إجراءات العدالة بين الإبطاء وتعزيز سيادة حكم القانون

تحقيق: أم سلمة العشا
على الرغم من أنّ الخطوات التي اتخذها المسؤولون السودانيون لدعم العدالة مهمة وإيجابية، لكن ينبغي بذل جهود أكبر بحيث تغتنم السلطات السودانية الفرصة التي يتيحها الانتقال للتحرّر من ماضي البلاد الحافل بجرائم مروّعة وواسعة الانتشار ارتُكبت في ظلّ إفلات من العقاب. إزاء ذلك تتأثر الدعاوى المختلفة أمام القضاء ببطء وتأخير سير الإجراءات فتأخذ بعضها حالة النسيان والضياع بسبب عدم الفصل فيها والوصول إلى نهاياتها، الأمر الذي يؤثر بصورة قاطعة على تحقيق العدالة نتيجة ما قد يحسبه البعض تماطلاً وتقاعساً. ومن المعلوم أن تطاول أمد التقاضي يؤثر على نيل الحقوق فيؤدي ذلك إلى اللجوء للقوة للحصول على المستحقات وهذا مرفوض في ظل التأسيس لسيادة حكم القانون وتحقيق العدالة وفاعلية مؤسساتها باعتبارها من مرتكزات الانتقال الديمقراطي.  

تقاعس وتماطل
ورأى الأمين العام لهيئة محامي دارفور الصادق علي حسن، في إفادة لـ(مدنية نيوز) أمس الأول، أنه في حالة كان بطء الإجراءات ناتجاً عن تقاعس وتماطل ورغبة في التأثير على تحقيق العدالة يندرج هذا الإبطاء إذا كانت ممارسته بواسطة الجهات المختصة بتطبيق أحكام القانون فيما يوصف بالإساءة للقانون واستغلال أحكامه، وهذا يرتب مسؤولية جنائية بحق من يمارسه، وبمقدار مدى هذا الإبطاء تتأثر سيادة أحكام القانون. وقال الصادق: “كلما تعاظم الإبطاء كان ذلك على حساب سيادة حكم القانون، وقد يصل الحال لوجود قانون مكتوب وليس له سيادة على الكافة، أي في حالة شرعنة الفوضى بالدولة، كما تظهر بوادره جلياً حالياً، في إشارة إلى الوثيقة الدستورية التي وصفها بأنها معيبة ومع ذلك لا تجد الاحترام”؛ وتابع: “السودان الآن في حالة إبطاء القانون والشرعنة للفوضى”؛ وأشار إلى إبطاء تطبيق القانون خاصة في المجتمعات الريفية وتلك التي تكون أقرب إلى التكوينات القبلية. ووفقاً للصادق قد يؤدى الإبطاء في تطبيق القانون إلى بروز ثقافة الانتقام وأخذ القانون باليد، وأضاف: (السودان دولة هشة غالبية تكويناتها الآن في ممارساتها بل ومطالبها تخندقت في القبيلة، لذلك الإبطاء في تطبيق القانون قد يؤدي إلى شيوع ظاهرة الإفلات من العقاب وبروز ظاهرة أخذ القانون باليد).

فوضى وفساد
وقال الأمين العام لهيئة محامي دارفور: “على مستوى أصحاب القضايا في المحاكم والنيابات فإن ذلك يؤدي لعدم احترام أجهزة الدولة العدلية من قضاء ونيابة، ودولة بلا قضاء أو نيابة عامة محترمة تكون مرتعاً للفوضى والفساد، وذلك ما نخشى أن يصل إليه حال السودان”، وأشار إلى وجود تدابير في كل الأنظمة القانونية بكل دول عالم تتعلق بنظم التقاضي الذي يحفظ حقوق المتقاضين مع عدم الإخلال في القضايا الجنائية، حيث لا يترك سيف الاتهام مُسلَّطاً على المتهم دون مبررات قانونية، وأن يكفل له حقه في المحاكمة العادلة دونما إبطاء.
وأشار الصادق، إلى وجود نماذج لحالات المتأثرين بانتهاكات حقوق الإنسان بدارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، وذكر: “أما في القضايا العامة والمرتبطة بالمصلحة مثل خط هيثرو وكثير من القضايا العامة، وفيما يتعلق بالقانون المدني”، وقال: “هناك قواعد للخصوم تتمثل في تنظيم الخصومة والادعاء المدني، وفي الحالتين المدني والجنائي، هناك أحكام لشطب الدعاوى حتى لا تظل مقيدة لفترة طويلة، وكل ذلك حتى لا تتطاول الإجراءات القانونية وتؤثر على المراكز القانونية”.

انتقادات صريحة
وحسب صحيفة (التغيير الإلكترونية) فقد وجهت منظمة هيومان رايتس ووتش انتقادات صريحة تتعلق ببطء العدالة في السودان، وأن الحكومة الانتقالية السودانية لم تُحقّق العدالة بعد للضحايا والأسر، بعد مرور قرابة العامين من مقتل أكثر من 120 شخصاً وإصابة المئات وإساءة معاملتهم في هجوم عنيف على المتظاهرين في الخرطوم.
واقترحت المنظمة إنشاء (كيان مستقل) مدعوم فنياً ومادياً من المانحين لمساعدة الحكومة الانتقالية في إنفاذ العدالة. واستعجلت هيومان رايتس ووتش لجنة التحقيق الحكومية، لتقديم نتائجها إلى النائب العام وتوجيه الاتهامات إلى المسؤولين في أعلى المستويات. وقالت جيهان هنري، مديرة قسم شرق أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: (بعد مضي عام، تلقى ضحايا الحملة الدموية الكثير من الوعود لكنهم لم يروا بعد أي شكل للمساءلة). وشددت المنظمة على ضرورة نشر التقرير النهائي للجنة التحقيق علناً لضمان الشفافية الكاملة، وأنه يتعيّن على مكتب النائب العام ملاحقة المسؤولين حتى لو كانوا أعضاء في المجلس السيادي الحاكم.

 وخلصت المنظمة إلى أن الجرائم والانتهاكات المرتكبة أثناء الحملة قد توصف بأنها جرائم ضد الإنسانية لأنها جزء من ممارسة حكومية طويلة الأمد في استخدام القوة المفرطة، بما فيها القوة القاتلة ضد المتظاهرين العُزّل.

مرحلة هشة
وقالت سعدية سيف الدين، الناطقة باسم جمعية أسر الضحايا لـ (هيومن رايتس ووتش): “بعد عام، ما زالت العدالة متأخّرة ومعلّقة لا نريد أن يضيع دم شهدائنا عبثاً، نريد العدالة لهم لتكون ركيزة بلادنا الجديدة، حيث لا ينبغي أن تحدث مثل هذه الانتهاكات مرة أخرى”.

وقالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) إن المرحلة الانتقالية في السودان ما زالت هشة، مع تقدم ضئيل أو معدوم في إنشاء اللجان المتصورة لإصلاح القوانين، أو العدالة الانتقالية، أو حقوق الإنسان، واقترحت أن تنظر السلطات السودانية في إنشاء كيان مستقل لمحاكمة هذه الجرائم الخطيرة. وأشارت المنظمة إلى أن العدالة ما تزال تواجه اختباراً حقيقياً لمدى نجاح ثورة السودان وأن التقاعس عن توفير العدالة قد يعني خيانة لتضحيات المحتجين ومطالبهم، وعلى الحكومة الانتقالية أن تعطي الأولوية للمساءلة الهادفة والشفافة على أعلى المستويات.

معالجة قضائية
في ٢٠١٥م تم عمل نظام كامل للعمل الإلكتروني لتسريع إجراءات العدالة، وأصدر رئيس القضاء ووزير العدل الأسبق د. عوض الحسن النور، واثنان من قضاة المحكمة العليا تشريعاً مصغراً بموجب القواعد في قانون الإجراءات المدنية، ودفعت الدولة مبلغ مليون دولار لتنفيذ ذلك النظام، كما قامت الدولة بإصدار قانون تسهيل الأعمال لعلاج تطاول العمل القضائي. وقال وزير العدل الأسبق عوض الحسن النور لـ(مدنية نيوز) أمس الأول: “رغم ذلك تقاعست السلطة القضائية وبعض النافذين من القضاة والقانونيين من المحامين التقليديين بإسقاط القانون، فهكذا التقاضي نتوقف في السودان بسبب الوباء والعالم جله أعماله القضائية تسير عن بعد”.

ومن القضايا التي تطاول أمدها تتعلق بالجانب المدني ومنها نماذج لبعض الصحفيين ويقول الصحفي أيمن إبراهيم لـ(مدنية نيوز) أمس، إنه وزميل آخر في العام 2012 اضطروا للجوء لمحكمة العمل في الخرطوم لانتزاع حقوقهم من إحدى الصحف بعد رفض ناشرها منحهم حقوقهم، وأضاف أنه رغم تقديمهم جميع المستندات التي تؤكد مطالبتهم وفشل المدعى عليها في تقديم أي مستند يثبت عكس ذلك؛ إلا أن القضية استمرت في المحكمة لأكثر من عامين.

وتابع أن أسباب التأخير توزعت بين مماطلة محامي الدفاع وتأجيلهم الجلسات بأعذار واهية وتجاوب القاضي معهم بصورة مستمرة، بجانب العطل الرسمية وانتخابات المحامين والنقل المستمر للقضاة وتحويل ملف القضية من قاضٍ لآخر.

وأبان أيمن، أن كل المبلغ كان (9) آلاف جنيه ووصلت القضية حتى محكمة الاستئناف، ثم تم دفع المبلغ بعد خسائر كبيرة تكبدوها في الصرف على المواصلات لحضور الجلسات وشراء الدمغات وطباعة الردود والاستئنافات لأنه لم يكن لديهم محام.

 وأردف: (تزوج القاضي الأول الذي كانت لديه القضية بمحكمة الموضوع، وأنجب طفلاً ووزع بالمحكمة دعوة السماية لابنه ونحن ما زلنا في المحكمة من أجل 9 آلاف جنيه).

وفي قضية أخرى قال المواطن أمير آدم، إنه برفقة (3) من زملائه أقاموا دعوى ضد شركة رفضت منحهم حقوقهم كاملة بعد فصلهم في العام 2015م، وأضاف أنهم قدموا الشهود والمستندات التي تثبت حقوقهم لدى الشركة، لكن القضية ما زالت في محكمة العمل في الخرطوم منذ نوفمبر 2015، وأضاف أنهم لم يعد لديهم رغبة في الاستمرار في القضية لأنهم فقدوا الأمل في العدالة، كما أن مستحقاتهم التي يطالبون بها فقدت قيمتها ولن يستفيدوا منها حالياً حتى لو تم سدادها لهم.

بدوره أوضح المواطن أبو القاسم إبراهيم، أن لديهم قضية بمدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان تتمثل في ادعاء شخص ملكية قطعة الأرض التي اشتراها والدهم من شخص آخر، وأبان أن والدهم بعد شراء القطعة سافر إلى دولة أخرى وعندما عاد وجد شخصاً أقام مبانيَ على القطعة وسكن فيها، ولما تحدث معه طلب منه السماح له بالبقاء وسيخرج عندما يطلب منه ذلك؛ وتابع أن والدهم ترك الشخص يسكن بالقطعة ولم يعد إليه حتى توفي الوالد، وعندما جاءوا إليه بوصفهم ورثة والدهم وهم يحملون الأوراق الرسمية للقطعة رفض الخروج وادعى ملكية القطعة.

 وأشار أبو القاسم، إلى أنهم رفعوا في مواجهة ذلك الشخص دعوى قضائية في العام 2013م وقدموا كل المستندات والأوراق الأصلية التي تثبت حقهم في القطعة، وشهدت مصلحة الأراضي في المحكمة بأن القطعة تخص الورثة وهي مسجلة رسمياً باسم والدهم وأن الشخص الذي يسكنها ويدعي ملكيتها مجرد محتال وليس لديه أي مستند يدعم ادعاءه.

وأردف أبو القاسم، أنه رغم كل ذلك استمرت القضية منذ العام 2013م بمحكمة الأبيض، ووصلت في الوقت الراهن لدائرة المراجعة في المحكمة العليا، والتي أصدرت قراراً بتاريخ 11 نوفمبر المنصرم لكنهم لم يتسلموا القرار بسبب أن الموظفين يخبرونهم أنه قيد الطباعة منذ ذلك الوقت، ثم توقف العمل بالمحكمة بسبب وباء (كورونا)، ونبه إلى أنهم خسروا ما يقارب ثمن القطعة في التقاضي والدفع للمحامين وتذاكر ومنصرفات السفر.

من المحررة:
من الأهمية بمكان أن يرى المواطنون وغيرهم من المتقاضين العدالة تمشي بينهم، وأن يتم تحقيقها دون إبطاء أو تسرع مخل بها، وهذا ما يثبت ركائز العدالة ويعزز الإيمان بتحقيقها وبمؤسسات الدولة وينهي حالة الإفلات من العقاب أو الإضرار بحقوق الآخرين ويجعل الجميع يتجنبون العنف ويلجأون للمؤسسات القانونية ثقة واطمئناناً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *