في الانتظار.. العدالة والإنصاف

بقلم: لمياء الجيلي
وطننا في حاجة عاجلة لعدل يقطع الظلم من جذوره، ويعيد الأمور الى نصابها الصحيح.. فليس من المقبول ولا من المنطق أن يذبح العدل نهاراً جهاراً في ظل نظام أتت به ثورة عظيمة كثورة ديسمبر المجيدة.. فلازالت الصحائف تسجل جرائم القتل خارج القانون، ولازال الاعتقال والتعذيب يمارس في معتقلات رسمية دون رقيب ودون حسيب.. ولازالت اسر الشهداء تنتظر القصاص ولازال الجرحى ينتظرون الإنصاف.. يتوالى مسلسل القتل والتعذيب.. فقد فجعنا في الأسبوع الماضي بحادثة قتل الشهيد بهاء نوري جراء التعذيب في معتقلات تابعة لجهة أمنية رسمية، حسب تصريحات المسئولين وبيانات الشجب والإدانة من جهات عدة… وكذلك فجعنا بخبر مقتل الطالب بكلية القانون جامعة الجنينة حب الدين أحمد والذي تعرض حسب بيان الجامعة هو وبعض زملائه لهجوم مسلح داخل وادى كجا.. وفى نفس التاريخ توفى عز الدين حامد متأثراً بالتعذيب والضرب.، لهم الرحمة ولأهلهم وللشعب السوداني خالص العزاء. وفي إقليم دارفور لازال عدد من المواطنين المقيمين بالمعسكرات المختلفة يتظاهرون وبعضهم يعتصمون أمام مقار اليونيميد بدارفور رافضين لخروجها، والمقرر له بنهاية شهر ديسمبر الجاري. كل تلك الحوادث توضح بجلاء أن تحقيق العدالة والإنصاف لن يتم إلا بإصلاح المنظومة الأمنية وبالتصديق على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وكافة أشكال العقوبات المهينة واللا إنسانية.
فالإحساس بفقدان الأمن والأمان على نفسك وعلي أسرتك وأصدقائك وزملائك إحساس مرير يفقد الحياة قيمتها ويضرب السلام والاستقرار في مقتل. وتحقيق الأمن والطمأنينة والسلام لن يتأتى دون عمل إصلاحات جذرية في المنظومة الأمنية برمتها وإعادة هيكلة بعضها وإلغاء الحصانات الواسعة التي يتمتع بها منسوبي تلك الجهات وإلغاء القوانين التي تطلق يد تلك القوات بلا رقيب وبلا حسيب..
الوعي الذي زرعته ثورة ديسمبر المجيدة وسط المواطنين يجب أن تصاحبه إرادة سياسية صادقة وقوية لتحقيق العدالة والوصول الي الجناة مهما كانت رتبهم ومهما كانت مناصبهم أو درجتهم الوظيفية.. هذا الوعي تجسد في حرص الأسر علي كشف الحقائق المتعلقة بالجرائم التي ارتكبت في حق أبنائهم والمطالبة بالتحقيق في تلك القضايا.. فأسرة بهاء الدين أصدرت بيان للشعب السوداني بتاريخ 25 ديسمبر، شرحت فيه ملابسات اعتقال ابنهم ورفضهم استلام الجثمان ما لم يتم تشريحه بواسطة جهة محايدة، كما أنهم أوصلوا مطالبهم تلك مباشرة للنائب العام.. وكذلك طالبت أسرة عز الدين حامد بتسليم الجناة للعدالة وأن يتم تسليم الأسرة التقرير الطبي للتشريح.. هذه المواقف الشجاعة، رغم الفجيعة، من الأسر ترعب القتلة وتهز عرش من يحمونهم تحت أي مسمي.. فجرائم التعذيب والقتل البشعة جرائم لا تسقط بالتقادم ولا بد من القصاص وإن طال الزمن طالما هنالك أسر تدوس على الجمر وتبلع المر من أجل تسليم الجناة للعدالة وتحقيق الإنصاف.
الخوف من تغييب العدالة.. أو تأخرها نتيجة لاهتزاز الثقة في تحقيقها في ظل أنظمة متوارثة من النظام البائد تجعل الوصول الى العدالة تحفه العديد من الصعاب والمخاطر.. وهذا ما دفع النازحين في دارفور يعارضون خروج بعثة اليونميد ويتخوفون من الفراغ الأمني والهشاشة التي ستنتج نتيجة لهذا الخروج في ظل عدم التوصل لسلام شامل مع بقية حركات الكفاح المسلح وعدم تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاق جوبا للسلام.. وتقاعس الحكومة عن تسليم المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية للمحكمة الجنائية الدولية.
عقب الإطاحة بالنظام البائد طالبت العديد من الأطراف بحل جهاز الأمن وطالب البعض بإصلاحه وهيكلته حتى يواكب الثورة والتغيير.. واتجهت الثورة اتجاه الإصلاح والهيكلة وتحديد مهامه في جمع المعلومات ومساعدة الجهات التنفيذية في ذلك وفقاً للوثيقة الدستورية المادة (37) والتي نصت على “جهاز المخابرات العامة جهاز نظامي يختص بالأمن الوطني وتقتصر مهامه علي جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها للجهات المختصة ويحدد القانون واجباته ومهامه ويخضع للسلطتين السيادية والتنفيذية وفق القانون”.. الى الآن لم يعدل قانون الأمن والمخابرات الوطني للعام 2010 ولم يحدث إصلاح حقيقي لهذه المنظومة. نفس الأمر يسرى علي قوات الشرطة والتي وفقاً للوثيقة الدستورية تتبع للجهاز التنفيذي حسب الوثيقة الدستورية المادة (36) والتي أكدت على أن قوات الشرطة قوات نظامية قومية لإنفاذ القانون، وتختص بحفظ الأمن وسلامة المجتمع وتخضع لسياسات وقرارات السلطة التنفيذية.. وذلك ايضاً مرتبط بتعديل القوانين التي تحكم تلك القوات إعادة هيكلتها وتدريب وتأهيل منسوبيها وتثقيفهم بالقانون الدولي لحقوق الإنسان وبدورهم في حفظ أمن المواطن وصيانة كرامته وإنسانيته، وعدم السماح لأي جهة نظامية أخرى بالقيام بمهامها وصلاحياتها.
التباطؤ في الإصلاح الشامل للمنظومة الأمنية وفي المصادقة على الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تساعد في هذا الجانب وتمنع حدوث جرائم تمس كرامة الإنسان وتهدر حياته عسفاً وجوراً، كما حدث للشهيد بهاء وأخرين.. يجعل العدالة والإنصاف بعيدان المنال.. كما يزيد الفجوة بين المواطن والأجهزة المنوط بها حمايته وحماية أرضه وممتلكاته. فمنذ يوليو الماضي ناقش مجلس وزراء الفترة الانتقالية انضمام السودان للاتفاقية الأممية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والمهينة واللاإنسانية (CAT) ومنذ ذلك التاريخ الى الآن لم يتم الانضمام لهذه الاتفاقية الهامة.. باعتبار ان المصادقة عليها تفتح الباب واسعاً للإصلاح المؤسسي ولتعديل القوانين وتوفير فرص التدريب لمنسوبي الأجهزة الأمنية ولمنفذي القانون.. وأهم هذه الإصلاحات تعريف وتجريم التعذيب وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *