مصادرة الكتب والروايات في السودان.. الورّاقون هل يجنون ثمار الحرية؟

تحقيق: آيات مبارك

لم يسلم المنتج السردي في السودان منذ أكثر من (30) عاماً من مقصِّ الرقيب وأيادي المصادرة، وقد شهدت الأوساط الأدبية والثقافية قمعاً وُصِفَ بالمُمنهج، وهجراتٍ متواصلة لمئات الأسماء التي كانت ترسم المشهد الأدبي بعد أن كانت تتم مصادرة الكتب لمجرد رسومات الغلاف أو العنوان.

وكان جهاز المخابرات العامة في السودان قرر في أغسطس الماضي، إعادة (2000) كتاب تمت مصادرتها من شخصيات ومكتبات عامة خلال عهد النظام المخلوع، في مختلف العناوين، إلى أمانة المصنفات الفنية والأدبية.

ومنعت حكومة النظام المخلوع رواية (الجنقو مسامير الأرض) للروائي عبد العزيز بركة ساكن، الحائزة على جائزة الطيب صالح، من قِبَلِ المصنفات الأدبية والفنية السودانية بدعاوى أن بها ألفاظاً خارجة وأنها خادشة للحياء.

وكذلك في العهد الذي أنهته ثورة ديسمبر تم منع رواية الكاتب نور الدين الصادق (بعض هذا القرنفل) لسنوات طويلة بدعاوى أنها خادشة للحياء العام، إضافة إلى كتاب تاريخ السودان الحديث الذي منع من النشر بسبب احتواء فصوله الأخيرة على كشف فساد الحكومة المخلوعة في التسعينيات وجرائمها في حقول البترول. وخلال ذلك العهد تم منع كثيرٍ من الكتب منها كتاب (الطائر الجميل المتواضع) للكاتبة إستيلا قايتانو، الذي أُفرج عنه عقب أيلولة مجلس المصنفات الأدبية لحكومة التغيير بعد الثورة. وقالت إستيلا قاتيانو لـ(مدنية نيوز) اليوم: وقتها تم إبلاغي بأن الكتاب ليس به مشكلات تربوية وأنه عميق لكنه غير صالح للنشر بدعوى أنه يحتوي على رسوم غير محتشمة.

وأضافت: (حينها حاولت إقناعهم بأن الثقافات الأفريقية لا تتوقف في مثل هذه المسائل، وعرضوا عليَّ إدخال بعض التعديلات على الرسومات لكني رفضت وهي من أعمال التشكيلي العالمي حسن موسى).

وأوضحت إستيلا، أنه تم نشر الكتاب في جوبا، وزادت: (لكن تمت مصادرته في معرض الخرطوم للكتاب، بعدها ظل لمدة 5 سنوات في حالة أشبه بالركود داخل المخازن بمدينة جوبا، إلى أن صدر بيان من المصنفات الأدبية وحرر كل الكتب المحظورة واعتذر لدور النشر).

ما بعد التغيير

وفي شهر مارس من هذا العام أصدر الأمين العام لمجلس حماية حق المؤلف، والحقوق المجاورة حاتم إلياس عدداً من القرارات صاحبت التغيير أولها هو إلغاء حظر جميع الأعمال السردية السودانية، التي تمّ حظرها في عهد النظام المخلوع، ثم السماح بتداول ونشر مؤلفات محمود محمد طه، زعيم الحزب الجمهوري الذي أعدمه الرئيس المخلوع الأسبق جعفر نميري في أواخر أيام حكمه، إضافة إلى حل اللجان التي كان يستعين بها مجلس المصنفات الفنية والأدبية في حظر الكتب.

وكانت الأمانة العامة لمجلس المصنفات الأدبية والفنية قد أعلنت في بيانٍ لها أنّ حظر الأعمال كان قد اعتمد على إسقاطات سياسية وأيديولوجية، واعتمدت على مواقف لا علاقة لها بالمعايير الإبداعية وشروطها، وفي ذلك مخالفة صريحة لقانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة والمصنفات الأدبية والفنية لسنة2013م.

أسبوع الكتب الممنوعة

احتفاءً بحرية النشر والقراءة تحتفل مكتبة أفيال الإلكترونية في السودان هذه الأيام بأسبوع الكتب الممنوعة الذي يوافق منتصف أكتوبر من كل عام، وقد عرضت المكتبة كتباً ورواياتٍ منعت من النشر في أزمان مختلفة ولأسباب مختلفة.

وقالت لمياء نبيل الحسن، من مكتبة أفيال إن الأقبال كان كبيراً جداً خلال هذه الفترة الشيء الذي أسهم في تعرف القراء على المكتبة التي كانت متنوعة ما بين أدب عربي ومترجم إلى سياسة وتاريخ وفكر، وإن الإقبال طال كل العناوين بذات المستوى، وتابعت: (إلا أن كتاب تاريخ السودان الحديث لروبرت كولينز، كان هو الأكثر مبيعاً).

عدم جدوى الرقابة

وحول الاختفاء بالكتب الممنوعة، قال الناقد محمد حواية الله: (ليس غريباً أن يستمرّ السودانيون في الاحتفاء بأسبوع الكتب الممنوعة حال خروجهم من نظام شمولي)، وأضاف: (لا يحارب أي عمل فني إلا من يخافه، وأظن أن مسألة الرقابة والمنع أصبحت بلا جدوى مع التطور التكنولوجي الذي يسَّرَ نشر الكتب إلكترونياً بصورة تجعل إخضاعها للرقابة في عداد المستحيلات، وعلى الرقابة أن تدرك كذلك ألا خطر من المعرفة أيّاً كان مصدرها).

سريان قانون المصنفات

ومن جانبه أوضح محمد عمر، صاحب مكتبة الوراقين، أن الشيء الوحيد الذي تم إيقافه هو الرقابة القبلية وتم الإفراج عن كل الكتب وتوقفت الغرامات، ونوه إلى أن قانون المصنفات الأدبية ما يزال بكامل مواده دون تغيير وإنما تم تعطيله بصورة واضحة، وذكر: (باختصار الناس ديل كانوا شغالين بي طريقتهم وهسي وقفوا بطريقتهم)، وأشار إلى عدم وجود رؤية واضحة لقطاع النشر، أو حتى محاولة دعمه والبحث عن إدخال هذه الصناعة محلياً تلك العملية التي تكلف الدولة كثيراً.

وأكد محمد عمر في حديثه لـ(مدنية نيوز) أن الآمال كانت عريضة على الفترة الانتقالية، وقال: لكن سياسة التجاهل والتأجيل وحتى الإيقاف كانت هي السائدة، كمثال الإعلان المفاجئ بتأجيل معرض الخرطوم الدولي للكتاب 2020م، وإذا كان السبب هو جائحة كورونا، فإن المعارض العربية التي توقفت أعادت جدولة معارضها من جديد لتبدأ من نوفمبر المقبل، وكان يمكن للوزارة أن تجدول المعرض بالتنسيق مع اتحاد الناشرين السودانيين واتحاد الناشرين العرب، وأردف: “لكن ما رآه القائمون على أمر الثقافة أن يلغوا ببساطة كامل بند معرض الكتاب والفعاليات الثقافية في سنة كاملة أصبحت (عمياء في تاريخ الثورة)”، وردد: “هي نفس العقلية القديمة التي ترى أن الثقافة هي أول عبء يمكن التخلص منه ورميه بسهولة”.

حرية النشر

ومن ناحيته قال المحامي محمد المصطفى أبوحراز إن قانون المصنفات قاصر، وإن وجه قصوره يتمثل في الوضع الذين يعانيه الكُتَّاب والمبدعون أصحاب الحقوق المجاورة والأصلية، لا سيما أن هنالك مساحات في القانون تحتاج لأن تكون أكثر دقة وتحديد، فالقانون نفسه لم يكن جهداً أصيلاً لمُشرِّع سوداني، إنما كان عملية استنساخ لتشريعات أخرى. وأضاف: “لكن نحن نشهد للتغيير الذي كان أثره واضحاً على حرية النشر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *