النشر الإلكتروني.. مخاطر ضرب الانتقال الديمقراطي وضرورات التنظيم

قضية يطرحها: محمد إبراهيم الخليفة

تنتشر الشائعات بشكل يومي في وسائل التواصل الاجتماعي (واتساب) و(فيس بوك) الأكثر استخداماً في السودان، حتى صَعُبَ على المتابعين والقراء التمييز بين الحقيقة والشائعة، وهو ما دعا الحكومة للتعامل مع تلك الشائعات بالعمل على نفيها وتكذيبها، ومن أشهر تلك الشائعات ما بثته صحيفة إلكترونية مجهولة الهوية وتناقلته بعض الصحف، بشراء وزير المالية الإسرائيلي منزلاً في أمريكا وإهدائه لرئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك.

وبعد سقوط النظام المخلوع ظهرت للسطح العشرات من الصحف الإلكترونية مجهولة الهوية والمصدر تصنع الشائعات وتبثها في وسائل التواصل الاجتماعي، أو تأخذ الأخبار الكاذبة من وسائل التواصل الاجتماعي وتنشرها في منصاتها الإلكترونية، ولا تتقيد بأسس وأخلاقيات العمل الصحفي القائم على التدقيق والتحقق. وحتى الوقت الراهن لا توجد لوائح وضوابط تنظم عمل الصحف الإلكترونية وكيفية إنشائها. هذه الثغرة ربما قد تؤثر بشكل جلي على مستقبل الفترة الانتقالية وإجهاضها عبر الشائعات أو تأثيرها على مجريات الانتخابات المزمع عقدها في نهاية الفترة الانتقالية. وشكل وزير الثقافة والإعلام فيصل محمد صالح، مؤخراً لجنة استشارية للإصلاح الإعلامي في السودان برئاسة عميد الصحفيين السودانيين محجوب محمد صالح، تضم إعلاميين وقانونيين، بهدف دراسة وتعديل القوانين الحاكمة للإعلام.

ضوابط

وقال عضو اللجنة الاستشارية للإصلاح الإعلامي في السودان خالد فتحي، لـ(مدنية نيوز) أمس، إن قوانين الصحافة والمطبوعات الموروثة من النظام المخلوع لم تتضمن الصحافة الإلكترونية، وإن من مهام اللجنة وضع المعالجات واللوائح اللازمة لتنظيم الفوضى التي تضرب الصحافة الإلكترونية حالياً دون الانتقاص من حرية التعبير.

وفي ذات الاتجاه، ذكر المُهتمُّ بالنشر في وسائل التواصل الاجتماعي والمدرب لدى (اليونسكو) بشأن مكافحة الأخبار الكاذبة، عادل إبراهيم، أن هناك تخوفات من وجود قوانين تقمع حق التعبير والنشر، إلا أنه دعا لضبط الصحف الإلكترونية عبر المسؤولية القانونية، وأن تبرز هويتها وتكون معروفة للعامة في حالة أن يتطلب الأمر المساءلة القانونية باعتبارها حقاً مشروع.

واعتبر عادل، أن مكافحة الأخبار الكاذبة أمرٌ ليس بالمستحيل عبر تمكين الصحافة من الحصول على المعلومات بموجب الدستور والقانون، وأشار إلى أن الشائعات تنمو في ظل غياب المعلومات الرسمية.

بين الحرية والتقييد

وكيل أول وزارة الثقاة والإعلام الرشيد سعيد يعقوب، أمن في تصريح لـ(مدنية نيوز)، على أن المبدأ في الصحافة هو الحرية والاستثناء هو التقييد، وأبدى تخوفاته من غياب قانون يشمل الصحافة الإلكترونية ليس لتقييدها أو تحييدها وحجبها، بل لتنظيمها وأن تصبح كياناً قانونياً وليست جهات مجهولة تعمل على بث الشائعات واغتيال الشخصيات عبر الكتابة غير المهنية التي لا تلتزم بأخلاقيات وميثاق العمل الصحفي.

وأوضح الرشيد أنه في حالة وجود قانون للصحافة الإلكترونية، فإنه يضبط ويحدد الناشرين والصحفيين العاملين حتى إذا تم تجاوز يحق للمتضرر أن يحصل على حقه، وقال: (كثير من المواقع الإلكترونية التي صدرت حديثاً تفتقر للمهنية، وبها تسابق لنشر المعلومات دون التدقيق والتحقيق المعروف في أساسيات الصحافة، مما يوقع الصحف الإلكترونية في بث ونشر الشائعات والمعلومات المغلوطة، فضلاً عن الأخطاء اللغوية والنحوية الكثيرة مما يفقد الصحافة تميزها).

وأشار وكيل أول الوزارة إلى أن أغلب تلك الصحف لا تنتج موادَّ صحفية مخدومة في كل فنون العمل الصحفي، بل يعملون على ترويج الأخبار والأحداث السريعة والبيانات كسباً للسبق الصحفي، ونبه إلى أن إنشاء وصناعة الصحافة الإلكترونية رخيصة التكاليف، وأرجع ذلك لعدم مقدرة الصحافة التقليدية على مواكبة التطورات، وأضاف أن عدم التدقيق وكل تلك المشكلات تفقد هذه المواقع كثيراً من القراء لافتقادها للمهنية.

وتمسك الرشيد، بأن يشمل قانون الصحافة والمطبوعات الذي سيصدر لاحقاً المواقع الإلكترونية ويعيد تنظيمها وضبطها وأن يتضمن ذلك (العنوان، مالك الصحيفة، رئيس التحرير، العاملين)، وتابع: (هذه مسؤولية قانونية في حالة المساءلة أو تجاوز القانون أو وجود مشكلات بين العاملين ومالك الصحيفة، أو مشكلات متعلقة بالتأمين الإجتماعي)، وجدد تأكيده بأن الوزارة ليست بصدد تقييد حرية التعبير للصحف والمواقع الإلكترنية (بل تسعى من أجل تقنينها).

صحف مجهولة

ومن جانبه كشف رئيس جمعية الصحافة الإلكترونية عبد الباقي جبارة، في إفادة لـ(مدنية نيوز) أن الجمعية تضم أكثر من (30) صحيفة مسجلة لديها، وأشار إلى ضوابط التحاق الصحف الإلكترونية بالجمعية، والتي تشمل (عنوان معروف، مقر، هيئة تحرير، إدارة وشخص مسؤول عن كل ما ينشر في المنصة سواء سلباً أو إيجاباً).

ونبه جبارة، إلى أن هناك العديد من الصحف الإلكترونية لم تسجل في الجمعية، وقال: (بعض تلك الصحف معروفة، وأخرى مالكها والعاملون بها غير معلومين)، وذكر أن الصحف مجهولة المصدر لا تلتزم كثيراً بأخلاقيات المهنة، وحتى في حالة وقوع الخطأ لا تملك الشجاعة الكاملة للاعتذار، ورأى أن مكافحة ومعالجة الأخبار الكاذبة يجب أن تتم عبر الحكومة واتباع الشفافية وتمليك المعلومات للرأي العام، وأضاف: (هذا هو السلاح الأكثر فاعلية لمكافحة الأخبار الكاذبة والشائعات).

تصنيف

واعترف جبارة، بعمل صحفيين وإعلاميين ينتمون للنظام المخلوع في ترويج الشائعات والأخبار الكاذبة، وتابع: (عندما بدأنا في تأسيس الجمعية قمنا بتصنيف كل الصحف الإلكترونية واستطعنا أن نميز ما بين الصحف المهنية والأخرى التي تبث الشائعات، وصنفناها لأربعة أنواع: توجد صحف أسسها وعمل بها صحفيون محترفون بعد أن تدهورت الصحافة الورقية ووجدوا أنفسهم في بلا عمل، هذه صحف مهنية).

وأردف: (أما النوع الثاني فهي صحف تعود لشخصيات سياسية تستعين بصحفيين بغرض بث الرسائل السياسية، أما النوع الثالث فهي صحف تعتمد على التمويل الخارجي والمنظمات أو دول أجنبية)، ووصف تلك النوعية بالخطيرة وأنه يجب على الحكومة أن تتعامل معها بجدية أكثر.

وزاد: (أما النوع الأخير فهي صحف تتبع لرموز النظام المخلوع وهذه الصحف بحكم خلفية ملاكها فقد أثرت الخلافات السياسية على مهنيتها وأصبحت تصنع وتروج الأخبار الكاذبة والشائعات)، ودعا لضرورة إجازة قانون لتنظيم عمل الصحافة الإلكترونية ومكافحة المخاطر دون المساس بحرية التعبير وحرية النشر.

إجهاض الانتقال الديمقراطي

وأفاد ناشر ورئيس تحرير صحيفة (رحيق نيوز) الإلكترونية أمير الكعيك (مدنية نيوز) بأن الصحف الإلكترونية انتشرت بكثافة بعد سقوط النظام، وقطع بأن غالبيتها لا تعمل بمهنية عالية، وتتناقل أخبار وسائل التواصل الاجتماعي دون التحري من دقة الخبر، وأحياناً كثيرة تكون الأخبار غير صحيحة، بجانب وجود أخطاء في الصياغة (تحريراً ولغة).

وتابع: (عمد النظام المخلوع في السودان منذ سقوطه في 11 أبريل 2019م إلى الاتجاه لسلاح الإعلام، بغية إجهاض ثورة ديسمبر وقتلها في مهدها، وأحدث الإعلام المُضاد للثورة بعض التشويش وإشانة سمعة العديد من الرموز في قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين وتصويرهم بأنهم “باعوا الثوار”، وإن كان الأمر فيه بعض الحقائق).

ومضى للقول: (اتجهت فلول النظام المخلوع إلى إنشاء المواقع الإلكترونية باعتبارها من الوسائل الأسرع في نقل الأخبار والمعلومات).

وأشار أمير، إلى ما وصفه بالفوضى التي تعتري إنشاء الصحف الإلكترونية، ونبه إلى ضياع حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية بعد أن فرَّ ناشر صحيفة إلكترونية كان يعمل معه نتيجة لغياب الأساس القانوني الذي يضمن حقوق العاملين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *