أعداء السلام الحقيقيون

بقلم: خالد فضل

يبدو أحياناً من تصريحات بعض الذين وقَّعوا اتفاق جوبا للسلام، خاصة من جانب الحركات والمسارات، وكأنّهم فعلوا شيئاً يخشون من كشفه، أو أنّهم يحسون بنقص ما في الاتفاق يريدون إكماله، بتوزيع التهم الجزافية للذين تحفظوا أو انتقدوا أو حتى عارضوا الاتفاق، تهم تصل مباشرة إلى عداوة السلام. في الواقع، لا يوجد شخصٌ عاقلٌ راشدٌ يمتلك ذرَّة شعورٍ إنساني يرفض السلام؛ ولكنَّ المتحفظين أو الرافضين أو المنتقدين لا يرفضون السلام، بل يُبدون ما يعلنون حول اتفاق جوبا للسلام باعتبارات عدَّة. وكان الأوْلى عوضاً عن كيل الاتهام بمُعاداة السلام، الالتفات إلى ما يطرحه المنتقدون والرد بشفافية ووضوح حول ملابسات النقص. ولعل الأستاذ محمد الحسن التعايشي عضو المجلس السيادي الانتقالي وعضو وفد التفاوض، يميل كثيراً وفي كثير من المرَّات التي تحدث فيها عن الاتفاق، إلى مسألة نسبية صِحَّة وشمول ما تحقَّق دون أن يتبنَّى رأياً راديكاليَّاً باعتبار الإتفاق وكأنه فتح سماوي، وهنا يظهر الفرق فعلاً بين المفاهيم والعقليات التي تتعامل مع ملف السلام في السودان.

فكثير ممن يعتبرون أنفسهم (كباتن) في مسألة التفاوض والسلام، هم في الواقع يُمهِّدون الطريق للأعداء الحقيقيّين للسلام في البلاد، أعداء السلام هم أصحاب المصلحة في سيادة الحروب والنزاعات، لأنّ ذلك المناخ هو الصالح لتحقيق الرضا لذواتهم المريضة، خذ مثلاً دعاة العنصرية، المتسربلين بدعاوى الاستعلاء العرقي أو الثقافي أو العقائدي، هؤلاء ألدُّ أعداء السلام، وهم شريحة اجتماعية ممتدَّة وموجودة في كل الأوساط السودانية من أعلاها إلى أدناها من حيث حظوظ التعليم والوعي، بل بعض تجد دعاة الاستعلاء المهني يجعلون العمل في بعض المجالات وكأنّه يمنح الفرد حقَّ امتلاك الوطن ومصائر شعبه، فيحدد من يملك ليعطي ومن يستحق العطاء، هذه عينة من أعداء السلام رغم أنّهم قد يعتبرون من صُنَّاعه في موجة الحماسة الإعلامية المصطنعة بالاتفاق!!

عينة أخرى من أعداء السلام، أولئك الذين ينظرون إلى الوظائف، يسيل لعابهم للمرتبات والمخصصات، يمنون النفس والأقارب بنيل فرصة التوظيف في دولاب الحكومة، بعضهم يهرف بالقول لدرجة التشنج، ومن هؤلاء على وجه الخصوص فئة بدعة المسارات، فقد سمعت أحدهم يرغي ويزبد واصفاً أعداء السلام بأنّهم من الأيديولوجيين من قوى الحرية والتغيير، كان المذكور يتحدث في برنامج يذاع على شاشة تلفزيون السودان، فمن هم الأيديولوجيون أعداء السلام؟ أ يقصد الحزب الشيوعي مثلاً، فقد أعلن الحزب مبكّراً تحفُّظه على طريقة المفاوضات، ورفض الاتفاق لعيوب فصّلها في بيان منشور، وقد يختلف المرء مع حجج الشيوعيين، أو يتفق مع بعضها، ولكن لا يمكن وصفه بعدو السلام على كل حال؛ فهو لم يدعُ للجهاد أو ردع الخونة والمتمردين أعداء الوطن والدين، كما كان يفعل النظام المباد، كما أنّه لم يشترك في الحرب وحرق القرى وتشريد المدنيين وتسليح بعض القبائل وتأسيس المليشيات وإطلاق يدها لتعيث في دارفور والجبال قتلاً واغتصاباً ونهباً؛ فعلى ذلك المفاوض النِّحرير أن ينظر حوليه عساه يجد أعداء السلام يتزيُّون بثياب الوادعينا!! كما سمعتُ أحد المخاطبين للقاء جماهيري مُعلناً أن الجبهة الثورية قامت أساساً من أجل سكان الكنابي! هل هذه عقلية سلام؟ ما هي الأيديولوجيا المعادية للسلم التي يرددها بعضهم كالببغاء. ما قدمته هنا هو نماذج فقط من خطاب مذاع لا يصبُّ أبداً في خانة بناء السلام.

ثمّ على الرفاق في الجبهة الثورية بفريقيها، أن ينظروا في حال جبهتهم، وهي تتأهَّب للشراكة في الفترة الانتقالية، وسيجدون أن أول عقبات السلام تتمثل في جبهتهم ذاتها، ليتأملوا تكوينها وما إذا كان ممثلاً فعلاً لمجتمع دارفور بتعدديته العرقية والقبلية أم أنّها ثمثل على أحسن الفروض عشائر أو خشوم بيوت في مجموعات محددة، هذا الحال يشكل عدواً للسلام، فما هي الحجج التي يدافع بها مناوي مثلاً لانسلاخه عن الجبهة الثورية وتأليف جبهة ثورية موازية، هل يا ترى زالت عيوب جبهته التي انسلخ عنها أم جبّها الاتفاق؟ إذا كانت تلك العيوب موجودة ومصاحبة لشركائه في الفترة الانتقالية من زملائه الموقعين معه على ذات الأوراق، فإنّ ذلك الأمر يُشكِّل منذ البداية نهاية اللعبة بخواتيمها المألوفة، استقطاب من هنا ومزايدة من هناك، ثمّ نسيان موضوع الاتفاق والتركيز على موضوع الكيد المُتبادَل لمن يفترضون شركاء في السلام، أمّا الشركاء في الحرية والتغيير فهؤلاء تمّ نفيهم من البداية بحجة أنّ العساكر يفهمون العساكر ويسهل الاتفاق فيما بينهم، كان هذا مدخلاً مخلّاً ومعيباً منذ البداية؛ فالحرب سياسية، وهي تنشأ في العقول لا العضلات، والسياسيون أقدر على مناقشة الجذور من العسكريين الذين ينفقون عمرهم جلّه في معادلتي (تلقي الأوامر أو صرفها) دون نقاش، هذا هو نمط تدريبهم لأداء دورهم بفاعلية وانضباط، ولا عيبَ في ذلك، لكن العيب أن توكل إليهم مهام لا يطيقون معها صبراً. ولكن اختيار الجبهة الثورية لصف العساكر في سلطة الانتقال لن يعود عليهم ولا على السلام بخير، وها هو منسق معسكرات النازحين السيد الشفيع عبد الله يُصرِّح بأنّ ترك موضوع حماية النازحين للمليشيات التي تحاربهم لم يغيّر في أمر السلام شيئاً، كما أنّ الحركات التي كانت مسلَّحة في وصفه، باتت تبحث عن تجنيد واستقطاب عناصر لتظهر وكأنها تمتلك قوات عسكرية، فهل هذا الأمر غائب عن عساكر الفترة الانتقالية الذين تُهلِّلُ الجبهة الثورية باتفاقها معهم؟ هذا من العثرات الواضحة التي تمثل عداوة للسلام، وليس المنتقدون والداعون لشمول السلام وعالته. فإذا ركّزت الجبهة الثورية فيما يليها من (هوم ويرك) صعب ونجحت في الإجابة عن أسئلة الواقع ومحك التجربة ستكون قد انتصرت على ما تزعمه من أعداء. أمّا إذا ظلت في خانة المماحكة وتصور أعداء غير حقيقيّين فعندئذ ربما يكون الوقت قد مرّ وليس للزمن من عودة للوراء أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *