فتح جرائم دارفور .. تسليم المطلوبين للجنائية والسيناريوهات المحتملة.

الخرطوم: مدنية نيوز

أثارت إجراءات التحري والتحقيق التي بدأتها النيابة مع المتهمين من رموز النظام المخلوع بشأن جرائم دارفور وانتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت في العام 2003 جدلاً واسعاً، وعادت التكهنات والمخاوف من جديد حول تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية حسب مذكرات التوقيف الصادرة في حقهم منذ العام 2009، وعلى الرغم من علو أصوات بتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية، نادى البعض بأن تتم محاكمتهم داخل السودان، وتباينت الرؤى حول تسليم المتهمين وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير وأحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين، إلى لاهاي.

وحول إعادة فتح إجراءات ملف جرائم دارفور من جديد، فإن تلك الخطوة تقود إلى عدة أسئلة: (هل ستخضع كل الأطراف التي كانت سبباً في اندلاع الحرب في إقليم دارفور للتحقيق؟، وماذا بشأن البلاغات التي تم تدوينها من قبل المواطنين في مواجهة الحكومة والحركات المسلحة في ذلك الوقت؟، وهل سيشمل التحقيق العسكريين؟، وهل سيتم تسليم المطلوبين إلى المحكمة الجنائية حسب مذكرات الاعتقال التي صدرت في حقهم؟، وهل ستتجه اللجنة عقب الفراغ من التحقيق إلى مبدأ العدالة الانتقالية؟، مع العلم أن اتفاقية السلام الموقعة في جوبا بين الحكومة وحركات الكفاح المسلح تضمنت إسقاط الدعوى الجنائية في مواجهتهم، وهل سيشمل التحقيق كل الأطراف (الحكومة والحركات والقادة العسكريين؟).

تسليم المطلوبين للجنائية

وحسب رؤية الأمين العام لهيئة محامي دارفور الصادق علي حسن، فإنه من الأنسب أن يوجه سؤال تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية للحكومة بقيادة حمدوك، لحمدوك نفسه أو لوزير العدل د. نصر الدين عبد الباري، وقال: (لكن على ما أعتقد ليست للحكومة أية خطط واضحة للتعامل مع ملف المحكمة الجنائية وتسليم المطلوبين بمن فيهم البشير للمحكمة).

وأضاف في إفادة لـ (مدنية نيوز) أمس: (هناك تضارب واضح فقوى الحرية والتغيير أعلنت موقفها المساند لتسليم البشير ومن معه، وهناك أصوات داخل قوى الحرية والتغيير متحفظة، وبالمقابل فإن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان والعسكر ليست لديهم رغبة في تسليم البشير لمحكمة الجنايات، وذلك ما يعبر عنه من وقت لأخر ياسر العطا وشمس الدين كباشي، وفي ذات الوقت يعلن حميدتي صراحة مساندته لتسليم البشير)، وتابع: (يوجد تضارب وعدم اتفاق، مما يعني أن كل الاحتمالات واردة).

دوافع كيدية وسياسية

يعتبر كثيرون أن جل البلاغات التي تم تدوينها بشأن جرائم دارفور في عهد النظام المخلوع بأنها كيدية وسياسية، لذلك شطبت بفعل الثورة ولم يعد لها وجود، وأنه من أجل ذلك حرص المفاوضون من أجل السلام على تضمين اتفاقية السلام الموقعة بين الحكومة وحركات الكفاح المسلح في جوبا على إسقاط الدعوى الجنائية في مواجهة منسوبي الحركات، وفي ذلك قال الأمين العام لهيئة محامي دارفور: لم أطلع حتى الوقت الراهن على نسخة الاتفاق، ولكن قرأت عنها وعن تعليقات حولها، وليس بالضرورة أن يكون ما كتب مطابقاً بالفعل لما ورد، ولكن في تقديري مما قرأت فإن هناك عيوب كثيرة في الاتفاق، وما قرأته من عيوب قد لا يجعل الاتفاق صالحاً للتأسيس المرتضى عليه.

وأضاف: أصلاً البلاغات المفتوحة ضد الحركات بواسطة النظام المخلوع شطبت بفعل الثورة ولم يعد لها وجود، لأن تلك البلاغات كانت دوافعها كيدية وسياسية، ولكن إذا وجدت بلاغات من أصحاب الحق الخاص في دعاوى حقيقية وقعت بواسطة منسوبي الحركات في غير المواجهات المسلحة وأثناء الحرب فمثل هذه الدعاوى التي تترتب عليها حقوق خاصة ليس من العدالة والإنصاف في شيء الاتفاق على إسقاطها، ومن ناحية قانونية فإنها لا تقبل الإسقاط، والإسقاط يكون في الحق العام دون الحق الخاص بأولياء الدم.

عدالة ومصالحة

لا شك أن للحرب آثار وخيمة وأضرار كثيرة فهي خلفت الدمار والتشريد وغيرها من المآلات في دارفور ومناطق الصراعات، كل ذلك قاد إلى اتخاذ الإجراءات القانونية حيال ما نجم عن ذلك، وشرعت النيابة في إجراءات التحري والتحقيق مع قائمة من متهمي النظام المخلوع شملت البشير وعبد الرحيم محمد حسين وعثمان محمد يوسف كبر، واخضعتهم أمام لجنة مكلفة، وفي المقابل يشير البعض إلى ضرورة اللجوء إلى مبدأ العدالة والمصالحة والإنصاف والقبول بالتعويضات وجبر الضرر جراء ما نجم من دمار وخراب، غير أن الأمين العام لهيئة محامي دارفور الصادق علي حسن، نوه إلى أن العدالة والمصالحة والإنصاف تتطلب القبول أولاً بالمبدأ، وأن المتضرر صاحب الحق الخاص هو الذي يحدد الآلية التي يرتضيها، وما إذانت هي القضاء العادي من محاكم عادية قائمة وتمارس أعمالها بصورة رسمية من خلال مؤسسات عدلية قائمة بالفعل، أم من خلال آليات العدالة والمصالحة والإنصاف التي لا زالت عبارة عن نصوص في متون اتفاقيات لم تصل لمرحلة المؤسسات حقيقة ذات الوجود الفعلي.

محاكمات غيابية

وبالرجوع إلى الوراء، نجد أن هناك محاكمات تمت غيابياً لبعض منسوبي وقادة الحركات المسلحة في عهد النظام السابق، واعتبر الصادق أن المحاكمات تمت في ظل نظام بائد قياداته الآن في غياهب السجون، وشدد على أن تلك الأحكام صارت لا معنى ولا قيمة لها، وذكر: (هذه الأحكام تم إسقاطها ولم يعد لها وجود الآن، والأفعال التي بموجبها تمت محاكمة عقار وعرمان وغيرهم صارت توصف من جانبهم بالأفعال التراكمية التي صنعت ثورة ديسمبر المجيدة، وأنهم يدفعون بها كفواتير مستحقة السداد، بل بعضهم يؤسس مطالبه في الحصول على المنصب والوظيفة العامة وقسمة السلطة بموجب تلك الأفعال التي تعظم وتطلق عليها مسميات من قبيل التضحية والكفاح الوطني ضد النظام البائد).

انتقام

واعتبر هاشم أبو بكر الجعلي، محامي الدفاع عن المخلوع عمر البشير، التوافق على تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، بمن فيهم المخلوع عمر البشير (عدوان سياسياً وانتقاماً)، ورأى أن هذا القرار ستكون له تداعيات أمنية وسياسية عظيمة الأثر على السودان.

ويرى مراقبون أن تسليم المطلوبين المتهمين بجرائم حرب يُعد أمراً خطراً وقنبلة موقوتة في مسيرة العلاقة بين المكونين المدني والعسكري في الحكومة الانتقالية، و(تيرمومتر) لاستمرار الشراكة واستقرار السودان نفسه، لما لها من تشعبات قبلية وخلفيات تنظيمية وارتباطات مباشرة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية.

ويرى مراقبون أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتم إلا بتحقيق العدالة للأبرياء الذين ارتكبت في حقهم جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، ويستند المؤيدون لتسليم البشير وبقية المطلوبين للجنائية أن أن التسليم يأتي لإنصاف الضحايا، وإنصافهم هو سمة من سمات العدالة التي تمثل ركناً أساسياً، من شعارات ثورة ديسمبر وهي (الحرية والسلام والعدالة).

النيابة العامة وتوفر (3) عناصر

واعتبرت النيابة العامة في السودان أن موقف الخرطوم من تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية بمن فيهم البشير، يتوقف على (3) عناصر، هي موقف التفاوض في مباحثات سلام السودان في جوبا، وما سيسفر عنه، والإصلاح القانوني، والتشاور مع المكون المحلي، وعلى رأسهم أسر الضحايا.

وأشارت النيابة إلى أن قناعة الحكومة التي جعلتها توافق على مثول الذين صدرت بحقهم أوامر قبض أمام المحكمة الجنائية الدولية، ناتجة عن مبدأ أساسي مرتبط بالعدالة وعدم الإفلات من العقاب، وقالت: لا نستطيع مداواة الحرب وآثارها المدمرة إلا إذا حققنا العدالة.

وسبق أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية قراراً بمحاكمة البشير مع كل من وزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الدولة بوزارة الداخلية الأسبق أحمد هارون، وأحمد كوشيب أحد قيادات الدفاع الشعبي في دارفور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *