شمس الدين ضو البيت: انتهى زمن الانقلابات العسكرية وفرضها (مستحيل)

قائد مشروع الفكر الديمقراطي شمس الدين ضو البيت لـ(مدنية نيوز):

انتهى زمن الانقلابات العسكرية وفرضها على الشعب السوداني (مستحيل)

التطبيع لن يخدمنا وإسرائيل تنتهك حقوق الإنسان يومياً

هنالك مشكلة بين الحكومة الانتقالية وحاضنتها السياسية

اتفاقية جوبا أفضل اتفاقيات السلام في السودان

الشعب السوداني الضامن الوحيد لعبور الفترة الانتقالية بنجاح

ظل مشروع الفكر الديمقراطي لأعوام منذ تأسيسه، يسعى لخلق الاستنارة وبث الوعي بين أوساط السودانيين، وذلك عن طريق أنشطته المتعددة والمتمثلة في مطبوعاته التي وصلت لأكثر من (60) كتاباً عن السياسة والحكم، وإدارة التنوع في السودان، وحلقات القراءة ومجلة الحداثة ومشاريع التنمية القاعدية، ويضم المشروع عدداً من المفكرين والكتاب السودانيين.

التقت (مدنية نيوز) مؤسس المشروع شمس الدين ضو البيت، الذي تحدث عن الثورة وتفردها، والوضع السياسي الراهن، والطريق الذي تسير فيه الحكومة، ومعوقات التحول الديمقراطي وإحقاق العدالة الإنتقالية، فإلى مضابط الحوار:

حوار: سيد أحمد إبراهيم

بعد مرور أكثر من عام ونصف على ثورة ديسمبر، كيف تنظر إليها الآن؟ وما هو جوهر اختلافها عن الثورات والانتفاضات السابقة؟

أنا أعتقد أن الثورة السودانية غير مسبوقة لأنها شملت كافة أطياف الشعب السوداني، إضافة إلى أنها خرجت من كل أطراف العاصمة على عكس الثورات السابقة التي كانت تبدأ في العاصمة وتنتهي في العاصمة، وكانت مشاركات الأقاليم تنحصر في القدوم إلى الخرطوم، ولكن هذه المرة كانت الساعة الواحدة تعلن خروج المواكب في كل المدن والقرى والبلدات، وبذل الشعب السوداني الشهداء. والذي قام بالثورة في هذه المرة ليس العمال أو الأفندية، وإنما الشباب والقطاعات الريفية الزراعية، والمدهش أيضاً كان مشاركة النساء الواسعة التي كانت تضاهي مشاركة الشباب، وكذلك هتافات هذه الثورة كانت معرفية متمثلة في الحرية والسلام والعدالة لا هتافات أيديولوجية. ورغم عدم رضانا عن مدى تحقيق مطالب الثورة حالياً، إلا أنها تظل ثورة عميقة الجذور.

ماذا كان ينقص اصطفاف الثورة وتحالف قواها إبان فترة التفاوض أثناء الاعتصام، وهل لفض الاعتصام أية علاقة بالاختلاف بين مكونات التحالف؟

أنا أرى أن هذه الثورة لم تقم بها الأحزاب، ولكن بالتأكيد كان لها دور في تشكلها بنضالها الطويل ضد النظام، ولكن الذي قام بهذه الثورة هي قوى جديدة من الشباب الديمقراطيين والمعرفيين الذين كانوا على قدرٍ عالٍ من الوعي السياسي، وكان ذلك تتويجاً للعديد من المبادرات الشبابية الخدمية التي قام بها شباب قرروا أنهم لن يظلوا متفرجين. وأعتقد أن هذه القوى لم تكن منظمة بالشكل الكافي لإيجاد منصات تمكنها من التفاوض مع اللجنة الأمنية في ذلك الوقت، والذي حصل على مقاعد في التفاوض كانت الأحزاب السياسية دون الشباب والقوى الاجتماعية التي قامت بالثورة، وذلك أطمع قوى الثورة المضادة في القضاء على الثورة لاعتقادها أن الثورة هي الأحزاب المفاوضة واعتقدت أنها تستطيع حسم الثورة لاعتقادهم بأن قادتها هم الأحزاب، ولكن قوى الثورة أثبتت في (30) يونيو أنها موجودة وقادرة على إعادة الأمور إلى نصابها القديم.

ماهي السيناريوهات المحتملة للوضع الراهن، وهل من ضمنها انقلاب عسكري؟

بالفعل، للثورة المضادة أشكال متعددة من التكتيكات، منها استهداف أشخاص وفرض أوضاع، وكذلك إثارة مسائل الدين وربطه بالسياسية وتفعيل الشحن الديني، واستغل النظام البائد وجودة في السلطة لتمكين كوادره في كل مفاصل الدولة على المستوى المدني والمستوى العسكري، وبقايا النظام البائد هذه تعمل على خلق المشكلات ضد الثورة بصناعة الأزمات الخدمية وغيرها، ووارد جداً استغلال تلك الكوادر في مواجهة الثورة عن طريق الانقلاب العسكري، ونسمع منذ سقوط النظام عن تكرر المحاولات الانقلابية، فنحن نعلم أن عدداً كبيراً جداً من دفعات الكلية الحربية تم تخصيصها بالكامل لصالح أعضاء الحركة الإسلامية، ولكن بشكل عام لا يوجد انقلاب عسكري أكبر من فض اعتصام القيادة العامة الذي واجهته الثورة، ولذلك هذه المسائل وقتها انتهى ويستحيل فرضها على الشعب السوداني.

هل تعتبر البعثة الأممية القادمة مطلع العام الجديد، ضماناً كافياً لحماية الفترة الانتقالية؟

إن لمبادئ الديمقراطية والحرية والعدالة والسلام، ضامن وحيد وهو الشعب السوداني، ففي الوقت الذي كانت هناك محاولات للاعتماد على أية قوى أخرى غير الشعب السوداني قد فشلت، ولكن أكبر آثام النظام البائد هي تجريف الحياة العامة وتدميرها، وأدى ذلك لدفع أكبر العقول التي تتمتع بقدرات كبيرة للهجرة من البلاد، ولم يتح فرصة للباقين داخل السودان للتدريب والتأهيل، ولذلك لدينا حق أصيل في البعثة الأممية للمساعدة في الانتقال الديمقراطي الذي نعتبره معقداً جداً وتتوفر خبرات كبيرة لدى الأمم المتحدة في ذلك، ولكن يظل الضامن لعبور الفترة الانتقالية بنجاح هو الشعب السوداني.

كيف تنظر لإنهاء ولاية الخبير المستقل بالسودان في ظل أوضاع حقوق الإنسان الراهنة؟

كانت خطوة تعيين خبير مستقل معني بحالة حقوق الإنسان في السودان، تهدف لمراقبة النظام البائد الذي استمر في انتهاكات حقوق الإنسان، وارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادات جماعية، والتعذيب المستمر داخل السجون والمعتقلات السياسية وكان الغرض محاربة ذلك العنف ومراقبته ورصده، ولكن الآن، أرى أن التوجه العام للحكومة الانتقالية هو حماية حقوق الإنسان، وإذا كان هنالك احتياج فهو فني يمكن للدولة أن تطلبه.

ولكن ما زالت هناك قوانين مقيدة للحريات وحد من حرية التعبير، ألا ترى أن استمرار الخبير المستقل كان سيضمن الحفاظ على حقوق الإنسان؟

ليس أكثر من الحكومة نفسها، ومنظمات المجتمع المدني التي لديها فرصة واسعة جداً لتطوير أدائها ومراقبة ورصد حالة حقوق الإنسان، وكان ذلك دور الخبير الدولي.

كيف ترى ما يسمى بالمصالحة الوطنية المطروح مؤخراً كتكتيك سياسي جديد كمخرج لأزمة السودان التأريخية في الحلقة الشريرة؟

نحن في مشروع الفكر الديمقراطي في العام 2015، بادرنا بجمع الإسلاميين والعلمانيين ولكن تحت إطار الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبحثنا كيفية أن يكون ذلك أساس عملنا المشترك، وطرحنا قضية شكل العلاقة بين الدين والدولة وإيجاد ما هو متفق عليه، وسعينا ألا يكون ذلك مصدر توتر في الساحة السياسية، وتوج ذلك بالصيغة التي كتبت في الوثيقة الدستورية وسلام جوبا وغيرها، بعدم جواز انحياز الدولة لأي دين أو اعتماد صيغة معينة من أي دين وفرضها على الناس، وكانت تلك مخرجات مؤتمر نيروبي في تلك الفترة. وأعتقد أن الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين كانت له آثار وخيمة على الدولة السودانية.

ماهو المخرج من التورط في سياسية الأحلاف والمحاور الإقليمية في نظرك؟ وهل صحيح أننا الآن تحت عباءة دول بعينها؟

أرى أن الأساس في هذه المسألة هو الاعتماد على الذات، نحن في السودان لدينا موارد ضخمة تم إهدارها بسبب التوجهات الإقتصادية والتنموية الخاطئة، ويرجع ذلك إلى أن (80%) من الشعب السوداني يعيش في مناطق السافنا الغنية والفقيرة وهي قطاع زراعي واسع جداً تم إهماله وتم الاعتماد على القطاع الحديث الذي يمثل نسبة ضئيلة جداً من مجمل عدد السكان، ولكن نحن نستطيع الاحتفاظ بتوازننا في سياسية المحاور إذا استطعنا تطوير وتحديث هذا القطاع الزراعي، وذلك بوضع سياسات حقيقية تهتم بهذا القطاع لتحقيق استقلاليتنا للتعامل مع هذه المحاور من منطلق الاحترام والاستقلالية.

إلى أي مدى تحقق اتفاقية سلام جوبا آمال وتطلعات النازحين في مناطق الحروب وما الذي ينقصها؟، وما هي معوقات إحقاق العدالة الانتقالية في نظرك خاصة وما الذي يؤخر تسليم الجناة للجنائية الدولية؟

أقول دائماً أن صلتي بملف السلام في السودان صلة قديمة، وأعرف كل اتفاقيات السلام القديمة معرفة تامة، وأرى أن اتفاقية جوبا لسلام السودان أخذت أفضل ما في هذه الاتفاقات ولذلك أصبحت أفضل اتفاقية سلام في تأريخ السودان، واللقاءات على مدى عام كامل تحدثت عن ما هو الأفضل لمحاربة جذور الحرب في السودان ومعالجة آثارها، والأهم من ذلك أنها تأتي مع حكومة مدنية ديمقراطية فكل الاتفاقيات السابقة كانت مع نظم ديكتاتورية شمولية، ولذلك فشلت كل تلك الاتفاقيات السابقة، والمشكلة دائماً في قضايا السلام كان عدم ربطها بالتحول والتوجه الديمقراطي. وأؤكد أن الاتفاقية خاطبت الاختلالات التأريخية فيما يخص قسمة الثروة والسلطة، فأتاحت الاتفاقية الحكم الفدرالي الذي يمكن الأقاليم من الاستفادة من مواردها وحكم نفسها بنفسها. ويدور حالياً حديث عن الاتفاقية هي محاصصة وذلك لم يرد أساساً في النقاش على مدى عام كامل، وتم تخصيص نسبة مشاركة مؤقتة لتلك الأطراف الموقعة بعد انتهاء الاتفاق. والثمانية برتكولات التي تخص قضايا دارفور لم تتطرق للمحاصصة.

وأؤكد فيما يخص العدالة الانتقالية، أن الاتفاق نص على منع تكرار الجرائم وتأسيس عدم الإفلات من العقاب، وتم تخصيص برتكول كامل لملف العدالة الانتقالية، بحيث ينص على التعاون غير المحدود مع المحكمة الجنائية الدولية، والتوقيع والمصادقة على نظام روما الأساسي، ومثول المطلوبين أمام الجنائية الدولية، وكذلك تشكيل محكمة مختلطة بين قضاة دوليين وآخرين وطنيين للنظر في جرائم القتل وغيرها.

كنت أحد الذين شاركوا في صياغة البرنامج الإسعافي والسياسات البديلة للفترة الانتقالية، هل ترى أن الحكومة قد التزمت بما قدمتموه لها من توصيات؟

قطعاً لا، هنالك اختلافات كبيرة بين ما قدمناه من سياسات بديلة وبين ما يدور الآن، أعددنا برنامجاً إسعافياً متكاملاً في ظروف صعبة جداً، ونسقنا في مشروع الفكر الديمقراطي على مدى شهور طويلة لتجميع عدد من الخبراء في جلسات مطولة لإعداد البرنامج الإسعافي الانتقالي، وحتى قبل يومين من فض الاعتصام طرحنا البرنامج الإسعافي في مؤتمر نظمته تنسيقية قوى الحرية والتغيير وتم عرضه على كل القوى السياسية وتمت الموافقة عليه، وبعد ذلك سلمناه للحكومة الانتقالية ممثلة في رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك، ولكن أعتقد أن هناك مشكلة بين الحاضنة السياسية ومؤسسات الحكم الانتقالية، وأثر ذلك بشكل كبير على البرنامج الإسعافي، ولم تكن هنالك متابعة له ولم تتم جلسات مشتركة لمناقشته، ولكل هذه الأسباب لم تلتزم الحكومة بتنفيذ البرنامج الإسعافي، وبالتأكيد ما تسير فيه الحكومة لا يراعي توصيات البرنامج.

ما هو رأيك في التطبيع مع إسرائيل؟

أرى أن التطبيع مع إسرائيل يخرج عن دائرة توصيات السياسات البديلة التي توجه بإقامة علاقات دولية قائمة على المنفعة، ونحن نعلم أن أية سياسات عالمية متوازنة يجب أن تقوم على احترام حقوق الإنسان والمواثيق الدولية وحقوق الشعوب، ونعلم كذلك أن دولة إسرائيل دولة منتهكة لحقوق الإنسان وهي الدولة الدينية الوحيدة الآن في الشرق الأوسط، وهي دولة محتلة لأراضي الغير بالعنف وبصورة غير مشروعة، وأقامت مستوطنات وتنتهك يومياً حقوق إنسانية لبشر آخرين بغض النظر عمن هؤلاء البشر، وأرى أن التطبيع مع إسرائيل لن يخدمنا أبداً، لأن الأمن القومي لدولة إسرائيل يقوم على إضعاف كل الدول في المنطقة، ولذلك لا يمكن أن تأتينا أية فائدة من دولة تحاول إضعاف المحيط الذي حولها. ودائماً العلاقة مع الدول تقوم على الاحترام لا على الابتزاز، والتطبيع تم بطريقة لي الذراع بربطه برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، هل يمكن أن ننتظر خيراً من علاقة جاءت بهذه الطريقة؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *