إزالة (كيزان) السفارات.. التمكين يُهدد صورة السودان الخارجية والانتقال الديمقراطي

تحقيق: صفية الصديق

من القضايا التي تعيق الانتقال الديمقراطي، وجود عناصر النظام المخلوع ممن أتوا بالتمكين على رأس وظائف دبلوماسية مهمتها تحسين صورة السودان بالخارج تمهيداً للانتقال للديمقراطية وتؤخر ذلك عبر العمل المؤدلج لصالح سياسات الحركة الإسلامية.

ولذلك نشطت مجموعات مختلفة من السودانيين في دول المهجر والاغتراب بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في حملات كثيرة لتحسين صورة السودان في الخارج، وقد انتظمت كثير من مدن العالم احتجاجات متزامنة مع الاحتجاجات في الداخل تدعو لرحيل قيادات النظام المخلوع ممن أتوا للعمل الدبلوماسي عبر سياسات التمكين.

كانت هذه أحلام سودانيي الخارج التي توازي أحلام ثوار الداخل بسقوط النظام، تواصلت الحملات حتى سقوط النظام وعقبه الدعوة لإزالة التمكين من السفارات لرؤاهم بأنها تعيق التغيير وتبقي على وجه السودان القديم لدى المجتمع الدولي.

كفاءات مهنية

مطالبات عديدة بإزالة مجموعات النظام المخلوع من السفارات لعرقلتها للعمل الدبلوماسي وتعنتها في خدمة السودانيين هنالك، تُوجت هذه المطالبات بحملة ابتدرها الأسبوع الفائت منبر وصحيفة (نوبيكين) ومجموعة من الناشطين والإعلاميين السودانيين بالخارج، يتمثل هدف الحملة بحسب إفادة الناشط خالد محسي لـ (مدنية نيوز) أمس عبر (الماسنجر): في (إزالة عناصر النظام البائد والتأسيس على التعيينات الدبلوماسية حسب الكفاءة وليس التمكينات الحزبية)، وأضاف أن حملتهم جاءت نتيجة لأن الوجود عناصر النظام المخلوع (الكيزان) ما يزال مسيطراً ولا تزال السفارات تعمل بذات المنهج، وتابع: كمثال فإن سفارة السودان بأستراليا ومنذ افتتاحها في عام 2017م عملت على تقسيم النسيج الاجتماعي للسودانيين هناك وفق خطة محكمة، ولكنها وجدت مقاومة كبيرة من معظم السودانيين واستطاعوا الحد من الأنشطة التخريبية لموظفي السفارة و حصر نشاطها في الخدمات الإدارية)، وأردف: وبعد نجاح الثورة تفاءل السّودانيّون خيراً، ولكن لم تقم الحكومة بتغيير أي من موظفي السفارة إلّا قبل أسابيع، حيث تفاجأ الجميع بتغيير السفير إبراهيم البارودي بالسفير عبد الله وادي، وهو المعروف بمناصرته للنظام المخلوع، حيث عمل نائباً لمندوب السودان لدي الاتحاد الأفريقي حتى عام ٢٠١٤م، وعيّن سفيراً في دولة موزمبيق ولم يتم تغيير أي موظف آخر في السفارة.

نفس الدواء

وتأكيد لنهج النظام المخلوع في التعامل مع الجالية السودانية قالت ميساء الطيب المقيمة بالنرويج: خلال الوقفة الاحتجاجية في الأسبوع الماضي للسودانيين بالنرويج وفي خطوة مستنكرة رفضت القائمة بأعمال السفارة السودانية بالنرويج إقبال الأمين، فتح باب السفارة أمام السودانيين لتقديم مذكرة المطالبة بإزالة (الكيزان) من السفارة، وطالبت ميساء الحكومة الانتقالية متمثلة في وزارة الخارجية الإسراع في تصحيح النهج الرافض للتعبير السلمي الذي لا يزال مُمارساً في السفارات السودانية.

ورأت ميساء، أن وجود عناصر النظام المخلوع في مواقع حساسة يعتبر مهدداً للفترة الانتقالية ومخيباً لآمال الثوار.

وتضمن بيان لتجمع السودانيين بسويسرا تلقت (مدنية نيوز) نسخة منه) أن أغلب سفارات السودان حول العالم لا تزال يسيطر عليها منسوبو النظام البائد الذين حولوا السفارات لمقار لجهاز الأمن والصفقات المشبوهة (حسب البيان).

وذكر البيان أن التجمع تحصل على معلومات بأن نائب السفير الحالي في جنيف قد تقدم ببلاغ ضد مواطن سوداني مقيم بسويسرا بناء على نشره معلومات تتضمن اتهامات لنائب السفير بالفساد المالي والوقوف ضد الثورة وملاحقة السودانيين بالإنتربول، كما رفض نائب السفير لدى البعثة أثناء الثورة استلام مذكرة من التجمع بيده.

الأمر مرهون بمفوضية

وفي إفادة لـ (مدنية نيوز) أمس، ذكر عضو المجلس المركزي للحرية والتغيير الصادق آدم إسماعيل، أن إزالة منسوبي النظام المخلوع، من مهام مجلس الوزراء، وأرجع عدم إزالة تمكين الأفراد لعدم تكوين مفوضية الخدمة المدنية التي يمكنها أن تفصل في قضايا التمكين الوظيفي.

وأبان الصادق، أن قوى الحرية والتغيير تسعى من جانبها للضغط من أجل التسريع بذلك الإجراء وتعجيل تقديم وإجازة قانون التوظيف بوزارة الخارجية باعتبارها وزارة سيادية وأن الالتحاق بها يتطلب معايير مهنية وأكاديمية وأخلاقية محددة.

حملة تطالب بإبعاد منسوبي النظام السابق من سفارات السودان

إيقاع غير متناغم

وفي السياق قالت أستاذة العلوم السياسية بجامعة بحري عزة مصطفى، إنه فيما يخص وجود من أتوا بالتمكين في السفارات فإن الأمر مرتبط بشق إداري يتعلق ببطء وزارة الخارجية في حسم هذا الملف؛ وهذا البطء لا يتماشى مع إيقاع الثورة، إذ كان المتوقع من وزارة الخارجية كوزارة سيادية إقالة كل متقلدي الوظائف الكبيرة في كل السفارات تركيزاً على السفارات التي نحتاج من دولها الضغط في اتجاه تعزيز سياسات السودان الخارجية في الفترة الانتقالية والخطط المستقبلية، خاصة وأننا خارجون من عزلة دامت 30 عاماً.

وأضافت: لا تزال بعض الدول كألمانيا والسويد ينظرون للسودان بعين الريبة لعدم حدوث تغيير فعلي؛ أيضاً فإن تبرير وزارة الخارجية بعدم وجود كفاءات أمر غير صحيح، فهنالك ترهل كبير في هذه السفارات حيث توجد وظائف تمّ خلقها لترضيات سياسية وللتمكين، مع العلم أن عمل كثير من السفارات لا يحتاج لأعداد كبيرة، لذا يجب تقليص التمثيل هناك وأن يكون نوعياً، وهناك كثير من ذوي الخبرة تقدموا لوظائف وزارة الخارجية بعد الثورة ولم تظهر نتائج توظيفهم حتى الوقت الحالي.

تغيير الصورة

لا ندعو للتصفية القديمة للموظفين لكننا نطالب بأن يكون على رأس الدبلوماسية السودانية الجديدة كوادر لها القدرة والإرادة للتبشير بسودان ما بعد الثورة وتحسين سمعة السودان بعد أن وضعها النظام البائد في خانة الدولة المنبوذة؛ هكذا ابتدر الدبلوماسي السابق بدرجة مستشار صالح موسى، حديث لـ (مدنية نيوز).

وقال صالح، إن الدبلوماسية تعتمد على النشاط الفردي، فالدبلوماسي المنتمي للنظام السابق ينشط للنظام الذي ينتمي له فإما أن يعمل ضد مبادئ وأهداف الثورة ويزود جهات بمعلومات مضللة، أو أن يصبح نافذة لتنظيمه في الخارج ويكشف أسرار سياسات السودان الخارجية، وإما أن يقرر تجاهل كل ما هو موكول إليه مثل إهمال متابعة ملفات السودان المهم.

وتابع: هذه السيناريوهات المعمول بها الآن حسب اتصالي مع زملاء كثيرين، وكلنا يعلم أن صورة السودان في الخارج لا تخرج من إطار أننا إرهابيون، والمهمة هنا مسئولية الدبلوماسيين في تغيير الصورة، ومن الضروري أن يكون الدبلوماسي مؤمناً بقيم الثورة وهذا غير موجود فيمن أتوا بالتمكين، وفي تقديري أن وزارة الخارجية تحتاج لثورة قائمة بذاتها لتصحيح المفاهيم حول السودان.

شرعية دولية

وذكر السفير حسن جاد كريم، أنه وخلال الثلاثين عاماً الماضية ظل السودان خارج النظم الدولية والأطر الإقليمية، إضافة إلى أن حقوقه في التوظيف في المؤسسات الدولية والمعونات مجمدة بقرار المقاطعة الاقتصادية.

ولفت جاد كريم، إلى أنه بعد الانتقال الديمقراطي والإجراءات الدولية المتعلقة به تبقى كيفية إدخال السودان للساحة الدولية التي كان خارجها عبر الدبلوماسية التي هي مفتاح الساحة الخارجية لتحقيق الاستقرار الداخلي، السلام والتنمية.

وأردف (طالما كان دور السفير هو ربط الداخل بالخارج والترويج لقضايا الداخل والتحولات الكائنة فيه، فإن لم يشعر بهذا التغيير ولا يعمل لأجله لأسباب سياسية فإن ذلك يسبب انفصالك مجدداً عن العالم الخارجي رغم التغييرات السياسية)؛ وزاد: (لذلك لا بد لوزارة الخارجية من العمل على إرجاع السودان لشرعيته الدولية، خاصة وأن الموجودين في مفاصل العمل الدبلوماسي الآن لا يزال أغلبهم يدافع عن نظام سابق ولا تهمه المهنية ولا خدمة المجتمع السوداني).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *