دارفور ودائرة القتل الخبيثة

بقلم : لمياء الجيلي

وتلك الخطوة ابتعدت عن الصحو
المكمِّل للحقيقة
أغلقت بالخبث أبواب
الوضوح
زيفت صوت المغنى
عهرت لغة النشيد
ضيعت حلم الصبايا
في طوابير الرغيف
غيبت حلم الطفولة
أنهكت حزن الشيوخ
همشت منك.. القضايا
في احتمالك للتواصل
والمرابون استباحوا هذه الأرض الحلوب
(من أشعار وأغنيات الراحل المقيم مصطفى سيد أحمد)
نزيف الدم المستمر في دارفور، والذي يشعله المتربصون بالمنطقة والمتضررون من استقرارها، من تجار الحرب والسلام وغيرهم يجب أن يتوقف وأن تغل يد المتربصين. فغالبية الأحداث تبدأ بحادثة أو نزاع بين أفراد من قبيلتين ثم يتحول الى قتال مميت تفقد كل منهما أرواحاً عزيزة وتتفاقم وتتأزم الأوضاع الإنسانية في المنطقة.

هنالك من يؤجج الصراع ويشعل أي خلاف ويصب الزيت على نار تلك الخلافات لتشتعل وتقضى علي الأخضر واليابس وتصيب السلام والاستقرار في مقتل.. فلابد من تدخل عاجل وسريع لوقف تكرار تلك الأحداث وان تقوم الدولة بواجبها في حماية المواطنين وأن تكون على أهبة الاستعداد لمنع استغلال أي أحداث أو صراع وتقديم الجناة ومن يحميهم في كل تلك الأحداث الى العدالة لينالوا العقاب الرادع الذي يخرج أهلنا في دارفور من دائرة القتل الخبيثة والنهب والسلب والرعب. وعلى حركات الكفاح المسلح التي وقعت اتفاق جوبا، ومن لم توقع بعد، العمل على رتق النسيج الاجتماعي وتضميد الجراح ونبذ العصبية والقبلية والعنصرية.

يناير من العام الماضي شهدت مدينة الجنينة أحدث مؤسفة أدت الى مقتل أكثر من خمسين شخص، وفي يناير من هذا العام تكررت الأحداث بمدينة الجنينة وأدت حتى الآن الى مقتل 83 شخص واصابة أكثر من 160 حسب إحصاءات لجنة الأطباء المركزية.. نترحم على أرواح الشهداء ونتمنى عاجل الشفاء للجرحى.

ما حدث في العام الماضي تكرر في كثير من التفاصيل.. كطريقة تعامل الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة مع الأحداث، والتدخل بعد أن يعيث الجناة في الأرض فساد وتسفك دماء وتنهب ممتلكات ويروع مواطنون أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم مواطنون في بلد تستباح أرضها وتنهب خيراتها وثرواتها في وضح النهار، دون مساءلة أو محاسبة.

بعد الهجوم وقتل وترويع المواطنين تصدر الحكومة خطابات الإدانة والشجب، متناسية أنها المسئول الأول من بسط الأمن وحماية الأرواح والممتلكات، وبعد الإدانة والاجتماعات المطولة تشرع في تكوين لجان لتقصى الحقائق والجناة يعرفهم القاصي والداني ولازالوا طلقاء يواصلون في جرائمهم، ويحصدون كل يوم مزيداً من أرواح الأبرياء.
الى الان لم يرى النور أي تقرير من تقارير تلك اللجان، إذا سلمت تقاريرها الى السلطات، وإذا لم تفعل فتلك الطامة الكبرى. فالعام الماضي تم تشكيل لجنة خاصة بتقصي الحقائق في أحداث الجنينة تترأسها النيابة العامة وممثلين من وزارة العدل، والقوات المسلحة، والدعم السريع، والشرطة، وجهاز المخابرات العامة. وتم تحديد مهام اللجنة آنذاك وتتمثل في التحقيق في الأحداث، وتحديد المسئولية، وتقديم الجناة للمساءلة القانونية. وقبل سقوط النظام البائد وفي ديسمبر 2019 شهدت مدينة الجنينة أحداث مشابهة وأيضاً تم تكوين لجنة لتقصى الحقائق، بأوامر من والى وولاية غرب دارفور آنذاك اللواء الركن عبد الخالق بدوي، برئاسة النيابة العامة، والإدارة القانونية في الولاية، وممثلين لكل من القوات المسلحة والشرطة وممثل الأمن وممثلي الإدارة الأهلية الأمير أسعد عبد الرحمن والأمير حافظ تاج الدين. ومهام تلك اللجنة التحقيق في الأحداث التي شهدتها الجنينة يومي 29 و30 ديسمبر 2019وتقصى الحقائق حول الأسباب، وتحديد الأشخاص المشاركين.

مع الاختلاف البسيط في أسماء من يمثلون الجهات المختلفة، او الاختلاف في أسماء بعض الجهات نجد المهام شبه متطابقة.. وقد نكون النتائج كذلك… فلم تتم محاكمات ومحاسبات لمن قتل ولمن خطط ورتب وأعطى الأوامر.. ولم يتوقف القتل والنهب والترويع.
نتمنى أن تختلف اللجنة المكونة للتحقيق في أحداث هذا العام، بواسطة مجلس الأمن والدفاع وأن تصل الى الجناة وتحددهم ويتم تقديمهم للعدالة والمحاسبة، وان تتمكن من تحديد الأسباب الجذرية للنزاع وأن تعلن نتائج ما توصل إليه من تحقيقات للشعب السوداني، وأن يقدم الجناة الى محاكمات عادلة وعلنية.

أحداث الجنينة هذا العام جاءت في ظروف مختلفة عما سبقها من أعوام، إذ يترأس ولاية غرب دارفور والى مدني وحقوقي له تاريخ ناصع في الدفاع عن حقوق الإنسان.. كما أنها حدثت في ظل اتفاقية سلام ووجود عدد من قادة حركات الكفاح المسلح في الداخل.. وفي انتظار وصول الفصائل الأخرى الى البلاد بعد توقيع اتفاقات مع الحكومة خلال الفترة القادمة. الطريقة التي تعامل بها الوالي الأستاذ محمد عبد الله الدومة اختلفت كثيراً عما سبقه فقد قدم انتقاد صريح للأجهزة الأمنية والقوات المسلحة وقال في تصريحات صحفية إن البطء في تدخل الأجهزة الأمنية والنظامية حتى الساعة العاشرة من صباح السبت، أدى الى تفاقم الأحداث، وإنه نتيجة لذلك طلب من رئيس الوزراء وقائد ثاني الدعم السريع، مد الولاية بقوات من الخرطوم. كما نتوقع أن يسرع قادة الحركات الكفاح المسلح والموقعة على اتفاقية سلام جوبا الى الجنينة وتفقد الجرحى وتعزية أسر الشهداء وتقصى الحقائق بأنفسهم لإيجاد الحلول ووقف نزيف الدم.. كما نتوقع منهم زيارة المعسكرات والاطلاع على أوضاع المواطنين بها وتسريع الجوانب المتعلقة بعودة النازحين واللاجئين واستقرارهم والعمل عليها بنفس الهمة التي يتابعون التشكيل الوزاري والمجلس التشريعي والمفوضيات وغيرها من المؤسسات والمناصب الدستورية والسيادية.

السلام ليس توقيع اتفاقيات ذات بنود براقة ورؤى جميلة وسامقة.. ولا هو احتفالات وكرنفالات ومقاعد وزارية وسيادية ودستورية.. السلام ما لم يوقف صوت الرصاص وينعكس علي حياة المواطنين أمن وأمان واستقرار وتنمية لا معنى له بل سيزيد من أمد معاناة أهلنا في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والتي وصلت الى مراحل صعبة وغير محتملة في ظل أوضاع أمنية هشة وقضايا إنسانية تحركها مزايدات ومطامع سياسية ضيقة.. لا تشعر بحجم المعاناة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *