الخبير المصرفي عمر عمرابي لـ(مدنية نيوز): يستحيل إصلاح الاقتصاد دون التحوُّل الرقمي والدفع الإلكتروني (2-2)

حوار: حسين سعد – عازة أبو عوف

تواصل (مدنية نيوز) حوارها مع الخبير المصرفي عمر حسن عمرابي، الذي كان قد اتهم في الجزء الأول من الحوار حكومة الثورة بعدم الجدية في إصلاح النظام المصرفي، ووصف التغيير الذي حدث بالبنك المركزي والبنوك الحكومية بعد الثورة بالمحدود، وشدد على إصلاح كل المنظومة المصرفية بما يضمن حوكمة المصارف ومعالجة الفساد وزيادة الكفاءة وجودة الخدمات وتطبيق السياسات النقدية بصرامة.

وفي الجزء الثاني تناول الحوار مع الخبير المصرفي عمرابي، كثيراً من القضايا المتعلقة بالنظام المصرفي والسياسة الاقتصادية ومنها تحويلات المغتربين والدفع الإلكتروني، فإلى مجريات الحوار:

في رأيكم، كيف تتم الاستفادة من تحويلات وأموال المغتربين؟

قبل إجابتي على هذا السؤال يجب أن أشير إلى أسباب ارتفاع أسعار السلع، وما تم في السابق هو زيادة السعر الرسمي للدولار، مما دفع التجار لفرض زيادات كبيرة على أسعار السلع، وهذا أحد أخطاء السياسات السابقة، إذ كان من المفترض توفير الدولار عبر سياسات نقدية صحيحة تتناسب مع واقعنا، وأهم مصادر توفير العملات الأجنبية التي يمكن الاستفادة منها هي تحويلات المغتربين الضخمة التي تحول عبر السوق الموازي بدلاً عن القنوات الرسمية نتيجة للفرق الشاسع في سعر الصرف.

لذلك على القطاع المصرفي العمل بجدية من أجل أن تتم هذه التحويلات عبر القنوات الرسمية، أي القطاع المصرفي، ولا يوجد حل لذلك إلا بإعطاء سعر تحويل يساوي أسعار السوق الموازي، وإذا تم ذلك وتحول المغتربون للتحويل عبر القنوات الرسمية سوف يخفض ذلك سعر الصرف للعملات الأجنبية بصورة كبيرة لزيادة المعروض من العملات الأجنبية في القطاع المصرفي. وتشير بعض التقديرات إلى أن حجم تحويلات المغتربين السنوية يبلغ (5,4) مليارات دولار. ولكن في ظل عدم وجود سياسات داعمة ومحفزة لتحويلات المغتربين لم تتم الاستفادة منها، والغريب في الأمر أن الحكومة تشتري الذهب بسعر السوق الموازي، بينما ترفض إعطاء نفس السعر للمغتربين.
ولا بد من الإشارة إلى أن التحكم في سعر الصرف إضافة إلى تحويلات المغتربين يمكن أن يتم من خلال زيادة الصادر وهذا يحتاج وقتاً، بجانب المساعدات والاستثمارات الخارجية وجلب الاستثمارات الأجنبية وضبط النقود ومكافحة التهريب (الذهب، السمسم، والوقود) عبر تنسيق مع الجهات الأمنية، إلا أن تحويلات المغتربين هي الأسرع.
وهناك جزء آخر يتعلق بالتضخم وسعر الصرف، إذ نجد أن سياسات النظام السابق سمحت لشركات الاتصالات بإنتاج الرصيد غير المغطَّى بأموال، لكنه تحول إلى أموال يُشترَى بها السمسم والذهب والعقارات، ويستخدم في تحويل الأموال، ومثال لذلك هناك جهات تشتري السمسم بأكثر من سعره العالمي عن طريق الرصيد الذي لا توجد له تغطية مالية بالبنوك. وخلاصة القول إن البنك المركزي لا يمكنه تنفيذ سياساته النقدية خاصة  السيطرة على التضخم أو سعر الصرف، حتى لو أوقف طباعة النقود، لأن هناك جهات أخرى تطبع النقود من خلال كروت الرصيد، وبالفعل حدثت محاولات كبيرة لتنظيم هذه الممارسات، وكان آخر هذه المحاولات قرار وزير المالية السابق إبراهيم البدوي، لكن لم يتم تنفيذ هذه القرارات حتى الوقت الحالي.

كيف تتم الاستفادة من خدمة الدفع الإلكتروني في عملية إصلاح النظام المصرفي؟

 رغم حدوث تطور تقني كبير بالسودان في مجال العمل المصرفي، إلا أننا فشلنا في أن يستخدمها المواطن أو إحداث الشمول المالي. ومن غير تردد أقول إن التطورات التقنية في القطاع المصرفي التي حدثت في السودان تضاهي التي حدثت في دول الجوار مثل مصر والإمارات والبحرين، لكن للاستفادة منها ينبغي إحداث إصلاح داخلي في القطاع المصرفي، ولا بد من وجود استراتيجية تضمن مصلحة كل الأطراف لتحقيق الشمول المالي حتى نصبح قادرين على الاستفادة من التقنية، ومن المستحيل أن يحدث إصلاح اقتصادي ما لم يحدث تحول رقمي ودفع إلكتروني حيث يقوم الدفع الإلكتروني بتوفير المعلومات الاقتصادية ويدخل السيولة للنظام المصرفي، ولا أبالغ إذا قلت إن الدفع الإلكتروني هو العصا السحرية التي سوف تساعد على حل كثير من المشاكل، لكن لسوء الحظ حكومة الثورة لم تولِ التحول الرقمي الاهتمام الكافي ولا تضع الدفع الإلكتروني في قائمة أولوياتها سوى كان ذلك نتيجة لعدم المعرفة أو عدم تحديد الأولويات بصورة صحيحة.

جانب آخر يتعلق بقرارات الحكومة الأخيرة وهو زيادة تعرفة بعض المعاملات المصرفية مثل مقاصة الشيكات والسحب من الصرافات الآلية،  إضافة إلى أن بعض البنوك زادت أسعار خدماتها ولا شك أن التكلفة الحقيقية لتقديم خدمات الدفع الإلكتروني ارتفعت بشكل كبير، لكن لماذا يدفع المواطن الثمن بينما المستفيد الأكبر هو الحكومة والمصارف؟ هذا يدل على أن بعض الجهات في حكومة الثورة ما تزال مستمرة في نفس سياسات النظام المخلوع وتحميل المواطن مسؤولياتها.

ما هي الجهة المسؤولة عن تنفيذ الدفع الإلكتروني والتحول الرقمي؟

التحول الرقمي هو مسؤولية الحكومة، ويجب أن تكون هناك استراتيجيات واضحة للبنك المركزي والمركز القومي للمعلومات وجهاز تنظيم الاتصالات والبريد تحت إشراف مجلس الوزراء.

كيف تتم معالجة تحديات التحول الرقمي في القطاع المصرفي؟

لا شك أن التركة ثقيلة وتحتاج لمعالجات حقيقية عبر حلول استراتيجية متكاملة بدلاً من الحلول الجزئية، ولن تجدي سياسة إطفاء الحرائق التي ظللنا نمارسها لوقت طويل. أيضاً لا بد من وجود آليات واضحة لقياس الأداء وآليات للتقييم والمحاسبة وتحديد للأهداف، ولضمان حدوث معالجات يجب أن يحدث إصلاح مؤسسي في كل القطاع المصرفي.

كيف نستفيد من رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟

لا شك أن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل فرصة كبيرة للقطاع المصرفي والاقتصاد ككل يجب استغلالها، لكن هناك عدة عوامل يجب توفرها لتحقيق الفائدة القصوى، تتمثل في التسويق لإمكانيات السودان خارجياً والتحفيز للشركات الأجنبية وتعديل قوانين الاستثمار وإصلاح النظام المصرفي وإعمال الشفافية والعدالة وإصلاح القوانين ومراجعة شروط العمل والعاملين.

ما هو رأيكم في النظام المصرفي المزدوج؟

النظام المزدوج وهو العمل بالنظامين الإسلامي والتقليدي في نفسر الوقت، يعمل النظام المصرفي في الوقت الراهن بصيغ التمويل الإسلامية ولكن هناك اتجاه لتطبيق النظام التقليدي جنباً إلى جنب مع النظام الإسلامي ويعتمد النظام التقليدي على سعر الفائدة.
والسودان هو الدولة الوحيدة في العالم التي لا تعمل بالنظام التقليدي حتى الآن، وسوف يوفر النظام التقليدي آليات جديدة لتطبيق سياساته النقدية كما سيوفر للمصارف صيغ تمويل جديدة، وأيضا يفتح الباب للمصارف الأجنبية التي تعمل بنظام الفائدة فقط للعمل بالسودان.

  ولا بد من الإشارة إلى ضرورة مراجعة تطبيق المصارف لكل صيغ التمويل الإسلامية، وهناك حاجة حقيقية لضبط تطبيق الصيغ المعمول بها وليس هناك خلاف أن الصيغ الإسلامية المعمول بها تحتاج لمراجعة.

كيف تتم الاستفادة من البنوك المتخصصة؟

لدينا تقريباً (6) بنوك متخصصة، لكن بعضها لجأ للعمل التجاري خارج تخصصها. ومن المهم جداً أن تهتم الدولة بالبنوك المتخصصة لقيادة التنمية الزراعية والصناعية والعقارية وتنمية الثروة الحيوانية والصادرات والتعاونيات… إلخ. ويمكن استخدام هذه البنوك كقنوات تدعم من خلالها الدولة التنمية الاقتصادية والإنتاج.

كيف يتم إقناع المواطن بالتعامل مع النظام المصرفي؟

أولاً تجب الإشارة إلى أن كل الدول النامية حلت كثيراً من مشكلاتها بالدفع الإلكتروني والتحول الرقمي، وأعتقد أن أكبر مشكلة تواجه حكومة الثورة هي عدم وجود كفاءات فاعلة في قيادة التحول الرقمي في القطاع المصرفي. حكومة الثورة والحاضنة السياسية كان يجب أن يجتهدا ويضعا خطة للتحول الرقمي في السودان بعيداً عن المحاصصات وأصحاب الأجندة. ومن الضروري وضع خطط متكاملة مفصلة ومحددة بجدول زمني، على أن تكون مربوطة بنتائج محددة يسهل قياسها.

أيضاً لا بد من حدوث إصلاح لمؤسسات الدولة على كل المستويات، إضافة إلى توفير الكفاءات بدلاً من المحاصصات لأن من أتوا بالمحاصصة وليس الكفاءة فقط لا تمكن محاسبتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *