زيادات أسعار السلع والخدمات.. الحكومة الانتقالية في محك اختبار الثقة

الخرطوم: هانم آدم

سرحت (س) بعيداً ومن ثم التفتت بسرعة لترد على محدثها قائلة:(من أين لي بكل هذا المبلغ لادفعه لإيجار المنزل والظروف المعيشية صارت ضاغطة ومرتبي لا يتحمل كل هذا ولديّ أطفال أيتام أعيلهم بجانب حوجتي الشهرية لدواء الغدة؟)، همهم مالك المنزل الذي تستاجره (س) بكلمات لم تستوعب منها شيئاً سوى أنه أيضاً مضغوط في ظل الوضع الاقتصادي الراهن ولا يستطيع أن يخفض من الزيادة الجديدة التي وضعها على قيمة الإيجار.

حال (س) هو انعكاس لحال آلاف السودانيين الذين استبشروا خيراً بحلول لقضاياهم في العام الجديد، وتوقعوا أن يحمل في طياته الكثير من البشريات، أهمها أن تحمل موازنة عام 2021م حلولاً عاجلة لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، والاهتمام بمعاش المواطنين بعد إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بفضل جهود الحكومة الانتقالية التي عوّل عليها الشعب في أن تنتشله من براثن الفقر الذي تجاوزت معدلاته (65%).

غير أن أماني أولئك المواطنين ذهبت أدراج الرياح وتبدلت لسخط وحنق على الحكومة، وذلك عقب إعلانها تطبيق زيادات كبيرة في أسعار كثير من السلع والخدمات التي تقدم للمواطن، خاصة أسعار الكهرباء للقطاعات السكنية والصناعية والزراعية، حيث بلغت الزيادات أكثر من (500%) للقطاع السكني، وارتفع سعر الكيلو واط من (80) قرشاً إلى (6.35) جنيهات، بينما بلغ سعر الكيلو واط للقطاعات الصناعية والتجارية والقطاع الخاص (10) جنيهات، كما شملت الزيادات الوقود والأوراق الثبوتية. وشملت الرسوم الجديدة للمعاملات الحكومية في العام 2021م زيادة في رسوم استخراج الرقم الوطني من (180) جنيهاً إلى (500) جنيه، والبطاقة الشخصية من (180) جنيهاً إلى (500) جنيه، أما جواز السفر فقد زادت رسومه من (700) جنيه إلى (3) آلاف جنيه، وارتفعت رسوم رخصة القيادة من (900) جنيه إلى (7) آلاف جنيه، فيما زادت رسوم ترخيص السيارات من (4) آلاف إلى (16) ألف جنيه.

ومن المهم الإشارة إلى أن تلك الزيادات تمت قبل إجازة موازنة العام 2021م وبغير قانون تستند عليه، في وقت وصف مراقبون للشأن الاقتصادي تلك الخطوة بالكارثية.

وشدد مواطنون في إفادات لـ (مدينة نيوز) أمس، على أن تلك الزيادات تضيف أعباءً جديدة على عامة المواطنين، خاصة في ظل الظروف التي يمر بها الاقتصاد، وتوقعوا أن تلقي بظلال سالبة على الوضع الأمني والاجتماعي بالبلاد، لأنها تؤثر على كافة مناحي الحياة.

وتخوف أولئك المواطنين من حدوث زيادات جديدة قد لا يتحملها المواطن، وطالبوا الحكومة الانتقالية بضرورة وضع حلول عاجلة لما أسموه بالمأزق الاقتصادي، وحذر البعض من لجوء الحكومة الحالية لاتباع سياسة النظام المخلوع في حل المشكلة الاقتصادية بما يسمي بـ (إطفاء الحرائق) من خلال لجوئها لبيع الأراضي أو أساليب أخرى أضرت كثيراً بالسودان.

وأشار الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي، إلى معاناة الاقتصاد السوداني حالياً من ارتفاع التكاليف الباهظة في الحياة لاستمرار تراجع مساهمة إنتاج القطاعات الحقيقية (الزراعة والصناعة) في إجمالي الناتج المحلي والتوسع في الإنفاق الحكومي الجاري.

وشدد هيثم، على أهمية رفع معدلات نمو تلك القطاعات الحيوية إلى مستويات أعلى بكثير من المتوقعة لزيادة إنتاجها الحقيقي من أجل مواجهة الطلب الداخلي المتنامي ورفع حجم الصادرات.

وقال هيثم: مع استمرار تراجع سعر صرف العملة السودانية، وتمويل الحكومة من موارد غير حقيقية واحتمال تنفيذ إجراءات جديدة لخفض الدعم، مثل زيادة أسعار المحروقات والكهرباء وزيادة الرسوم على الخدمات الحكومية، مما يعني أن العام عام تضخم لم يشهد له السودان مثيلاً.

وأضاف: إذا نظرنا إلى وتيرة نمو عرض النقود (الكتلة النقدية) من الواضح أنها أسرع من وتيرة نمو الإقتصاد الكلي، ما يعني أن تقديرات الموازنة تتوقع ضمنياً معدل تضخم أعلى، ولفت إلى ان السودان يعيش في حالة فراغ دستوري لعدم وجود مجلس تشريعي، وتابع: (لذا فإن الاعتماد والموافقة على التشريعات المصاحبة للموازنة تعتمد من مجلس الوزراء الجهة التنفيذية فقط دون الحاجة لسلطة تشريعية لعدم وجودها أصلاً في الدولة السودانية).

وأردف: (حالياً الكل يترقب بجدية إقرار الميزانية السنوية للسودان لأنها تعتبر أهم وثيقة تصدرها أية حكومة، والكل يأمل في أن يتم هذا العام توفير معلومات أكثر تفصيلاً عما جرت العادة على نشره، خاصة فيما يتعلق بأرقام الميزانية الفعلية للعام الحالي).

وتمسك هيثم، بضرورة أن يسهب بيان الميزانية في ذكر خطط الإنفاق للعام القادم، وزاد: (عادة لا تتوفر معلومات عن الإنفاق الفعلي في الأعوام السابقة والعام المنصرم).

وأوضح الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي، أن الميزانية التقديرية للعام المقبل هي وثيقة سياسية تعبر عن توجهات الحكومة المستقبلية، أو هي كما يقال قائمة تمنيات، لكن ما يعوّل عليه اقتصادياً هو الأرقام الفعلية بعد انقضاء العام)، ونبه إلى أهمية التفصيل ليتضح حجم الإنفاق الفعلي في كل مرفق وقطاع ونشاط حكومي، لأن لكل قطاع ونشاط خصائصه الاقتصادية وتأثيره على الأداء الاقتصادي الكلي.

ولفت إلى أهمية أن تسن وزارة المالية هذا العام سنة جديدة وتنشر الأرقام التفصيلية للإيرادات الفعلية والإنفاق الفعلي خلال العام الحالي والعام الماضي ولا تكتفي بالأرقام الإجمالية والتقديرية.

وحسب المتابعات فقد حذر كثير من المراقبين من تتبع الحكومة الحالية ذات السياسة الاقتصادية التي اتبعها النظام المخلوع وألقت بالأعباء على كاهل المواطنين مما جعل الضائقة الاقتصادية من العوامل التي أدت إلى الخروج على النظام ومن ثم إسقاطه.

وتمتد التحذيرات من اتباع حكومة الفترة الانتقالية سياسة التحرير الاقتصادي التي تتضمن رفع الدعم عن السلع وخاصة المحروقات وبالتالي التأثير السالب على حياة المواطنين، مما يؤثر على نظرة المواطنين تجاه الحكومة الحالية التي جاءت نتيجة لتضحياتهم في مواجهة النظام المخلوع وأحلامهم في دولة مدنية يكون الحكم فيها لصالح تسهيل حياتهم لا تضييقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *