعها مباشرة أمام تحدي اختبار المصداقية والقدرة فيما تدعيه طيلة سنوات النضال العسكري الشاق وما ترتب عليه من وقائع إنسانية مفجعة، مما هو معروف لجهة النزوح واللجؤ على أفضل الأحوال ناهيك عن القتل والإغتصاب وتمزيق الأسر والمجتمعات وفقدان الأرض والممتلكات وضياع المستقبل لأجيال عديدة.

    هذه مترتبات مشتركة بين الطرفين، بيد أنّه وبحسب المتغير الأساسي وهو إزالة نظام القهر والظلم المباد بات الطرفان طرفا واحدا _نظريا _ على الأقل، فقد وقّعت الجبهة الثورية على وثيقة إعلان الحرية والتغيير ضمن كتلة نداء السودان برئاسة السيد الصادق المهدي وقتذاك، وبالتالي يمكن اعتبار الجبهة الثورية كشريك أساسي ضمن بقية الكتل المكونة لقوى الحرية والتغيير والتي تمثل الحاضنة السياسية المدنية لحكومة الفترة الإنتقالية بكل هياكلها، وعندما تطالب هذه القوى بادراجها ضمن هياكل الحاضنة السياسية مثلما نالت مواقعها في هياكل السلطة؛ يبدو هذا الأمر منطقيا ومتسقا مع روح التحول نحو الديمقراطية وإعادة بناء الوطن، والسير قدما لبناء مشروع وطني ديمقراطي جديد، ولكن هذه المشاركة المستحقة ترتب تحديات جديدة على القوى ذات الطبيعة المسلحة تحديدا، وأبرز هذه التحديات يتمثل في تحولها هي نفسها من الطبيعة العسكرية أو السياسية المسلحة إلى الطبيعة المدنية البحتة، وفي البال التجربة الصعبة التي مرّت بها الحركة الشعبية لتحرير السودان عقب توقيع اتفاقية نيفاشا2005م, وهي التجربة المبذولة لكل من يتأمل، في الواقع لم تنجح الحركة في اجتياز اختبار التحول بنسبة كبيرة حتى موعد الاستفتاء على حق تقرير المصير في 2011م، وظلت متنازعة ما بين طبيعة تكوينها كحركة كفاح مسلح وواقع أنّها صارت حركة سياسية يفترض أن تكون مدنية تماما . ولعل الظرف التاريخي المتمثل في وجود سلطة مركزية تحكم السودان كله بطبيعة عسكرية عقائدية مع مسوح مدني فقط، كان سببا في تعثر انتقال الحركة الشعبية بكلياتها إلى العمل المدني، فقد كانت تعرف خصائص شريكها، بالطبع هذا لا يعفي الحركة الشعبية من قصورها الذاتي تجاه مسألة التحول، ولعل استمرارها على ذات النهج العسكري عندما آل إليها حكم الجنوب كله مما لا يخفى على أحد .

  تجربة الحركة الشعبية الماثلة تشكل عنصر يستحق التفكير العميق والعمل الدؤوب من جانب قوى الكفاح المسلح، مع توفر ظرف تاريخي مناسب نوعا ما الآن، إذ لا يوجد حزب عقائدي جهادي تغلب عليه الطبيعة العسكرية القهرية  يسيطر على الساحة السياسية ، صحيح توجد مؤسسة عسكرية وأمنية عابرة للحقب ممتدة من النظام المباد وحتى الآن، ولكن هناك في المقابل ثورة شعبية شبابية بأفق جديد ووعي متقدم لدى من يمكن وصفهم بالصناع الحقيقيين للتغيير، هولاء وإن قلّ عددهم إلاّ أنّهم يغطون على قلة العدد بالنوع، وفي العمل السياسي تلعب العناصر النوعية دورا أكبر وأهم بكثير من العناصر الكمية، إلاّ في حالة واحدة وهي (الإنتخابات) التي تحسب فيها الأصوات بالعدد لا النوع كما هو معلوم، والعملية السياسية ليست حدث انتخابي فحسب بل هي عملية مستمرة قبل وأثناء وبعد الإنتخابات، من هنا ننظر إلى وجه التحدي الذي يواجه قوى الكفاح المسلح، فإذا تم اعفائها من خوض الإنتخابات مثلا مع احتفاظها بمناصبها في أي سلطة منتخبة قادمة بعد نهاية الفترة الإنتقالية، سيظل أداؤها السياسي رهينا فقط بالمناصب التي منحت لها، وتفقد بالتالي ميزة خوض الممارسة السياسية المدنية والتلاحم مع الشعب وكسب تأييده عبر نضال مدني شاق ومرهق، إذا ركنت هذه القوى إلى خطة مثل هذه فستكون قد ارتكبت خطأ استرتيجي لبناء مستقبل سياسي لأطروحاتها التي خاضت من أجلها في الكفاح المسلح الذي يعتبر عنصرا لبلوغ غاية العمل السياسي المدني فحسب وليس هدفا في حد ذاته، المهمة أمام هذه القوى مزدوجة فعلا، فهي بحاجة إلى التحول إلى قوى سياسية أو مدنية بأشراط العمل المدني، وهذه خطوة تتطلب ولوجها ضمن سياق قوى الحرية والتغيير ولكن وفق قواعد اللعبة السياسية وليس عبر اتفاقية السلام، ومن جهة ثانية طرح رؤية سياسية جديدة تكسب بها تأييد مناصرين جدد من المدنيين  عوضا عن ركونها فقط لعناصرها التي نشأت في أحضان العمل العسكري، وفي المسافة بين هذين النوعين هناك تدخلات جانبية كثيرة واختراقات حزبية وسياسية لابد من وضعها في الحسبان، كما أن مستوى ما تقدمه عناصرها التي ستدخل إلى المناصب سيكون ضمن المعايير التي يقاس بها أداء هذه القوى ومستقبل وجودها في الساحة، إذ لسؤ حظها أنّها _ أي قوى الكفاح المسلح_ ستكون القوى الوحيدة حتى الآن التي نالت وظائف ومناصب عن طريق المحاصصة المباشرة والعلنية.

  ما نقوله عن قوى الجبهة الثورية ينطبق كذلك على حركتي الشعبية قيادة الحلو، وتحرير السودان قيادة عبد الواحد حال توقيعهما لاتفاقات مماثلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *