الثورة المضادة ومحاولة إيقاف إزالة التمكين

بقلم: لمياء الجيلي
الهجمة الشرسة التي تواجهها لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال ومحاولات حلها أو التقليل من فعاليتها ومهاجمة مقارها وتهديد منسوبيها نتاج طبيعي لما حققته اللجنة من قرارات شجاعة كشفت حجم فساد النظام البائد وما قام به من جرائم ومن تشويه وتدمير للنظم الرقابية والمحاسبية في كل مؤسسات الدولة، كما كشفت العديد من المؤسسات الموازية التي بناها ليتم من خلالها مصادرة صلاحيات مؤسسات عريقة ومهمة، وليهرب عبرها أموال الشعب السوداني للخارج. وكذلك ليضمن سيطرته على الاقتصاد والعباد حال بقائه في السلطة أو غادرها. كما هدف النظام البائد من بناء هذه المؤسسات السيطرة على كل مفاصل الدولة وليصبح أي تغيير سياسي يطال قادتها (المعروفين) لا يحدث تغيير حقيقي في البنية الهيكلية للدولة ولا يؤثر على مصالح وأوضاع وسيطرة من يديرون الشأن المالي والسياسي من على البعد أو من خلف الكواليس.
هذه الهجمة، التي تقودها الثورة المضادة، تؤكد أن عمل اللجنة فعال و(هبش عش الدبابير) ووصل (اللحم الحي)، وهدد مصالح نافذين أو من يمتون لهم بصلة، كما هدد بقاء منظومة سياسية نشأت برعاية تنظيمية دولية شاركتها بمالها وبتخطيط مفكريها وخبراءها من أجل تمكينها وتثبيت دعائمها لكيلا تقوم لأي نظام يزيحها قائمة، ولتسهل طريق العودة وإمكانية إفشاله. فهذا التنظيم اعتاد أن يغير جلده ووكلائه ومسمياته التنظيمية وقياداته المعروفة ويعود بمسمى جديد (New look) ليواصل نهجه في قمع العباد ونهب ثروات البلاد، لذا اعتبر عمل لجنة إزالة التمكين أكبر مهدد حقيقي لوجوده ويمكن أن يقطع عليه طريق العودة لسدة الحكم.
تعرض أعضاء اللجنة للعديد من المضايقات والمخاطر منها محاولات اغتيال أعضائها، والسطو على مكاتبهم ومنازلهم، وسرقة أوراقهم وملفاتهم، ومحاولات يائسة للتشويه والتشكيك والتخوين وغيره من السلوك المتوقع من الفاسدين ومن الذين يحمونهم. فكشف عورات النظام البائد وعضويته ليس بالأمر السهل وردود الأفعال العنيفة من منسوبيه مفهومة ومتوقعة، ولكن الغير مقبول و غير متوقع الهجمة من أشخاص وجماعات عانت من النظام السابق الأمرين، أو من جهات تطالب بالتغيير.
حسب ما جاء في عدد من وسائل الإعلام الأسبوع الماضي أن لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال تواجه ضغوطًا شديدة لحلها، وأن هنالك جهات قدمت مقترحات بحل اللجنة وتحويلها لمفوضية مكافحة الفساد. وفي اعتقادي وجود هذه اللجنة لا يمنع قيام مفوضية لمكافحة الفساد، بل هذه المفوضية من المفوضيات المهمة. فالمصلحة الوطنية تتطلب مواصلة اللجنة لعملها، حال تم إنشاء المفوضية، ً فالمفوضية في الغالب يكون مهامها كتابة التقارير وكشف الفساد فيما تكتسب اللجنة قوة وفعالية أكثر، خاصة بعد التعديلات التي تمت في قانونها في الأول من مايو المنصرم. حيث تم إدخال تعديلات مهمة على قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ وإزالة التمكين، منحت اللجنة صلاحيات مهمة دون الحاجة للجوء للقضاء، كحق حجز واسترداد اي اموال ناتجة عن أعمال التمكين او اي فعل من أفعال الفساد. كما تم وفقاً لهذه التعديلات انشاء نيابة مختصة بقضايا التمكين ولجنة خاصة بإدارة الأموال المستردة. منحت هذه التعديلات أيضاً الدولة والأشخاص حق المطالبة بالتعويض عن أي خسائر أو مظالم بسبب أي فعل من أفعال الفساد او التمكين الي شملها القانون.
محاولة الربط بين إنشاء مفوضية مكافحة الفساد وحل لجنة إزالة التمكين، في غالبه لا يخلو من سوء قصد ومحاولة لإيقاف عملية تفكيك النظام البائد وما حققته اللجنة من إنجازات في زمن وجيز، أثلج صدور الشعب السوداني، واعاد الأمل في تحقيق تغيير حقيقي يعود بالخير على الوطن. هذا الربط الذي تقوده الثورة المضادة مخل ومضلل وغير زي نفع. فمفوضية مكافحة الفساد الواردة في الوثيقة الدستورية ليس بمقدورها القيام بالمهام التي تنجزها اللجنة، كما أن هنالك مخاوف كبيرة ومشروعة حول مدى استقلاليتها وحيادها وقدرتها على تفكيك فساد ثلاثين عاماً.
تفكيك النظام البائد كان من المطالب الأساسية للثوار ومن أول مهام الفترة الانتقالية التي نصت عليها الوثيقة الدستورية المادة 8 مهام الفترة الانتقالية الفقرة 15 ” تفكيك بنية التمكين لنظام الثلاثين من يونيو 1989 وبناء دولة القانون والمؤسسات”. كل ذلك جاء حرصاً على إزالة خلل كبير تسبب فيه النظام البائد عن عمد ولشيء في نفس يعقوب. فمطالبة الثوار بتفكيك بنية التمكين يوضح إدراكهم بأنه دون هذا التفكيك لن يتحرك التغيير قيد أنملة، وستظل البلاد تدور في دائرة الفقر والفساد الي ما لانهاية. وجدت اللجنة الدعم والقبول من الشعب السوداني منذ تشكيلها بموجب قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين لسنة 2019 والذي تم تعديله في مايو 2020 والذي أوصى بإنشاء اللجنة في الفصل الخامس والتي تمثل في عضويتها مجلس السيادة ومجلس الوزراء ووزارات الداخلية والدفاع والعدل والمالية والمخابرات العامة والدعم السريع وبنك السودان والحكم الاتحادي وديوان شئون الخدمة وديوان المراجعة القومي وخمسة اشخاص تختارهم اللجنة. هذا التنوع في العضوية وتمثيل مؤسسات الدولة ذات صلة يزيد من فعالية اللجنة وقدرتها على تنفيذ قراراتها، ويبعد عنها الشبهات.
من خلال مسيرتها نجحت اللجنة في استرداد العديد من الأموال والعقارات المنهوبة للشعب السوداني كما نجحت في كشف بؤر الفساد ومعاقل التمكين. صادفتها في هذا المسيرة معوقات وتحديات جمة، كما وضع أمامها العديد من المتاريس، التي قد تكون سبباً في بعض الإخفاقات على قلتها، والتي تسعى اللجنة لمداركتها عبر لجنة الاستئنافات المتعلقة بقرارات لجنة التمكين، وهذه اللجنة يمكن الطعن في قراراتها إذ نصت المادة 8 -2 من القانون “يجوز الطعن في القرارات الصادرة من لجنة الاستئنافات خلال أسبوعين من صدور القرار أمام دائرة يشكلها رئيس القضاء ويكون حكمها نهائيا”.
ما حققته اللجنة في الفترة الماضية يجعل من المهم جداً الحفاظ على عملها وإزالة كل ما يعترضها من عقبات الى أن تنهى تفكيك كل معاقل التمكين وأن تسترد كل أموال الشعب السوداني المنهوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *