قضايا من معسكرات النازحين بدارفور.. جِراحُ الحرب وضِمَاداتُ السلام

قضية: صفية الصديق

بين يومٍ وليلة يستيقظ (إسحاق) على بحورٍ من الدماء والأحزان العميقة؛ فقريته الخضراء بطبيعتها وطيبة أهلها صارت حُطاما!. لم يقف الأمر على قريته فقد مسح السفاحون كل ذكريات طفولته بوحشية وحب للدم والقتل.. ففي إحدى قرى جبل مرة تقع مدرسته الأساسية كانوا يدرسون ويحلمون بالمستقبل، في يوم مليء بالدم في العام 2003 اتجه (إسحاق) وأصدقاؤه صوب مدرستهم، هم وأساتذتهم يغالطون جبروت المجرمين، حيث بدأوا يومهم الدراسي بشكل طبيعي، ما إن اطمأنت نفوسهم وهدأت من هول القتل الذي يحيط بهم؛ دخل عليهم السفّاحون في فصلهم وأبادوا (34) طالباً من مجموع (37) طالباً بالصف، بلا رحمة أنهوا حياة أطفال أحلامهم حد السماء، قتلوهم وتركوا (إسحاق) وزميلين نصيبهم في الحياة اجترار الذكريات المُميتة!..

عزلة وخوف

ألمٌ لا يعادل قطرة في بحر انتهاكات حرب 2003 ضد المدنيين في دارفور، إذ دخل الدم كل البيوت وطالت الانتقامات الناشطين السياسيين والأطفال، إذ مثلوا بجثث أطفال وقتلوا أطفال ليقطعوا قلوب من قرروا الكفاح من أجل الحقوق؛ كل هذا لم يُثنِ النازحين بالمعسكرات في دارفور من دعم الحكومة الانتقالية المدنية بالتحديد، لديهم مطالب غير حالمة، كتبوها بموضوعية ورتبوا أجندة أولوياتهم تقديراً للتحديات التي تواجه الفترة الانتقالية.

عاشت ولا تزال -رغم التغيير السياسي- معسكرات النازحين بدارفور في عزلة وخوف وملاحقة لقادة المعسكرات من قبل النظام المخلوع والمليشيات؛ إذ شهد معسكر الحميدية خلال الشهرين الفائتين وبحسب مصادر من داخل المعسكر هجمات وملاحقات وحرق لبيوت المعسكر من مجموعات غير معروفة، كما نزحت أكثر من (3) أسر خارج المعسكر خوفاً على أرواحهم وأبنائهم؛ يفقدون الأمان في وقت يظنون أنهم سينامون وأبوابهم مُشرَعة على قلب الشارع.

المحاسبة أولاً

وقال الشيخ محمد يعقوب، من معسكر الحميدية للنازحين الواقع في مدينة زالنجي بولاية وسط دارفور، لـ (مدنية نيوز) أمس الأول، إنه ولمعالجة الانتهاكات من إبادة جماعية، تهجير قسري ونزوح لا بد من إصلاح المؤسسات العدلية، وتقديم الجناة للمحاكمات العادلة وجبر الضرر، ومن ثمّ تحقيق السلام السوداني بمشاركة المتضررين من الحروب وساكني المعسكرات، لأنهم رسموا تصورهم لتحقيق العدالة ويؤمنون بأن استقرار السودان لا يأتي إلا بالمحاسبة لكل من ارتكب جرائم حرب بلا استثناء ومن ثمّ جمع السلاح، وتوحيد الجيش وتحقيق التنمية المتمثلة في إعادة صياغة المناهج لغة ومحتوى بما يسمح باندماج المتحدثين باللغات غير العربية في العملية التعليمية في المراحل الأولية على الأقل، وتوفير الفرص المتساوية في التعليم، والتمييز الإيجابي في التقديم للجامعات للنازحين وتحقيق مجانية التعليم والذي يضمن انخراط أبناء المعسكرات في المؤسسات التعليمية، وإدخال التعليم التقني والتأسيس لمنهج سوداني لتحقيق العدالة الانتقالية.

بنود العدالة الستة

وتوافقت التنسيقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين بدارفور وفي إطار مطالبها لتحقيق العدالة على (6) بنود لتحقيق العدالة في دارفور، تأتي في مقدمتها مراجعة خريطة دارفور الكبرى بتحديد (الحواكير) داخل الخريطة وتحديد السكان الأصليين لـ (الحواكير)، وتحديد السكان الحديثين في (الحواكير) وكيفية دخولهم، ومن أين-، ومراجعة المستندات الموجودة داخل الخريطة ويتم ذلك عبر استصحاب ذاكرة التاريخ المشترك فيما يخص التعايش السلمي والتواصل بين السكان، مع ضرورة معالجة قضايا المستوطنين عبر المحاكم العادلة.

وفيما يخص قضية الأرض لا بد من إعادة الأسماء التاريخية للقرى والمناطق- مشاركة المكونات المختلفة التي يمكن أن تساهم في تنفيذ الحلول مثل الخبراء الدوليين الذين عملوا في نفس القضية إضافة للحكومة وحركات الكفاح المسلح وأن يكون الضحايا مرجعية أساسية في قضية الأرض.

ويتمثل البند الثاني في نزع السلاح عبر قوات مشتركة سودانية وغير سودانية، بمشاركة الإدارات الأهلية لمعرفتها بخريطة وجود السلاح، وكذلك مشاركة الإعلام وإعلام المواطن؛ حيث يتم جمع السلاح عبر خطوتين طوعية عبر إعلام حاملي السلاح بضرورة تسليمهم له، وجمع قسري لمن يمتنعون.

تأهيل نفسي

ويتعلق البند الثالث بتسليم مرتكبي جرائم الإبادة لمحكمة الجنايات الدولية، وفي المقدمة تسليم الـ (51) المطلوبين من قبل المحكمة الجنائية، وأن يكون هناك حصر للمؤسسات والأفراد الذين ساهموا في النزوح، وتأمين الضحايا والشهود وتتم هذه العملية بمتابعة من قبل الحكومة وحركات الكفاح المسلح لتسليم المجرمين وضمان محاكمتهم لعدم الإفلات من العقاب.

ويتم بعد تلك الخطوة مباشرة، البند الأهم المتعلق بالتعويضات الجماعية والفردية لضحايا النزوح عبر التعويض المادي، المعنوي بالاعتذارات، التأهيل النفسي وإنشاء مراكز للتأهيل النفسي والعلاج لمن اُغتصب أهلهم أمامهم؛ وتتم التعويضات الجماعية عبر تخصيص رقم محدد من خزينة الدولة لإعمار مناطق النازحين والخدمات ويجدد أو يتم تغييره سنوياً بناءً على متغيرات الواقع وسعر السوق-.

وتستمر التعويضات لمتضرري الحروب لفترة أقصاها (10) سنوات على الأقل لتحقيق التعمير والبنيات التحتية وتوفير الكادر البشري المؤهل؛ على أن تتم التعويضات الفردية عبر تحديد رقم يتفق عليه الضحايا وفق خسائرهم ويتم حصر الضحايا عبر المؤسسات الرسمية المعترف بها داخل المعسكرات- التعويض الفردي يجب أن يكون اختيارياً، (هل يريدون التقييم مادياً أم مواداً عينية)-.

ويتمثل التعويض المعنوي في تقديم اعتذارات لكل الضحايا الموجودين من المسؤولين ومن الحكومة الانتقالية، وإقامة متحف للموروث المادي والثقافي وتخليد ذكرى الضحايا عبر إقامة ذكرى سنوية.

بعد ذلك وفي البند الخامس اشترط النازحون مشاركتهم في السلطة، وقبلها تدريب وتأهيل أبناء النازحين لضمان مشاركتهم في السلطة وضرورة مشاركة أبناء الضحايا بنسبة (10%) في كل مستويات الدولة.

ومن ثمّ التأسيس للبند الأخير المتعلق بالعودة الطوعية التي تتطلب توفير الأمن، محاكمة المجرمين، توفير الخدمات الأساسية في قرى العودة الطوعية بعد التعويض الفردي ورد الحواكير لأصحابها.

مفوضيات حقيقية

قضية أخرى أثارتها التنسيقية العامة للنازحين تتعلق بمنح حرية التنقل للنازحين وتأمينهم من الاستهداف السياسي، حيث ذكر أحد قادة معسكر (كلمة) الواقع بمدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، أن (60%) من سكان المعسكر غير قادرين على التنقل في نيالا بسبب تواصل الملاحقات الأمنية، وقال لـ (مدنية نيوز) أن تحقيق حرية التنقل يتطلب تضامن منظمات المجتمع المدني مع النازحين في حق التنقل.

وركّز ذات المصدر في إفادته على ضرورة إنشاء مفوضيات حقيقية تنجز القضايا التي تكونت من أجلها أو يتم إنشاء هذه المفوضيات بعد تحقيق السلام العادل والشامل الذي يلبي طموحات النازحين واللاجئين، وعلى رأسها (مفوضية السلام، مفوضية العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، مفوضية العون الإنساني، مفوضية العون القانوني، مفوضية التعويضات، مفوضية الأراضي والحواكير ومفوضية جمع السلاح)، وأن تكون هنالك رقابة بعد اتفاقية السلام لضمان تنفيذ مطالب ضحايا الحرب والنزوح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *