أزمة الوقود.. سياسة التحرير تعجز عن (الوفرة) والضائقة تحاصر المواطنين

الخرطوم: محمد إبراهيم

قرابة الشهر منذ إعلان حكومة الفترة الانتقالية تحرير سعر الوقود وتوحيد سعره، أو رفع الدعم الكامل عنه، بحجة القضاء على الندرة وإبقاء الدعم على القطاع الانتاجي، إلا أن الندرة لا تزال مستمرة وكذلك صفوف الوقود خاصة الجازولين، وفي بعض المناطق بات لتر الجازولين يباع في بعض المناطق بأكثر من (3) أضعفاف السعر الحر.

أسئلة عدة تدور في أذهان المواطنين، وخاصة الذين اقتنعوا ببرنامج الحكومة الاقتصادي في وقت سابق، وتتصاعد التساؤلات (لماذا الصفوف في ظل إعلان الحكومة توحيد سعر الوقود؟، وما هي آثار اللجوء للسوق الأسود على حياة المواطنين الاقتصادية والخدمية؟).

خبراء اقتصاديون يدقون ناقوس الخطر ويتخوفون من ارتفاع كبير في أرقام التضخم وتجاوزه (300%) بدلاً عن (254%) في الشهر الماضي بسبب ندرة الوقود التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الملايين من السودانيين، مما يزيد من معدل البطالة واتساع دائرة الفقر والمشاكل الاجتماعية وتدني الإنتاج.

انخفاض قيمة الجنيه

وكشف موظف بشركة شهيرة لتوزيع الوقود – فضل حجب اسمه- في إفادة لـ(مدنية نيوز) أمس، عن فساد وتحايل تقوم به شركات تعمل في التوزيع، حيث تتلاعب بالوقود وتعمل على تهريبه للقطاع الصناعي باعتباره الأغلى سعراً مقارنة مع الوقود المخصص للجماهير (الحر)، وأرجع ذالك لغياب الرقابة الحكومية.

وذكر ذات الموظف أن سعر لتر البنزين في ولاية الخرطوم يبلغ (121) جنيهاً أما الجازولين (112) جنيهاً، ويختلف عن سعر بقية الولايات بحسب تكلفة النقل، وأرجع الندرة في الجازولين لعدم وجود عملة حرة في خزائن محفظة السلع الاستراتيجية التي تتولى استيراد الوقود.

وأضاف: (عوائد حاصل الذهب لم تغط تكلفة استيراد الوقود، مما يجعل الحكومة تلجأ للسوق الموازي لشراء الدولار، وهذا يفسر انخفاض قيمة الجنيه في الأيام الأخيرة، وفي ذات الاتجاه أعلن عن توقف الإنتاج المحلي من الجازولين بسبب توقف مصفاة الجيلي لغرض الصيانة.

رؤية الخبراء

واعتبر عضو اللجنة الاقتصادية لقوى إعلان الحرية والتغيير والمستشار الاقتصادي لتجمع المهنيين السودانيين د. محمد شيخون، أن أزمة الوقود تعود لضعف قدرات الاقتصاد الوطني وعدم مقدرته على توفير السلع الاستراتيجية، وانتقد سياسية الحكومة القاضية بتحرير سعر الوقود بحجة توفيره والقضاء على الندرة، واعتبر أن هذا غير صحيح وغير عملي في الوقت الراهن.

وأبان شيخون، أن الحكومة غير مسيطرة على كل الإنتاج الذي يمكن أن يدر عملة صعبة وتوفر السلع الاستراتيجية، وقال: (هنا تلجأ الحكومة للسوق الموازي لتوفير العملة الحرة مما يضعف قدرة الجنيه الشرائية)، وتابع أن المشكلة ستكون قائمة إلى أن تتوفر قدرات وعملات حرة قابلة للتمويل لشراء هذه السلع، ووصف رؤية الحكومة تجاه الأزمة بغير العلمية.

وأبان شيخون، أن الدولة لا تمتلك أية عملة صعبة بل تستحوذ عليها شركات القطاع الخاص، وإنها لا تصدر الذهب بل القطاع الخاص، وذكر أن المصدرين لا يعودون بحصائل الصادر، فتطارد الدولة السوق الموازي، وشدد على ضرورة معالجة مشكلة الاقتصاد السوداني من جذورها وسيطرة الدولة على جميع أشكال الاقتصاد ومعالجة الاختلالات الراهنة.

ومن جهته توقع الخبير الاقتصادي د. محمد الناير، في إفادة لـ(مدنية نيوز) أن تستفحل أزمة الندرة في ظل دخول مصفاة الجيلي الصيانة، واعتبر أن الحكومة لم تستخدم الحلول الجذرية على الرغم من رفع الدعم عن المحروقات، وتوفر الكثير من الأموال للحكومة.

ورأى الناير، أن دخول القطاع الخاص في استيراد الوقود له آثار سلبية على الاقتصاد المحلي، ووضع قيمة الجنيه في وضع متدنٍ عبر الطلب العالي على النقد الأجنبي للاستيراد، وأشار إلى أن المتضرر الأساسي هو المواطن مرتين أولاً حينما ينعكس ذلك على أسعار السلع الأساسية وثانياً عندما يدفع للوقود أعلى مما هو متاح حالياً.

واسترسل الناير بالقول: (كل الإجراءات التي عملت بها الحكومة لم تحل الأزمة، بل وفرت موارد للحكومة في موازنة 2021م)، ولفت إلى أن الحكومة تعمل على الحلول الجزئية، ودعا الحكومة لحل مشكلة النقد الأجنبي وتحقيق الاستقرار في سعر الصرف لخلق وفرة في كل السلع الأساسية وليس التعامل الوقتي، وتوقع استمرار الندرة في كل السلع الاستراتيجية.

وحاولت (مدنية نيوز) الاتصال بمسؤولين في وزارة الطاقة والتعدين للتوضيح إلا أن الاتصالات باءت بالفشل.

مهن تترنح

وحسب المتابعات فقد تأثرت كل قطاعات المجتمع بشكل أو بآخر بالسياسات الاقتصادية الجديدة، واستطلعت (مدنية نيوز) (3) أشخاص من مهن مختلفة يرتبط دخلهم وإنتاجهم بالجازولين كمحاولة لمعرفة أوضاعهم قبل وبعد سياسة تحرير الوقود، فالمزارع بمنطقة الريف الجنوبي بأمدرمان نور الدين علي، توقع أن تتعرض مزرعته للفشل بسبب عدم قدرته على الري، وشكا من غلاء الجازولين وندرته في الطلمبات، مما يجعلهم مضطرين على شرائه من السوق الموازي (السوق الأسود) حتى يتمكنوا من محاولة إنقاذ الخضروات التي لا تزال في مرحلة النمو.

وقال نورالدين: (قبل تحرير الوقود لم نحصل على حصتنا من الوقود المخصص للزراعة ولا نعرف أين يتوفر ولا نستطيع الحصول على الوقود التجاري فهو أفضل من السوق الموازي، ونذهب للسوق الأسود مكرهين بسبب الندرة)، وأردف: (المزارع قبل تحرير أسعار الوقود أبدى تفاؤله إلا أن الوضع لم يبارح مكانه بالنسبة له وتدهورت الأسعار بشكل كارثي، وحتى جركانة الجازولين في السوق الأسود ارتفع ثمنها مقارنة بما قبل التحرير.

وأضاف: (حالياً أصبح سعر جركانة الجازولين في السوق الأسود يتراوح ما بين 3500 – 4000 ، بدلاً عن 2000 جنيه في السوق الأسود قبل التحرير)، واتهم الحكومة بعدم الشفافية مع المزارعين وأن دفوعات وتوقعات وزارة المالية والطاقة قبل التحرير لم تكن صادقة، وأبدى تخوفه من أسعار نقل منتجاته بعد أقل من شهر إلى أسواق أمدرمان.

تدهور العمل

محمد عبدالباقي، الذي يمتلك مكتباً في السوق الشعبي أمدرمان وهو متخصص في نقل البضائع إلى مدينة (أبو جبيهة) بولاية جنوب كردفان كشف في إفادته لـ(مدنية نيوز) عن تدهور مريع يشهده عمل المكتب بعد أزمة الوقود التي لا تزال مستمرة وأدت إلى مضاعفة تكلفة النقل من الخرطوم إلى مدينة (أبو جبيهة) خلال أقل من شهرين إلى أكثر من (200%).

وزاد: (أصحاب الشاحنات أصبحوا يلجأون للسوق الأسود، ويضعون هذه التكلفة على التجار الذين يرغبون في ترحيل بضائعهم، وبسبب هذا الارتفاع تدنى دخل المكتب نتيجة لقلة البضائع، فضلاً عن تدهور القيمة الشرائية لدى التجار).

وعزا صاحب المكتب ذلك الأمر لندرة الوقود، واعتبر أن الوقود الحر إذا كان متوفراً سوف تهبط تكلفة نقل البضائع بنسبة (100%)، وتساعد على رفع الإنتاج في الأقاليم، خاصة وأن للمكتب فرع مختص بترحيل مدخلات الإنتاج الزراعي التي ترتفع تكلفة ترحيلها إلى الولايات في الوقت الحالي.

وفي السياق فإن أزمة المواصلات تعد امتداداً لأزمة الوقود وإحدى العوامل الرئيسية المتحكمة في هذا القطاع، فبعد تحرير الوقود حددت شركة المواصلات العامة بولاية الخرطوم سعراً مرتفعاً للتعرفة بحجة تحرير الوقود، وزادت قيمة التذكرة للراكب من (20) إلى (50) جنيهاً بالنسبة للخطوط الطويلة (الخرطوم – الكلاكلة اللفة) على سبيل المثال، وهذه التعرفة تشمل البصات الكبيرة، أما المركبات الخاصة فهي تضع تعرفتها بشكل فوضوي وغير موحد.

وذكر خالد متوكل، وهو يعمل سائقاً لمركبة نصف نقل (هايس) أنه ليس المالك وإنما يقوم بالتوريد يومياً لصاحب المركبة، وأرجع أزمة المواصلات المستفحلة إلى ندرة الجازولين، فضلاً عن ارتفاع أسعار قطع الغيار، ونبه إلى صعوبة الحصول على الوقود المخصص للمواصلات، وأنه بعد تحرير سعر الوقود لم تبارح ندرة الجازولين مكانها بل ضاعفت الأسعار في (السوق الأسود).

وتابع متوكل: (كل صاحب دخل يمكن أن يدبر أمره بعد حساب مدخلات الإنتاج، أما المتضرر الأكبر فهو المواطن البسيط وصاحب الدخل المحدود).

أما المواطنين فقد رصدت (مدنية نيوز) تذمرهم جراء ارتفاع تعرفة النقل لأن قيمة النقل للمركبات الصغيرة في خطوط مثل (الكلاكلة اللفة- الخرطوم) ارتفعت إلى (100) جنيه و(150) جنيهاً في بعض الأوقات مما زاد الأعباء على المواطنين بخلاف تكاليف الحياة الأخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *