الريف السوداني ونداء المدنية؟!

بقلم: مرتضى الغالي
لا بد من قلب المعادلة.. فالريف السوداني هو (المُنتج السخي) بينما المدينة هي (المستهلك النهِم).. فلماذا نشكو من تكدس المدن والنزوح من الريف ولماذا نضع المدينة في بؤرة الاهتمام ونتناسى الاهتمام بالريف إذا كان الحكم المدني هو حكم العدالة والإنصاف والمواطنة وإقامة موازين الحقوق والواجبات على (سنجة عشرة) كما يُقال عن الأمر الذي يبلغ تمام الاستقامة والأُهبة والاحتشاد..!!
العناية بأمر الريف وتعميره هي قوام حياة السودان و(موضع السجدة) من اقتصاده وتنميته، ومن سوء الطالع أن حزام الريف المُنتج والغني بالموارد الباذخة والثراء الطبيعي وتنوع الثمرات هو الشريط الجغرافي الذي وقعت فيه النزاعات والحروب البلهاء التي زاد من أوارها نظام الإنقاذ الذي جعل من هذا الحزام قرباناً لاستمرار حكمه الشمولي الباطش العقيم بعد أن جعل النظام من إنسانه المُنتج ضحية للقتل والترويع والانتهاكات والتهجير القسري إلى أن جاءت تباشير ثورة ديسمبر الكبرى التي أحيت الآمال بالانتعاش والتعافي و(عودة الروح) لتجديد التمازج بين مكوّنات الوطن والإقرار بتعدديته البهية ولحمته الواشجة التي ينبغي متى ما أصابها طارق في أي جانب منها أن يتداعى لها سائر جسد الوطن بالسهر والحمى..!
لقد استطاع وعي شباب الثورة أن يعيد الريف السوداني إلى (بؤرة الضوء) حتى في الأيام الأولى من مخاض الثورة العنيف، وانطلقت الأهازيج بأن البلاد هي بكل أقاليمها وأن (كل البلد دارفور) من باب الترميز الذي يعني أن جروح كل إقليم هي جروح السودان جميعه؛ في دارفور والشرق أو النيل الأزرق آو كردفان أو البطانة أو حلفا أو شندي أو رهيد البردي..! فكانت المواكب تنطلق بهذه المعاني التي تحتفي بالتنوّع السوداني البديع.. فتزيّنت ساحات الشوارع والأثير بالشعارات والرسومات التي تبشّر بالتماسك الوجداني بين كل أطراف البلاد ضد التهميش والعنصرية والجهوية، والتي تستشعر معاناة مناطق الوطن المنكوبة بالحروب والانتهاكات ولا تنسى ساكني معسكرات النزوح التي يرسف أهلها تحت المظالم والافتقار لأدنى مقوّمات الحياة.. إنها إرهاصات العودة للريف مصدر حياة السودان..وانطلقت التعبيرات والأشعار والصور والرسوم التي جعلها الشباب شعاراً للاحتفاء بأهل الريف وهي تصوّر بيئاتهم الطبيعية وممارسات حياتهم اليومية بين القرى الشعثاء المندثرة والمحترقة وتلك التي تقاوم البقاء..وانتشرت إبداعات الشباب عبر تصوير الرواكيب والمزارع والحقول والبوادي والمراحيل والزراعات والجبراكات والكرانق والقطاطي والرواكيب والبيوت الطينية والعشبية والدانقات والقاطوعات والصرايف و(جلسات الضرا).. وازدانت الوسائط الاتصالية بملامح أهل الريف وصبرهم وسماحتهم وهم يغالبون الحياة، وصوّرت سعيتهم التي تحوم حولهم وألعاب أطفالهم والآلات البيئية الخاصة بأداء العمل والترفيه مثل الملودات والحشاشات والمحاريث والوازا والربابة وأم كيكي والزمبارة والطار والنقارة.. ونقلت إلى العيون والقلوب الريف بكل تمثلاته في شرق الوطن وغربه وشماله وجنوبه، وأهله بأزيائهم وزينتهم ومفردات حياتهم.. في إشارة ذكية بأن الخرطوم ليست هي السودان، وأن السودان ليس في هذه العمائر المُترفة الشاهقة بجوار المستشفيات والمدارس الخربة التي تمثل الخلل الجسيم في معادلة (بئر معطلة وقصر مشيد) تمثيلاً صادقاً وبمطابقة كاملة كما وقْع الحافر على الحافر..!
هذا هي التركة الثقيلة من (الجناية على الريف) وإهمال حياة أهله وتجريف موارده وتبديد ثرواته..وقد آن الآن أوان عودة الحياة للريف مصدر ثراء الوطن من أجل بناء صروح الاقتصاد المُستدام والتنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية..ففي الريف معظم ثروة الوطن من الحبوب والمعادن والزروع والماشية وكل ثاغية وراغية من ذات الظلف والحافر.. وحزام الصمغ الذهبي والغابات المُنتجة ومجالي الطبيعة والخصب والنماء..والسافنا (الغنية والفقيرة)….من هنا يمر الاوتوستراد الصحيح نحو التنمية.. وليس عن طريق (دولار ريال شيك سياحي)..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *