شفافيااااااووووو

بقلم: محمد الصحابي

يٌفهم من العنوان اختياره على نسق الهتاف الداوي (مدنيااااااااااااااااووووو)، الذي شهدت تخلقه ساحة الاعتصام، حيث المدينة الفاضلة التي شيدها الثوار، ولو بُعث مُنظرها إفلاطون لأصابَتْه الدهشة من تطبيقها بشكل لا يتوقعه إطلاقاً؛ فبعد هذه الثورة المُلهِمة والتي أضافت للإرث الإنساني، وأسهمت برفده بتجربة عظيمة فيما يختص بعلم الثورات.
لا أحد كان يتوقع أن تمضي الأيام، ويجد الثوار أنفسهم في حاجة مُلحّة للهتاف حد الصراخ بـ(شفافيااااااووووو)؛ فالمتتبع لأداء حكومة الفترة الانتقالية (حكومة الثورة)، تتملَّكه الحيرة من هذا النهج الذي لا يتسق والمبادئ الثورية، وهو نهج (يكاد) يتطابق مع مسلك النظام الديكتاتوري المدحور، وعلى سبيل المثال نهج الحكومة في التعامل مع الملفّ الاقتصادي، حيث نجد أن إدارتها لهذا المحور الذي يتصدر أولويات الفترة الانتقالية، رفقة قضايا الحرب والسلام ومنظومة العدالة، تمّت بطريقة لا تتماشى ومبادئ الشفافية، إذ غُيبت رؤيتها المعتمدة من جانبها لإدارة الاقتصادي، وعملت بنهج (القطارة) في رشح المعلومات تارة، وبالتسريبات تارة أخرى، والمراد منها جس النبض الجماهيري. يُضاف إلى ذلك التراجع عن بعض التصريحات، وفقاً لتفاعلات الجماهير معها، وما يّدلل على ذلك تصريحات وزير المالية السابق ومُجاهرته برؤيته حول رفع الدعم، لينفي وزير الإعلام والسيد رئيس الوزراء ذلك ويصرحان بترشيد الدعم.

وفي حقيقة الأمر أن الترشيد هو اسم الدلال لرفع الدعم، فهل هذا ما كنا نطمح إليه؟ بعد جِسام التضحيات التي قُدمت في سبيل اقتلاع كل أدوات النهج الطغياني؟ ولو أن البعض حسب ذلك سوء تقديرات، وابتعد تماما عن نهج التخوين، استناداً على الثقة الممنوحة للسيد رئيس الوزراء، بدرجة قد تصل الفضاءات قبيل مراسم التنصيب، لتصطدم بمجريات الأحداث، حتى وقائع المؤتمر الاقتصادي، فيعتريها الاهتزاز، حيث ذكر بالصوت الجهور في داخل القاعة، تزوير التوصيات في ختام ورقة الدعم السلعي، ولم يرد على ذلك القائمون على أمر المؤتمر مشرفين أو خلافهم، كما التزم مجلس الوزراء، ومكتب رئيس الوزراء، والسيد رئيس الوزراء نفسه الصمت الرهيب، لتتبع الحكومة سياسة الالتفاف على الوقائع، فهل تلك الأفعال تمت للمبادئ الثورية بصلة؟ وعلى أي نهج استندوا لتبرير تلك الأفعال؟ وأليس من الأفضل بل الواجب المحتوم، الالتزام بالمكاشفة والوضوح، فضلاً عن الشفافية كنهج لا حياد عنه؟ تحقيقاً لتطلعات وآمال الثوار؟.

مثال آخر ما رشح من معلومات بين وزيرَي الصحة والمالية السابقين، حول مطالبة وزارة الصحة للمالية بميزانية الدواء، فنجد أن تلك القضية رغم حساسيتها العالية، كانت ستُطمر في الأضابير، والمرجح لولا شفافية أكرم، لقُبرت بعيداً عن الشعب الذي يُمثل السلطة الرقابية، في ظل تغييب المجلس التشريعي! ونلحظ باستغراب ممارسة الصمت من إعلام مجلس الوزراء آنذاك، ونتساءل ببراءة لماذا فضل ذلك النهج؟ ولم يملك الرأي العام حقائق الأمور بشفافية؟ ليسهم في درء موجة الشائعات، فنتاج ذلك إشعال أوارها، فلمصلحة من يتم ذلك؟ ونختم بالجائحة التي تُداهم الولاية الشمالية حالياً، حيث عديد الإصابات والأرواح الغالية التي حصدها وباء حمى الوادي المتصدع، وما زالت تُشكل خطراً بالغاً على المواطنين هناك، فضلاً عن نفوق الحيوانات، وحالات الإجهاض بسسب الوباء، ورغم ذلك نجد أن تعامل (حكومة الثورة) لا يرتقي لحجم الكارثة، فضلاً عن انتهاج سياسة التعتيم للمرض، أو ذكره تحت مُسمّى الحميات.
ألا يستحق هذا الوباء الفتاك إعلان حالة الطوارئ بالمنطقة؟ ومن ماذا تتهيب وزارة الصحة عن إعلان حالة الطوارئ الصحية في الولاية الشمالية؟ وهل في عهد الفضاء الإسفيري، باستطاعة كائن من كان إخفاء المعلومات؟ أو التستر على قضية ما؟ وألا يتعارض مجمل ذلك مع مبدأ إتاحة المعلومات وسهولة الوصول إليها؟ وأليس ذلك من صميم مبادئ الشفافية؟ مجمل ذلك يؤكد أننا محكومون بويندوز يونيو89، وليس بويندوز ديسمبر 2018، فما هي الجهة التي تعمل على دق إسفين بين الحكومة والثوار؟ ومكمن الخطورة إن لم يتم تصحيح هذا الوضع الشائه الذي لا يشبه الثورة.
فالحكم المدني غايته التجذير لثقافة المساءلة والمحاسبة والشفافية، فهو المبتغي والمرتجى، لتكون بمثابة خارطة الطريق لتحقيق مهام وأهداف ثورة ديسمبر المجيدة، ولتتنزل واقعاً معاشاً، تتطابق فيه الأقوال بالأفعال، ارتكازاً على نهج الحكم الرشيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *