غرب دارفور.. من نفخ رماد حريقها؟

الخرطوم: هانم آدم

عاشت مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور أمس (السبت) يوماً دامياً، وشهدت إطلاق نار كثيف عبر أسلحة ثقيلة، وأحداث رعب وهلع ونزوح، وتلبدت سماؤها بدخان الحرائق، وذلك إثر أحداث العنف التي عاشها مواطنو معسكر كريندق بالمدينة، نتيجة هجوم مسلح استهدف المعسكر من الثامنة والنصف صباحاً واستمر لما بعد الثانية ظهراً، وتسببت أحداث العنف في حرائق داخل المعسكر وحالات وفيات وجرحى.

وحسب ما تم تداوله فإن السبب في تلك الأحداث يرجع لمشاجرة بين شابين أمس الأول (الجمعة) بالبورصة، لتنتهي بإصابة أحدهما بطعنة من الآخر ويتم على إثر ذلك نقل المصاب إلى المستشفى، لتفيض روحه صباح (السبت) إلى بارئها، فيما تم القبض على الجاني من قبل السلطات المختصة.

تطور الأحداث

وتطورت الأحداث عقب استلام جثمان المجني عليه، إلى أحداث عنف وهجوم مسلح على المعسكر.

ماحدث أمس بمعسكر كريندق، أعاد إلى أذهان الكثيرين بالمعسكر ومواطني مدينة الجنينة طبقاً لإفاداتهم لـ (مدنية نيوز)، أحداث الحرق التي شهدها المعسكر في العام2019م، واعتبروا ما حدث يماثل سيناريو الأحداث السابقة التي لم يحاكم مرتكبوها أو تعلن نتائج التحقيق فيها.

حظر التجوال

وعقب اندلاع الأحداث أصدر والي الولاية محمد عبدالله الدومة، قراراً أعلن من خلاله حظر التجوال الشامل في جميع أنحاء الولاية لحين اشعار آخر، مع الإغلاق التام للأسواق، ومنع كافة أشكال تجمعات المواطنين.

كما أصدر الوالي قراراً آخر قضى بموجبه تفويض القوات النظامية بمختلف وحداتها باستعمال القوة أثناء قيامها بواجباتها لحسم المتفلتين بكافة مناطق ولاية غرب دارفور، ومحاربة كافة أشكال الظواهر السالبة لفرض الأمن وبسط هيبة الدولة.

فرار الأهالي

(أميرة) التي فرت هاربة من داخل المعسكر وبصحبتها أحد أبنائها بدأ صوتها متقطعاً ويحمل نبرة الخوف والحزن معاً، وهي تقول لـ (مدنية نيوز) إنها فرت وبصحبتها أحد أبنائها، ولم تلتق بأبنائها الخمسة الآخرين، وأضافت أن كل فرد فر وهو يقول (نفسي)، وتابعت أن أعداد الجرحى والقتلى غير معروفة، وأنهم ما يزالون يهيمون على وجوههم بالشوارع ولا يعرفون ما حدث بالمعسكر، غير أنها عادت لتؤكد رؤيتها لأثر حريق ودخان المعسكر من على البعد.

وبدورها أعلنت رابطة الأطباء الاشتراكيين (راش) في بيان أمس، عن مقتل (47) وإصابة (97)، مع إشارتها إلى أن تلك الأرقام غير كاملة لصعوبة الوصول لمكان الصراع، ونبهت لمعاناة مستشفى الجنينة من نقص حاد في الموادر الصحية وقلة المعينات والأدوية المنقذة للحياة، وشددت على أهمية توفير معينات العمل من (دربات) وغيرها بصورة عاجلة.

وطالبت رابطة الأطباء الاشتراكيين بالتحقيق العاجل في تلك الأحداث وتقديم المتسببين فيها للعدالة.

عمل مدبر

ومن جانبه وصف مصدر – فضل حجب اسمه – في إفادة لـ (مدنية نيوز) أحداث يوم أمس السبت بأنها صورة مطابقة للأحداث التي شهدها المعسكر عام2019م، وأن نفس (السيناريو) قد تكرر وذات مشهد النزوح لداخل المدينة، وأشار إلى أن النازحين عادوا مرة أخرى لمواقع الإيواء السابقة، حتى التي كانت قد أخليت من قبل.

وربط المصدر ما حدث أمس، بـ(فيديو) كان منتشراً في الأيام الماضية لأحد المجرمين المعروفين وهو يهدد، وكان قد ظهر وهو يحمل متفجرات وبندقية بيديه، واستبعد أن يكون الهجوم رد فعل لمقتل شاب، واعتبر ما حدث عملاً مدبراً، وينبئ عن وجود تخطيط مسبق، ولفت إلى أن الأحداث (العارضة) لا يستمر مداها طويلاً، ولم يستبعد المصدر ربط الأحداث بتفاصيل تشكيل الحكومة واتفاقية السلام التي وقعت.

تقاعس أمني

وفي السياق اتهم مراقب للأوضاع القوات النظامية بعدم القيام بدورها كاملاً، وأشار لوجود أمر غير واضح، وتساءل عما إذا كانت تلك القوات ليس لديها كامل الصلاحيات.

ومن جهتها وجهت تنسيقية الكوادر الطبية والصحية بولاية غرب دارفور نداءً عاجلاً لحكومة الولاية، وطالبتها بإجلاء المصابين وإسعافهم وتعزيز قوة الحماية حول مستشفى الجنينة التعليمي.

نداء للكوادر الطبية

ودعت التنسيقية الكوادر الطبية والصحية خصوصاً الأطباء وكوادر التمريض والتخدير ومحضري العمليات وعمال النظافة بالتوجه بأعجل ما يكون نحو مستشفى الجنينة ومؤازرة الكوادر الموجودة لإسعاف المصابين وإنقاذ الأرواح.

وطالبت التنسيقية وزارة الصحة ولجنة الأمن، بتيسير الوصول الآمن للكوادر الطبية والصحية إلى مستشفى الجنينة عبر توفير الترحيل لصعوبة التحرك في ظل حظر التجوال المفروض.

انتشار السلاح

الأحداث التي عاشها المواطنون أمس، كانت متوقعة من قبل كثير من المراقبين للأوضاع في ظل ولاية تعاني نزاعات قبلية وانتشار للسلاح والمخدرات، وقد شكا واليها في وقت سابق من انتشار الأسلحة بصورة كبيرة، وقال أن السلاح الموجود في الولاية يسلح جيش كامل، ونبه إلى أن جمع السلاح في عهد النظام المخلوع كان يتم بطرق احتفالية، واعتبر الوالي السلاح أكبر المشاكل التي تعاني منها الولاية.

استغلال الحادثة

ومن ناحيتها قالت هيئة محامي دارفور إن المليشيات المسلحة المتربصة استغلت الحادث الذي وصفته بالجنائي العادي وهاجمت مدينة الجنينة من جميع الاتجاهات مسنودة بمجموعات أتت من مناطق متفرقة من الولاية (سرف عمرة)، ومن ولاية وسط دارفور المجاورة وحدود دولة تشاد المتاخمة)، وأن تلك المليشيات نشرت الذعر في المدينة وما حولها وحاصرت معسكر ومنطقة كرنديق وما حولها، ومارست كافة أنواع وأصناف انتهاكات حقوق الإنسان، ولا تزال تمارس أعمال النهب والسلب وتحاصر المعسكر، وذلك طبقاً لبيان أصدرته الهيئة أمس.

ولفتت الهيئة إلى أن القوات النظامية بما فيها قوات الدعم السريع باشرت التدابير الممكنة لإعادة الأمور إلى نصابها، وأبدت أسفها لعدم استجابة قائد المنطقة العسكرية لتوجيهات والي الولاية، وأبانت أن غياب قائد المنطقة أثر سلباً في تمدد رقعة الانفلات، مما اضطر الوالي لإعلان حظر التجول الشامل.

وشددت الهيئة على أن كل الدلائل تشير إلى أن المليشيات المسلحة ظلت تترقب الظروف المواتية التي واتتها من خلال جريمة قتل جنائية عادية لتنفذ مخططاتها المستترة بالهجوم على الجنينة وما حولها.

تراخي الدولة ودعوة للمنظمات

واعتبرت الهيئة ما جرى ويجري ناتج عن تراخي الدولة على مستوى المركز في وضع خطة استراتيجية حقيقية لنزع السلاح من كافة المليشيات المسلحة، وشددت على ضرورة التحقيق في مساءلة قائد المنطقة العسكرية بواسطة رؤسائه وفقاً لقانون القوات المسلحة.

وقال بيان الهيئة: ما لم تشرع الدولة في نزع السلاح من كافة المليشيات المسلحة وبسط هيبتها، وردع عناصر المليشيات المسلحة بالأحكام الرادعة، فإن الفوضى ستعم دارفور، ونوهت في الوقت ذاته إلى تمددت ظاهرة انتشار السلاح بين المليشيات المسلحة والقبائل.

وأعلنت الهيئة تضامنها مع مواطني ولاية غرب دارفور، وناشدت المنظمات لتقديم كافة أنواع الدعم والمساندة للمتأثرين بالانتهاكات، (خاصة الأسر الفارة من جحيم عمليات المليشيات المسلحة العدوانية بمعسكر كرنديق وما حوله).

وحذر مراقبون من أن تؤثر تلك الأحداث على العملية السلمية وإعادة الحرب بصورة أوسع، وشددوا على ضرورة تدخل الدولة وفرض هيبتها وحسم انتشار السلاح ونزعه من المواطنين وحصره على الأجهزة النظامية وفقاً لضوابط مشددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *