الصراع داخل النيابة العامة.. هل تتأثر العدالة والتحول الديمقراطي؟

الخرطوم: أم سلمة العشا

برز الصراع بين نادي النيابة والنائب العام تاج السر الحبر، إلى السطح، ولتأثير عمل النيابة في العمل العدلي، ولدور النيابة العامة الرئيسي في تحقيق العدالة باعتباره من المطالب الأساسية لعملية التحول الديمقراطي، غاصت (مدنية نيوز) في أعماق ذلك الصراع.

وأثارت التكهنات بتعيين المحامي مأمون فاروق، في منصب مساعد أول النائب العام، غضب أعضاء نادي النيابة العامة، ومثل ذلك نقطة خلاف أساسية مع النائب العام تاج السر علي الحبر، وتمسك أعضاء النيابة بموقفهم الرافض لتعيين أي شخص في منصب مساعدي النائب العام من خارج دائرة النيابة العامة, وأن أي عدول عن ذلك أو التفاف عليه لا يُمثل النادي, وأنه سيجد قطعاً الموقف الملائم.

وكانت التسريبات بتعيين مأمون فاروق، بداية صراع خفي بين أعضاء النيابة والنائب العام يُدار سراً، وتطور الصراع بسبب الكشف الذي صدر متضمناً ترقيات أعضاء النيابة، بعد ما اعتبر النادي أن هناك من يستحقون الترقية وتجاوزهم الكشف، مما دعا النائب العام لفتح المجال أمام التظلمات، وربط بعض وكلاء النيابة عدم إدراجهم في كشف الترقيات بإجراءات نقل طالتهم لإدارات مختلفة بعدما كانوا في نيابات متخصصة.

وزادت شقة الخلاف أكثر حسب مذكرة دفع بها أعضاء النيابة لمجلس السيادة تحوي العديد مما وصفوه بالمخالفات والتجاوزات التي ارتكبها الحبر في كثير من ملفات البلاغات، بجانب تدخله في عمل لجان التحقيق، مما زاد الأمر تعقيداً وأصبحت النيابة أكثر عرضة للانتقاد في طريقة أداء عملها والكيفية التي تدار بها نتيجة تلك الصراعات.

شقة خلاف

واحتدم الصراع بين أعضاء النيابة والنائب العام، وزادت شقة الخلاف أكثر مما دفع بعض المحامين لقيادة مبادرة صلح بين الجانبين، وبالفعل نجحت الوساطة التي يقودها محامون مقربون من النائب العام، على رأسهم ساطع الحاج والطيب العباسي وآخرون، في إخماد الصراع بين الطرفين بعد وعود قطعها النائب العام لأعضاء النيابة، وأقر تنفيذها في الحال.

ويبدو أن عدم توفر الثقة بين النائب العام ووكلاء النيابة، تسبب في أن تؤول الأوضاع إلى ما هي عليه الآن، وعدم تنفيذ العديد من المطالب المشروعة والتي كفلها القانون، وتصحيح مسار النيابة في بعض الملفات التي شغلت الرأي العام، وفي مقدمتها ملف طارق سر الختم، الذي يكتنفه الغموض وتثير حوله الشكوك وملف (أكتاي) التركي.

وتلك الملفات حسب رؤية مراقبين للشأن العام خصمت كثيراً من النيابة. هذه المجموعة نفسها كانت تساند للنائب العام في بداية عمله، إلا أنها كشرت عن أنيابها في وجهه، ووصلت مرحلة إصدار العديد من البيانات حتى تتضح الرؤية بأكملها لكل وكلاء النيابة وللرأي العام، وفي رواية أخرى لوحت بالإضراب ليأتي دور الإثناءات والتدخلات التي تتطلع لوحدة النيابة والحفاظ على استقلاليتها من قبل البعض في محاولة لإقناع المجموعة وتسوية الأمور من خلال عقد اجتماعات مكثفة مع النائب العام دون التوصل لحل.

شد وجذب

وسيطرت حالة الشد والجذب داخل النيابة العامة من جديد، وعاودت الأجواء المشحونة بالتوترات والقلق، مما قاد أعضاء نادي النيابة العامة إلى المربع الأول المطالبة بـ (إقالة النائب العام)، وتقديم الطلب لأعلى مستويات الدولة ممثلة في المجلس السيادي.

وفي يونيو الماضي برزت الصراعات بين النائب العام وأعضاء النيابة ووصلت القمة، ويرى أعضاء النيابة العامة أن النائب العام نكص عن وعوده السابقة ومنها تعيين مساعد النائب العام من داخل النيابة، مما دفع نادي النيابة لأن يخطو خطوات أكثر لتكون المطالبة للجهات التي أتت بالحبر نائباً عاماً.

ووضع أعضاء نادي النيابة العامة مذكرة أمام مجلس السيادة الانتقالي للبت في طلب إقالة النائب العام تاج السر علي الحبر، من منصبه، لعجزه عن تحقيق العدالة وإدارة دفة النيابة العامة (حسب المذكرة).

وتسلم عضو المجلس السيادي محمد حسن التعايشي المذكرة من ممثلين لسكرتارية المكتب التنفيذي للنادي، وطالبت المذكرة بإقالة الحبر استناداً لأحكام المادة (15) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، والتي تنص على أن للسلطة التي تمتلك حق التعيين الحق في وقف أو عزل أي شخص عينته استعمالاً لسلطتها، ما لم ينص على خلاف ذلك.

وأوردت المذكرة التي تحصلت (مدنية نيوز) على نسخة منها جملة من الأسباب التي تقول إنها توضح بجلاء عجز وفشل النائب العام في كثير من القضايا والملفات التي لم تستطع أن تقدم النيابة متهماً أو مبدداً لمال عام أو متجاوزاً للسلطة إلى ساحات القضاء. وتلاحق النائب العام (حسب المذكرة) اتهامات بالقصور والعجز والفشل في كثير من الملفات وقضايا الفساد والاعتداء على المال العام من قبل رموز النظام السابق، بجانب أن الرجل لم يحدث اختراقاً يثلج صدور أسر الشهداء والنيل بالقصاص من القتلى منذ انطلاق التظاهرات والاحتجاجات في ديسمبر 2018م.

ردة فعل

وفي أول ردة فعل تجاه مذكرة أعضاء النيابة كوّن النائب العام مجلس محاسبة لعدد من أعضاء نادي النيابة، في إشارة إلى مخالفتهم لوائح ونظم المؤسسة، وفقاً لمصادر تحدثت لـ(مدنية نيوز) اليوم -فضلت حجب اسمها-، وأنه كان على أعضاء النيابة مخاطبة النائب العام وإخطاره بما ورد في المذكرة ومناقشة الأمر معه دون اللجوء إلى الجهات العليا، غير أن أعضاء النادي لم يخضعوا لتوجيهات النائب العام للمحاسبة ومضوا في تصعيد قضيتهم أكثر.

تسوية الخلافات

ونفى الناطق الرسمي لنادي أعضاء النيابة أسامة الصديق المهنأ في إفادة لـ(مدنية نيوز)، ما تردد بشأن اكتمال عملية تسوية لمعالجة ما سمي بشقة الخلاف، وأقر بأن النادي وجه اتهامات مباشرة للحبر، شملتها المذكرة التي تم تسليمها لمجلس السيادة الانتقالي.

وقال المهنأ: (هذا لا يعني شقة خلاف)، وأضاف: (ينبغي لأي شخص أن يتخذ أحد القرارين في توجيه الاتهامات إن كانت صحيحة عليه تقديم الاستقالة، وإن كانت خاطئة يحاكم من قام بها، ويرفع عنهم الحصانة ويدوّن بلاغات في مواجهتهم).

وأوضح الناطق الرسمي لنادي أعضاء النيابة، أن النائب العام لم يتخذ أي قرار، وإنما كوّن مجلس محاسبة، كما أنه ترك الوساطة تجتهد وصولاً لطي موضوع الخلاف. وأشار المهنا إلى أن النادي لم يضع يده في يد النائب العام لعدم اتفاق أعضائه معه.

ومن جانبها رأت مصادر مقربة من النائب العام أن الأمور بينه وأعضاء نادي النيابة تبدو على ما يرام، وأن هناك اتجاهاً كبيراً بتسوية كل الخلافات بين الطرفين، وهذا ما ينفيه بشدة أعضاء نادي النيابة، ويصرون على أن الموضوع كله يكمن في أحد أمرين (الإقالة أو الاستقالة) وذلك حسب مصدر.

إصابة في مقتل

وفي السياق قال الأمين العام لهيئة محامي دارفور الصادق علي حسن لـ(مدنية نيوز) إنه في ظل النظام المخلوع فقدت النيابة العامة والسلطة القضائية استقلاليتهما ونزاهتهما، وصارتا مثل أجهزة المؤتمر الوطني المحلول، كما أن من يعمل بهما يأتمرون بأوامر تأتيهم جاهزة ومعدة سلفاً.

وأضاف: “في ظل الأوضاع المستمرة بالمؤسستين العدليتين، أعتقد أنهما تحتاجان أولاً إلى التطهير، أما بالنسبة للتهم الصادرة في المذكرة المرفوعة ضد النائب العام، اعتقد أنها تضمنت أحكاماً تجريمية، والتجريم هي سلطة المحاكم”.

وتابع: “سبق وأن تحدثت مع النائب العام عن المآخذ حول الاستمرار في تكوين اللجان من دون الوصول إلى نتائج وتأثيراتها السالبة، وحول البطء في سير إجراءات التحقيق، ولكن يجب علينا أن نضع في الاعتبار أن المؤسسات العدلية الموروثة من النظام المخلوع خربة ومعطوبة وقد تحتاج إلى مراجعة بما فيها أعضاء نادي النيابة العامة”.

وأردف: “كذلك الاتهامات الموجهة للنائب العام لا يمكن تجاهلها، ولكن ليس مكانها مذكرة ترفع لرئيس مجلس السيادة، بل التحقيق الجنائي، وفي ظل الوضع الحالي واتهامات نادي النيابة للنائب العام نفسه، المفقود هو (كيف يتم التحقيق وقمة الهرم العدلي هو المتهم بالفساد ومن دون إجراء أي تحقيق أو تقصي في المعلومات المنشورة للكافة؟)”.

وزاد الأمين العام لهيئة محامي دارفور: (أعتقد أن الثقة تراجعت في الديوان العدلي بعد مذكرة نادي النيابة ومن الأفضل عدم التصعيد، فالموضوع المثار تجاوز عضوية النيابة العامة وأصاب الديوان كله في مقتل).

احتمالات

وتظل نتيجة الصراع مفتوحة أمام احتمالات نطرحها في التساؤلات: هل تتم إقالة النائب العام؟ أم تتم التسوية بينه وأعضاء نادي النيابة العامة رغم إشارتهم في مذكرتهم لشبهة فساد تطال النائب العام؟ وهل ستنهي التسوية وتمسح حال إتمامها ما ورد في المذكرة بشأن المخالفات في قضايا وملفات النقل النهري وأوكتاي وطارق سر الختم وآدم الفكي وعبد الرحمن الخضر وغيرها؟، أم تتم محاسبة أعضاء نادي النيابة العامة على مذكرتهم وفقاً لتوجيه النائب العام بالتحقيق معهم؟ وهل هناك مشكلة شخصية بين الحبر ونادي النيابة تجعل الصراع مستمراً رغم الوساطات إن لم تظهر مستجدات في الوقت الحالي؟ وهل يتأثر أداء النيابة العامة بالصراع وبالتالي ينتقل التأثير على عملية التحول الديمقراطي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *