العلمانية والسلام الشامل.. نشاط في ساحات العمل الجماهيري بالسودان

الخرطوم: أيمن سنجراب

دخلت قضية علاقة الدين بالدولة حيز العمل الجماهيري في السودان بعد أن كانت حديثًا للنخب، حيث رمى تجمع المهنيين السودانيين بثقله وحسم أمره في تلك القضية وأعلن رسميًا تبنيه للعلمانية، قبل أن يعلن مع الحركة الشعبية لتحرير السودان/ شمال وحركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق) والحزب القومي السوداني إقامة فعالية جماهيرية لاستكمال السلام ودعم الاتفاق الذي تم مؤخرًا بين رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، ورئيس الحركة الشعبية شمال عبد العزيز الحلو، وأقيمت الفعالية بساحة الحرية بالخرطوم في (24) سبتمبر الماضي.

وكانت (مدنية نيوز) قد أشارت إلى إقامة فعاليات مؤيدة للاتفاق في عدة مدن سودانية منها (الخرطوم، كاودا، أبو جبيهة، الدلنج).

وأشار تجمع المهنيين في بيان صدر في (23) سبتمبر الماضي إلى أهمية تأكيد دعم ترتيبات السلام والتعبير عن السند الشعبي والجماهيري لعملية السلام ومطلوباتها.

ونص الاتفاق الذي تم توقيعه بواسطة (حمدوك والحلو) في (3) سبتمبر الماضي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا على وجوب قيام دولة ديمقراطية في السودان، وأنه ليصبح السودان دولة ديمقراطية تكرس حقوق جميع المواطنين، يجب أن يقوم الدستور على مبادئ (فصل الدين عن الدولة)، وفي حالة غياب ذلك يجب احترام حق تقرير المصير.

وكانت الحركة الشعبية برئاسة الحلو، قد طرحت العلمانية في التفاوض مع الحكومة السودانية، وتمسكت بحق تقرير المصير للمنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) في حالة عدم الاستجابة لمطلبها.

قضية قديمة متجددة

وحول تبني تجمع المهنيين السودانيين للعلمانية أوضح عضو سكرتارية التجمع حسن فاروق، أن قضية فصل الدين عن الدولة قديمة حيث تبناها التجمع الوطني الديمقراطي في مقررات أسمرا للقضايا المصيرية، وأن تجمع المهنيين اعتمد فصل الدين عن الدولة عبر مجلس التجمع الذي يمثل أعلى جهة تشريعية، وذلك قبل أن يشهد التجمع حالة الانقسام الأخيرة، وأن الخطوة جاءت استنادًا على أن تحقيق السلام يتطلب تبني العلمانية.

وأبان حسن فاروق، أن خطوة تجمع المهنيين بتوقيع الاتفاق السياسي مع الحركة الشعبية بقيادة الحلو، سبقتها خطوة تصريح مشترك للتجمع والقوى المدنية بأن عملية السلام تتطلب فصل الدين عن الدولة.

اختراق وواقع ماثل

ورأى عضو سكرتارية تجمع المهنيين أن الاختراق في اتفاق الإعلان السياسي مع الحركة الشعبية كان كبيرًا، حيث تضمن فصل الدين عن الدولة وفتح المجال لإجراء حوارات جعلت التعامل مع القضية يتم بذهن مفتوح، وتم كسر الخوف من تناولها (خاصة أن هناك من ظل يتاجر بها).

وأشار حسن فاروق، إلى أن الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل الذي كان مشاركًا للنظام المخلوع حتى لحظة سقوطه وقع مع الحركة الشعبية بقيادة الحلو، على فصل الدين عن الدولة ولم يجد ذلك الاتفاق ردود أفعال سالبة، وشدد على أن هناك من حاول (شيطنة) اتفاق تجمع المهنيين والحركة الشعبية.

وكان الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل والحركة الشعبية قد وقعا في يناير الماضي إعلانًا مشتركًا لدعم قضايا السلام.

واعتبر عضو سكرتارية تجمع المهنيين، أن قضية فصل الدين عن الدولة أصبحت مطروحة في الوقت الراهن في المنابر وتقبلها الشعب بكل هدوء بعد أن أدرك بأنها لا تمس الدين، عدا الأصوات التي وصفها بالنشاز، وقال (خلال الثلاثين عامًا الماضية كان النظام المخلوع يتاجر باسم الدين)، وأضاف: (الثورة هدفت لإحداث تغيير يوقف سرقة إرادة الشعب، والشعب هو من يحدد كيف يحكم السودان، وقضية فصل الدين عن الدولة أصبحت واقعية ومقبولة ولها سند جماهيري).

ونوه حسن فاروق، إلى أن موكب استكمال الاتفاق الذي شهدته ساحة الحرية هدف لاستكمال السلام ودعم الاتفاق الذي تم توقيعه بين رئيس الوزراء ورئيس الحركة الشعبية، وأن ذلك النشاط الجماهيري يمثل جزءًا من مطلوبات الاتفاق الذي تم توقيعه بين تجمع المهنيين والحركة الشعبية.

المئات يشهدون فعالية استكمال السلام

وشهد المئات فعالية استكمال السلام وتأييد الاتفاق الذي تم توقيعه بين (حمدوك والحلو)، وتمت مخاطبته من عدة جهات، وأشارت ممثلة الاتحاد النسائي السوداني رندة عبيد، إلى أهمية إنصاف النازحين واللاجئين وتحقيق العدالة النوعية، ورأت أن الاتفاق يعتبر خطوة في سبيل السلام الشامل والعادل الذي يبحث في جذور الأزمة لحلها بصورة نهائية، وأكدت دعم الاتحاد النسائي له من أجل وقف الحرب وتحقيق السلام، الذي طالبت بأن يكون ملفه تحت مسؤولية السلطة التنفيذية، والإسراع في الخطوات اللاحقة.

ومن جانبه شدد رئيس مؤتمر كوش محمد جلال هاشم، في ذات الفعالية على أهمية معالجة جذور الأزمة، وأنه لا يمكن تحقيق سلام حقيقي دون استعادة الدولة لعلمانيتها لحفظ الحقوق ومنع التعدي على الآخرين، ورأى أن العلمانية تمثل شرطاً من شروط الدولة، وحذر من تمزق السودان حال فقدان ذلك الشرط، وأشار إلى أن تفكيك الدولة الدينية يتم بمواجهتها وليس استصحابها.

ووصف محمد جلال، اتفاق (حمدوك- الحلو) باتفاق الشجعان، وتمسك بضرورة أن يصبح اتفاقاً رسمياً.

الحلو وحديث الخطوة الجريئة

ومن ناحيته رأى رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال عبد العزيز الحلو، الذي خاطب الفعالية عبر رسالة صوتية مسجلة، أن خروج الجماهير لتأييد الاتفاق يدفع بالعملية السلمية للأمام لتنتج سلاماً عادلاً وشاملاً يضمن تحقيق السودان الجديد ويوقف العنف، ومن ثم يتم التوافق على عقد اجتماعي يعيد السلطة للشعب.

ولفت الحلو، إلى معاناة السودان من الحروب التي وصفها بالعبثية والمدمرة وغياب العدالة والمساواة و(الاستغلال البشع) للدين في السياسة، واعتبر أن اتفاق أديس أبابا وضع أساساً وخارطة طريق لحل المشكلة السودانية، وأنه يمثل فرصة كبيرة للحفاظ على (ما تبقى من وحدة البلاد).

ورأى الحلو، في توقيع حمدوك على الاتفاق خطوة جريئة وحكيمة، وأبان أن الاتفاق فتح المجال أمام الحلول الجريئة وعده تحولاً كبيراً في نمط تفكير القادة، وانتقد عدم معالجة جذور المشاكل من قبل الآباء المؤسسين للدولة السودانية، (حفاظاً على مصالحهم الضيقة، وأن تقاعسهم كلف الدولة السودانية عشرات السنين من الاحتراب والدمار).

السباحة عكس التيار

وأشار رئيس الحركة الشعبية إلى أن بعض القوى السياسية تحاول السباحة عكس تيار التغيير، وقال (من يؤجلون وقف الحرب بالمؤتمر الدستوري يدركون أن الحركة الشعبية لن تتخلى عن اتفاق سبتمبر 2020، وهذا يعني أنهم يفضلون الحرب على التسوية العادلة)، ودعا الشعب للتصدي لتلك النخب.

وشدد الحلو، على أن التحول الديمقراطي لن يتحقق إلا بدستور يفصل الدين عن الدولة (بما يمهد لسودان متصالح مع مكوناته وجيرانه ويصير دولة تصلح للجميع وتتحقق الديمقراطية المستدامة).

تجارة بائرة

وفي ذات السياق ذكرعضو سكرتارية تجمع المهنيين حسن فاروق لـ (مدنية نيوز) اليوم: (العلمانية تمكّن من إدارة الدولة لصالح الجميع لتكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات)، وتابع (غير ذلك تجارة بائرة لن تجد مشتريًا لها في المشهد السوداني الجديد).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *