اتفاق سلام جوبا: تعليق حول برتكول النازحين واللاجئين

بقلم: زهير عبد الله إمام- المحامي

أتى البرتوكول متماشياً مع نهج المسارات أو التقسيم الجغرافي الذي تبنته مفاوضات السلام, حيث اقتصر على نازحي ولاجئي دارفور دون سواهم من نازحي ولاجئي مناطق النزاع الأخرى في جنوب كردفان والنيل الأزرق. لاشك أن اعتماد نهج أو سياسة التجزئة في معالجة قضايا النازحين واللاجئين في البلاد، يتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان المتعلقة بالمساواة وعدم التمييز.
عموماً، لأغراض هذا المقال، لا نود الخوض في تفاصيل المنهج الذي ابتدعه أطراف مفاوضات السلام، وسنركز جهدنا في التعليق على مضمون ومحتوى البرتكول.
احتوى البرتكول بالإضافة إلى التعريفات والمباديء العامة على سبعة مواضيع أو مواد أخرى شملت: حقوق الملكية والسكن والتعويض، الظروف الملائمة للعودة، المساعدات الإنسانية، ترتيبات التوطين وإعادة التوطين، الدعم الدولي، مفوضية النازحين واللاجئين، وأهداف ترتيبات إعادة التوطين.
بصورة عامة، أتى البرتكول ركيكاً من حيث الصياغة القانونية، لم يشر إلى أيٍ من المراجع المتعلقة بحماية النازحين واللاجئين، ويحمل في طياته كثير من التناقضات وعدم الوضوح مما قد يشكل عائقاً في تنفيذ بنوده.
التعريفات:
أولاً/ قيد التعريف أسباب النزوح على النزاعات فقط، في حين أنه فعلياً هنالك أسباب أخرى مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان من قتل واغتصاب تم ارتكالبها على نطاق واسع ضد المدنيين العزل في دارفور، وأدت إلى تشريد أعداد كبيرة من النازحين من قراهم أو أماكن إقامتهم المعتادة. يأتي هذا التعريف على خلاف ما نصت عليه مباديء الأمم المتحدة التوجيهية بشأن التشرد الداخلي(IDPs Guiding Principles),، التي عددت أسباب النزوح لتشمل بالإضافة إلى النزاع المسلح ,حالات عنف عام الأثر أو انتهاكات حقوق الإنسان أو كوارث طبيعية أو كوارث من فعل البشر.
ثانياً/ لم تشمل التعريفات العائدين سواء كانوا من النازحين الذين عادوا لقراهم أو أماكن أقامتهم المعتادة أو اللاجئين الذين عادوا إلى الوطن من معسكرات اللجوء خارج البلاد. وفقاً لإحصائية مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الانسانية(OCHA) هنالك ما يقارب 700 ألف نازح عائد (عودة تلقائية). بالرغم من عودة هذه الفئة إلاَّ أنهم مازالوا في حوجة إلى المساعدات الإنسانية وإيجاد حلول مستدامة لهم ((Durable Solutions.
تكمن الخطورة في عدم تضمين العائدين، وذلك عند قراءة المبدأ (2.7.10) الذي ينص بوضوح على أن “يكون النازحون واللاجئون، بحسب التعريف الوارد في هذا الاتفاق، الأشخاص الوحيدين المؤهلين لتلقي المساعدات والدعم وغيرها….”
ثالثاً/ على خلاف تعريف اللاجيء الوارد في الاتفاقية الدولية للاجئين 1951 وقانون اللاجئين السوداني 2014، لم يشر البرتكول في تعريفه للاجيء (1.2) إلى الأسباب المرتبطة بالتعرض للاضهاد التي قد تدفع اللاجيء إلى طلب الحماية الدولية، والمتمثلة في العرق، الدين، الجنسية، الرأي السياسي والانتماء إلى فئة اجتماعية محددة، بل اختزل أسباب اللجوء على النزاعات فقط. الجدير بالذكر أن اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمشاكل اللاجئين في إفريقيا 1969، عرفت اللاجيء بصورة أوسع وأشمل من التعريف الذي تبنته الاتفاقية الدولية وذلك لخصوصية وضع اللاجئين في القارة الإفريقية.
رابعاً/ عرف البرتوكول المهجرين داخلياً (1.3) بأنهم “جميع الأشخاص النازحين والنازحات الموجودين خارج معسكرات النزوح بسبب الحرب”. يبدو أن أطراف الاتفاق أرادوا التفريق ما بين النازحين الذين يقطنون المعسكرات (المادة 1.1) والنازحين الذين يسكنون خارج المعسكرات، وهذه تفرقة لا معنى لها وستحدث لبس مصطلحي، لأن تعريف النازح المتعارف عليه دولياً وإقليمياً يشمل الذين يسكنون في معسكرات النزوح والذين يقيمون خارج المعسكرات، سواء كانوا في تجمعات سكنية في أطراف المدن والقرى، أو في داخل المدن والقرى نفسها. لا ندري الأسباب التي دفعت الأطراف لذلك، ونخشى أن تنتج هذة التفرقة نوعاً من التمييز في المعاملة والاستحقاقات بين النازحين. يتضح أثر هذا اللبس والتناقض في صلب البرتوكول في المباديء العامة الفقرة (2.2) التي نصت على وجوب احترام و ضمان حقوق الإنسان للمهجرين داخلياً…” هل ذلك يعني أن النازحين الذين يقطنون معسكرات النزوح والنازحين لأسباب بخلاف الحرب غير معنيين بهذا المبدأ؟؟.
خامساً/ عرف البرتوكول المقيمين في أراضي الغير (1.4) بأنهم “الأشخاص أو المجموعات التي تشغل أو تستغل أراضي الغير بصفة غير شرعية بسبب النزاع في دارفور.” النص به إيجاز مخل ولم يسمِ الأشياء بمسمياتها. كان الأحرى أن ينص بوضوح على الاشخاص أو المجموعات التي تشغل أو تستغل أراضي النازحين أو اللاجئين بصفة غيرشرعية. موضوع الأرض يعتبر من الأسباب الرئيسية للنزاع في دارفور، فضلاً عن أن احتلال أراضي النازحين من قبل مجموعات مسلحة موالية للنظام البائد، ما زالت تعيق عودة النازحين الطوعية لقراهم.
المباديء العامة:
أولاً/ أشار( المبدأ 2.1) إلى التزام الطرفين بجميع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة بالنازحين واللاجئين المصادق عليها من قبل حكومة السودان. بالنسبة للاجئين صادق السودان على الاتفاقية الدولية لحماية اللاجئين 1951 والبرتكول الإضافي 1967. فيما يتعلق بالنازحين صادق السودان على ميثاق البحيرات الكبرى بشأن الأمن والسلام والتنمية ديسمبر 2006, والذي يتألف من عشرة بروتكولات، اثنان منها مرتبطان مباشرة بالنازحين ( المادة 11 من بروتوكول منع وقمع العنف الجنسي ضد النساء والأطفال- والمادة 12 من بروتوكول حماية ومساعدة النازحين داخلياً).
على الصعيد الوطني، ليس هنالك قانون أو تشريع خاص بالنازحين. على المستوى الإقليمي، لم يصادق السودان على اتفاقية الاتحاد الإفريقي لحماية ومساعدة النازحين داخلياً لعام 2009 أو ما يعرف باتفاقية كمبالا والتي دخلت حيز التنفيذ لتشكل أول اتفاقية ملزمة قانوناً – على الصعيدين الدولي والإقليمي- ومختصة في شؤون النازحين داخل بلدانهم. لذا كنا نرى بأن ينص البرتوكول على أن تكون مباديء الأمم المتحدة التوجيهية بشأن التشرد الداخلي، مرشداً وهادياً للطرفان في تنفيذ بنود البرتوكول. الجدير بالذكر، أن معظم الدول التي بها حالات نزوح، استرشدت بالمباديء التوجيهية في صياغة سياساتها وقوانينها الداخلية المتعلقة بحماية النازحين.
ثانياً/ نص المبدأ (2.2) على “حماية النازحين واللاجئين من النساء والأطفال وجميع الفئات الضعيفة الأخرى ضد جميع أشكال التحرش والاستغلال والعنف القائم على الجنس أو العنف القائم على النوع”. من الواضح أن المقصود هو الإساءة والاستغلال، لأن التحرش صورة من صور العنف الجنسي والعنف القائم على النوع.
حقوق الملكية والسكن والتعويض:
تعرضت المادة (3) إلى حق النازحين واللاجئين في العودة الطوعية إلى منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم، إلاَّ أنها لم توضح الإجراءات التي تمكن النازحين واللاجئين من استرداد مساكنهم وأراضيهم وممتلكاتهم.
مفوضية النازحين واللاجئين:
تحت بند مهام واختصاصات مفوضية النازحين واللاجئين نص البرتكول على أن تعمل المفوضية مع اليوناميد وغيرها من وكالات الأمم المتحدة والوكالات الوطنية لضمان الحماية اللازمة للنازحين واللاجئين. ما تجدر الإشارة إليه أن تفويض البعثة الهجين (اليوناميد) تحت البند السابع الذي يشمل حماية المدنيين، سينتهي في ديسمبر المقبل, ، أي بعد أقل من شهرين. كان من الأجدر أن يشير البرتكول إلى خطة حماية المدنيين التى تبنتها الحكومة الانتقالية في أغسطس 2020 كبديل لملء الفراغ الذي ستحدثه اليوناميد بعد انتهاء مهمتها. بالاضافة الى بعثة الأممم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال((UNITAMS والتي يشمل جزء من مهامها حماية المدنيين.

أخيراً وليس آخراً، هنالك مواضيع مهمة أخرى لم يتناولها البرتكول بصورة مفصلة مثل لم شمل الأسر والوثائق الشخصية والحماية، بل جعلها مبتسرة ومتفرقة في المباديء.
فيما يتعلق بالإطار القانوني لحماية النازحين، بالرغم من أن السودان يعتبر من أكثر الدول تأثراً بالنزوح الداخلي، إلاَّ أنه لم يتم سن قانون وطني خاص بالنازحين حتى الآن، فضلاً عن عدم المصادقة على اتفاقية الاتحاد الإفريقي الخاصة بحماية النازحين. لذا، في هذا الخصوص، نوصي بأن تسرع حكومة الفترة الانتقالية في المصادقة على الاتفاقية المذكورة وسن تشريع يتواءم مع الاتفاقية.

* باحث ومتخصص في قضايا النازحين واللاجئين

6 thoughts on “اتفاق سلام جوبا: تعليق حول برتكول النازحين واللاجئين

  • 2020-10-14 at 5:35 م
    Permalink

    هذا مقال تشريحي علمي بامتياز يبين ان الكاتب قد اطلع على الاتفاقية الاطلاع الكافي الذي مكنه من ان يعمل ادواته النقدية بصورة متكاملة على النحو الذي اخرج لنا هذه الرؤية التي تمثل دراسة علاجية شافية للنقص الوارد في الاتفاقية خصوصا فيما يتعلق باوضاع النازحين.
    اتمنى من الجهات ذات العلاقة الاطلاع على هذه الدراسة ووضعها موضع النظر.

    Reply
    • 2020-10-20 at 11:08 م
      Permalink

      شكرا جميلا أ. محمد ابراهيم على القراءة والتعليق. خالص الود والاحترام

      Reply
  • 2020-10-16 at 12:49 م
    Permalink

    تحليل ممتاز اجتهد فيه الكاتب واستخدم خلفيته المعرفيه بقضايا حماية اللاجئين والنازحين. سوف اكتب مقالا تحليليا لهذه الدراسه الجاده

    Reply
    • 2020-10-20 at 11:12 م
      Permalink

      الشكر أجزله أ. عبدالله محمد علي القراءة والتعليق.محبتي واحترامي..

      Reply
  • 2020-10-19 at 10:46 م
    Permalink

    النقد الذي تقدم به كاتب المقال يتسم بالموضوعيه والمهنيه ولا غرو في ذلك فقد اعتمد في تحليله على معرفته وخبرته التراكميه في قضايا النزوح واللجو من واقع عمله في المنظمات الدوليه وموهلاته الاكاديميه في مجال القانون. وبصفتي كقانوني اتفق معه فيما ذهب اليه الا اني ارى ان نفسر ما ورد بالبروتوكول بما لا يتعارض مع التز أمات السودان تحت القانون الدولي لحقوق الإنسان برغم الركاكه في الصيغه التي أشار إليها كاتب المقال ولا اظنه يخالفني الرأي في هذا حتى يقطع الطريق لأي محاوله الالتفاف حول الحقوق الثابته في تلك المواثيق اقترح على الكاتب ان يطور هذا المقال ليصبح ورقه علميه لتصبح هاديا لمن يتولون ملفات السلام حول قضايا النزوح واللجو عموما واني على ثقه بذلك

    Reply
    • 2020-10-20 at 11:16 م
      Permalink

      شكراً عزيزا أ. صديق ابراهيم علي القراءة والتعليق. ما اقترحته سيجد منا الاهتمام. خالص التقدير والاحترام…

      Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *