إذاعة ولاية النيل الأزرق.. تعطل المحطة والعزلة في ذكريات الحرب

تحقيق: هويدا من الله

إنتاج البرامج المحلية التي تلبي احتياجات وطموحات أهل النيل الأزرق وإبراز التنوع الثقافي والإثني كان سبباً رئيسياً لإنشاء إذاعة ولاية النيل الأزرق، فكانت الإذاعة بذات التنوع والتعدد ملاذاً آمناً يلجأ إليه مستمعوها لتناسي مرارات الحرب والنزوح واللجوء، لأنها كانت تبعث في المواطنين أمل العودة إلى قراهم من جديد بعدما فرقتهم الحرب، وذلك من خلال الأغنيات المحلية والبرامج المجتمعية، ولكن تعطلت محطة الإرسال الإذاعي فخرجت العديد من المناطق عن دائرة الوصل والتواصل ليعودوا لعزلة الذكريات المؤلمة والإحساس بعدم الانتماء، بدلاً من أن تساهم المحطة في تعزيز التعايش ودعم التحول الديمقراطي.

فتحت (مدنية نيوز) قضية المحطة ودورها ومدى ارتباط المواطنين بها، وما هو مرجو لإعادتها فإلى مجريات التحقيق:

المحطة .. النشأة والانهيار

وقال المشرف العام على محطة الإرسال قاسم أحمد محمد، إن محطة الإرسال الإذاعي بولاية النيل الأزرق أنشئت في العام 1994 عبر شركة أمريكية (Hirs) بقوة 50 كيلو واط مع محطات في (4) ولايات أخرى (جنوب كردفان –غرب كردفان “الفولة” -القضارف-البحر الأحمر)، فكانت تغطي كل أرجاء الولاية وحتى لا تتجاوز حدود الولاية نسبة لسياسة محطة الإرسال آنذاك، وبتردد ١٠٢٦ كيلو هيرس والذي يتم تحديده من قبل هيئة البث حتى يسهل إيجاد المحطة على المستمع.

بدأت كفاءة المحطة في التراجع بعد (15) عاماً من التشغيل، وذلك نسبة لأسباب عدة متمثلة في عدم الصيانة الدورية، وذلك لعدم وجود مهندس صيانة مقيم في الولاية فكان يقوم بعمل الصيانات الصغيرة مهندس التشغيل في ذلك الوقت، وبسبب الأعطال الكبيرة تتوقف الإذاعة لفترات طويلة حتى وصول المهندس المختص من الخرطوم أو أية ولاية أخرى، فبدأ التراجع من (5) كيلو واط إلى (3) كيلو واط، من ثم اثنين ونصف كيلو واط، ووتوقفت في واحد ونصف كيلو واط.

وقبل كل ذلك كانت هناك محاولات عدة لاستمرار المحطة وتم شراء قطع غيار من دبي، وبعدها تم إيقاف الاسيراد من دبي وأمريكا نسبة لسياسات الدولة في ذلك الوقت، فتم جلب قطع غيار من الولايات التي كانت تمتلك نفس الموديل واستطاعت تغييره من (Hirs ) إلى شركات أخرى وتم جلب قطع غيار من كادقلي والفولة والقضارف والبحر الأحمر.

وعدم وجود سور بالمحطة كان سبباً آخر ساهم في توقف المحطة مما أدى إلى سرقة الكثير من النحاسات التي تعمل كعازل للصواعق عدة مرات، وعدم وجود هذه النحاسات أثر بصورة كبيرة على جودة الصوت، وأيضاً ارتخاء الشدادات لأنه تم بناء عدد من المحال التجارية عليها وجعلها مكباً للنفايات كان يعيق عمل الصيانة الدورية لها، فبدأ تدني الصوت تدريجياً من جنوب النيل الأزرق نسبة لوجود الموانع الطبيعية (الجبال) حتى توقفت تماماً في العام 2016م.

المساحة التي تغطيها المحطة الحالية (fm) مقارنة بالمحطات الأخريات

وقال مدير محطة الإرسال يوسف حسين لـ (مدنية نيوز) أمس، إن مهام مدير الإرسال هي الإشراف الهندسي والتشغيل والصيانة، وأشار إلى وجود عدد(7) أجهزة ( Fm) بالولاية، وهي إذاعة أمدرمان Fm95وتعمل بسعة 500كيلو واط، إذاعة القرآن الكريم fm 90 بسعة 500كيلو واط،

بلادي fm 96 بسعة 1000 واط، إذاعة القوات المسلحة 96:3 بسعة 1000 واط، البيت السوداني fm 100بسعة واط، وإذاعة ولاية النيل الأزرق fm 98 بسعة 500 واط، وتغطي مساحة 50 كيلو متر فقط من مكان وجود المحطة.

الوعود وعدم الايفاء

ومن جهته ذكر مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بولاية النيل الأزرق محجوب كوة، أن محطة الموجة المتوسطة تعطلت منذ العام 2016، وكانت المحاولات أن تم إدراج شراء محطة جديدة ضمن الميزانية العامة للولاية في العام 2017، ولم يصدق بذلك.

وأضاف أنه كانت هناك محاولة أخرى تمثلت في عطاء طرح في صندوق دعم الولايات فازت به شركة (هنا أمدرمان) بقيمة 750000 يورو، كما وعد الوالي السابق (إبراهيم ياسين) بإدخال المحطة في ميزانية 2020 -2021، ولم يتم ذلك نسبة للتغييرات الأخيرة في السودان.

وتابع أن الأمر ازداد سوءاً في يونيو 2020 بسقوط برج إرسال التلفزيون الذي كانت به محطة الإذاعة، وبسببه توقفت الإذاعة لمدة شهر وبعدها تم نقل المحطة إلى برج (سوداتل) وساعد ذلك في توسع دائرة البث ليغطي مساحة أكبر من السابق، ولكن تظل المشكلة قائمة وهي عدم وصول البث الإذاعي لكل مناطق الولاية.

المحتوى البرامجي في عهد الموجة المتوسطة

ومن ناحيته أوضح مدير قطاع الإذاعة عمر عبد الرحيم البيلي، أن إذاعة ولاية النيل الأزرق أسست ضمن منظومة الإدارة العامة للإذاعات الولائية والموجهة وهي إدارة متخصصة بالهيئة القومية للإذاعة، وذلك لخدمة الأهداف التنموية، وكان ذلك وفق السياسات الكلية للهيئة وموجهات الدولة باعتبار أن الإذاعة السودانية في ذلك الوقت في حوجة لمحطات إرسال ولائية لتقوية البث الإذاعي القومي وإيصال الخطاب العام للدولة في كل مكان، ومن هنا فإن قيام إذاعة ولاية النيل الأزرق كان لغرضين أساسيين هما تقوية الإرسال القومي للإذاعة السودانية وإيصال خطابها لجمهور النيل الأزرق وجنوب السودان في ذلك الوقت، بجانب إعادة بث الرسائل والبرامج التي يبثها البرنامج العام وإنتاج برامج محلية تلبي حاجات وطموحات التنوع الثقافي في النيل الأزرق وخدمة الأهداف التنموية وإبراز الثقافات المختلفة.

وذكر البيلي أنه في العام 2004 أجاز المجلس التشريعي الولائي قيام هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية النيل الأزرق، وبذلك أصبحت فنياً وبرامجياً تتبع للولاية، بينما الإرسال تابع لهيئة البث الاتحادي، فأنتجت عدداً كبيراً من البرامج ذات الصلة بالمجتمعات المحلية، وعلى سبيل المثال وليس الحصر: (نقارة السلام، الدمازين والمستمعين، خيمة البوادي، العرديبة أم ضل، الرعاية الصحية الأساسية، تعليم البنات، الإرشاد الزراعي والتنموي. وأشار إلى راديو المجتمع وهو خدمة إذاعية باللغات المحلية.

وتابع أنه بعد توقف الموجة المتوسطة توقفت معها العديد من برامج المجتمعات الريفية، وكان لذلك أثر بالغ في التواصل مع تلك المجتمعات التي تعتبر الأساس في تقديم الخدمة الإذاعية نظراً لحوجة إنسانها للتوعية والإرشاد.

العزلة

ومن ناحيته قال منتج البرامج باللغة المحلية من محلية قيسان قسم الله، الذي يمقيم في المدينة السكنية (10)، إن سكان قيسان كانوا من المتابعين للإذاعة الولائية، خاصة وأنها تقدم برامج بلغاتهم التي يفهمونها ويتفاعلون مع تلك البرامج لأن مقدمها من قيسان فيشعرون بانتمائهم الفعلي لتلك البرامج التي تمثلهم، فكانوا متابعين للإذاعة حتى من أماكن عملهم في المزارع لقوة البث في ذلك الوقت، فكانوا أكثر حرصاً على المشاركة في المسابقات الإذاعية والبرامج الجماهيرية عبر الهاتف، وذكر أنهم كانوا يهدون أصدقاءهم في المناطق الأخرى أغنيات باللغة المحلية على الهواء مباشرة.

وقال موسى عبدالله الشهير بـ (موسى بكوري)، وهو من منطقة بكوري، إنه افتقد المسلسلات الإذاعية والاستماع إلى أغاني الطاهر السراجية وسبت مسمار، وأشار إلى أنه كان يحرص على حمل (الراديو) معه في كل مكان لسماع تلك الأغنيات التي تعبر عن واقعه.

ولم يذهب حسين ببك من منطقة العزازة شرق الرصيرص بعيداً عما قاله موسى وقسم الله، وذكر أن أكثر ما افتقده بتعطل الموجة المتوسطة هو سماع التهنئة من أصدقائه الذين لا يعرفهم في الواقع، بل جمعتهم الإذاعة فقط عبر البرامج الجماهيرية.

الخاتمة

تظل الإذاعة رفيقاً للسكان والمقيمين في الريف وهي مؤنستهم في حلهم وترحالهم، في عملهم وسكونهم، وما يؤمن هذا الوصل الحميم هو محطة البث أو الإرسال الإذاعي التي باتت في عدّاد الأموات، وتظل الآمال والأحلام البسيطة من المواطنين المتابعين في أن تدب فيها الحياة وأن يحل خريف بثها من جديد حتى تضج الحياة بـ (هنا الدمازين)، وينعم الجميع بدفئ أحضان الأثير الصعيدي.

وطبقاً لمتابعات (مدنية نيوز) فقد أبدى مواطنون كثر بولاية النيل الأزرق استعدادهم لمد يد العون وإقامة مبادرة شعبية دعماً لمحبوبتهم (هنا الدمازين) شادين على عضد حكومة الولاية، أملاً في الوصول الكلي للبث ليغطي كل أرجاء الولاية، باستيراد محطة إرسال جديد، خاصة أن السودان يخطو خطوات حثيثة نحو رفع اسمه عن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهذا ما يجعل الطريق شبه معبد للعبور، وإعادة الحياة للدمازين الإذاعة وتبقى الأحلام والآمال والطموحات بالغة عنان السماء في أن يتم ذلك في القريب العاجل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *