الحكومة الانتقالية.. أزمات خانقة وإرادة للعبور (4)

بقلم: حسين سعد

 تناول ملف الشراكة بالمصفوفة مهام الفترة الانتقالية (تكوين المجلس التشريعي) وحدد تاريخ التاسع من الشهرالقادم موعداً لذلك (يعني بعد أسبوعين).

نلاحظ أن الاستعجال كان واضحاً لأنه لا يمكن تكوين المجلس التشريعي في التاريخ المحدد في الأوقات الطبييعة (ناهيك) عن جائحة (كورونا) التي عطلت كل شئ في العالم، وهذا نراه مستحيلاً، وبشأن المحادثات فقد استأنفت الوساطة المفاوضات عبر (الفيديو كونفرنس)، ومعلوم أن جلسات مفاوضات السلام تشهد تعقيدات عديدة وتتباعد فيها المواقف قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي مع كل مكونات رفاق النضال المسلح.

تقييم أداء:

أيضا نصت المصفوفة على تقييم أداء السلطة الانتقالية (الوزراء والسيادي والحرية والتغيير)، وحدد لذلك الأسبوع الثالث من أبريل، الملاحظ عملياً نحن في الأسبوع الأخير من أبريل، وبشأن أداء الجهاز التنفيذي نسمع كثيراً في الشارع العام وفي جلسات المدنية التي لا تعرف الأسرار الناس يتحدثون عن ضعف وزراء بعينهم، وأحياناً يستشهد البعض بتصريحات غريبة لبعض الوزراء، خاصة بتحديد تاريخ معين لحل مشكلة خاصة بمعاش الناس يستند عليها الشارع في تقييمه، كما أن هناك وزراء لم يسمع لهم صوتاً والبلاد في قمة أزماتها الزراعية والعطش يلاحق المساحات الزراعية وارتفاع الإنتاج ونقص الخيش وشح الجازولين وهم في (صمت غريب)، في وقت تشهد العلاقات الخارجية توترات هنا وهناك وتحالفات خبيثة تمتد أياديها الآثمة في تدخلات مضرة وتحالفات لا نجني منها سوى المزيد من (العزلة)، وسبق أن أدخل النظام البائد بلادنا في تحالفت مضرة ما زلنا نسدد فواتيرها.

 أما معاش الناس وموازنة 2020م، فقد تكفي نظرة لمعرفة تباين المواقف حولها، وعملياً نجحت اللجنة الاقتصادية بقوى الحرية والتغيير في وضع بدائل وطنية لتلافي الانهيار.

وفي ملف الشهدء يشتكي البعض من البطء والتأخير غير المبرر الأمر الذي شجع (الزواحف) لتسيير مواكب مناهضة لحكومة الثورة والحديث عن الشهداء بطريقة مستفزة، وكما قال نقيب المحامين علي قيلوب في حوار أجريته معه نشرته (مدنية نيوز): إن رموز النظام المدحور وضعوا العراقيل أمام الحكومة الانتقالية لإظهارها بالفشل ومنعها من وضع أية معالجات وحلول لإصلاح الخراب الممنهج طوال 30 عاماً، ولفت قيلوب، إلى أن النظام المخلوع كان ينتهج سياسة النفس الطويل والتعويل على عامل الزمن، وسياسة شراء الذمم وإنهاك الخصوم لتحقيق أهدافه ومراميه على المستوى المحلي مثل قضايا مناطق النزاع التي شهدت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان في كل من (دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق وشرق السودان)، وقضايا السدود بكل من (كجبار، أمري ودال).

 أخيراً نرى أن بعض الوزارات التي نجحت في عملها كان ينقصها الإعلام لإبراز قصص النجاح الكبيرة التي تحققت وسنخصص حلقة للإعلام ودوره في الانتقال الديمقراطي وحماية الثورة.

استكمال التفاوض:

ما ورد في المصفوفة من استكمال التفاوض مع الجبهة الثورية يجعلنا نطرح السؤال (كيف يتم ذلك، هل بالطريقة السابقة أم من خلال وضع رؤية استراتيجية؟).

ظل مركز الأيام للدراسات الثقافية والتنمية برئاسة عميد الصحفيين وصاحب القلم الذهبي الأستاذ محجوب محمد صالح، ينظم العديد من الورش حول السلام وتداعياته وفي ذات الوقت ظل المحلل السياسي والأستاذ الجامعي الدكتور جمعة كندة، يطالب بوضع رؤية استراتيجية لعملية السلام حتى (بح صوته ولا حياة لمن تنادي!!).

 نحن اليوم نضم صوتنا لمطالبت مركز الأيام والدكتور جمعة كندة، وكل الذين يريدون سلاماً شاملاً نتفادى من خلاله السلام الهش الذي تندلع الحرب بعد فترة قصيرة من توقيعه، ولدينا في تجاربنا دروس وعبر عديدة من اتفاقيات (أديس أبابا، نيفاشا، أبوجا، الدوحة) وغيرها.

 أما مسألة تطوير موقف تفاوضي لكسرالجمود مع الحركة الشعبية شمال التي يتزعمها القائد عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد نور (هذه خطوة جيدة نؤيدها وندعمها)، لكننا نشير إلى أن التفاوض مع الحركة الشعبية شمال كان قد توقف في قضيتين هما (علاقة الدين بالدولة واللا مركزية)، ونحن نرى أن مطلب الحركة الشعبية بخصوص علاقة الدين بالدولة مطلب حقيقي وله مبررات عديدة وتسنده وتدعمه وقائع ماثلة والشاهد هنا (تذكير بسيط لعل الذكرى تنفع المؤمنين) طرد الرئيس إبراهيم عبود في العام 1962م للجمعيات التبشيرية الأجنبية من جنوب السودان، كما دخل الدين كعامل في الصراع الداخلي للمرة الثانية من خلال تطبيق الرئيس جعفر نميري لقوانين الشريعة الإسلامية في العام 1983م، وبعد ثورة مارس أبريل كان أحد من مطالب الحركة الشعبية هو إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية قبل الجلوس على مائدة المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي الذي جاء إلى الحكم عقب الانتفاضة، كما تم تضمين ذلك النص في اتفاقية الميرغني قرنق 1988م، غير أن النظام المدحور أدخل الدين في السياسية حيث تم تجييش الطلاب وكتائب المجاهدين في حرب الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق، بجانب البطش والتنكيل بالقساوسة ورجال الدين المسيحي، فالنموذج الصارخ هو قول المدحور في العام 2011م (الحكم بالشريعة الإسلامية والثقافة العربية تاني دغمسة مافي).

الدَّولة الدينية:

وفي كتابه أزمة الإسلام السياسي وضرورة بناء الدولة العلمانية يقول الأستاذ عادل شالوكا: أوصلت الجبهة الإسلامية القومية البلاد طيلة الفترة التي حكَمت فيها إلى أقصى درجات التطرُّف والإرهاب الفكري وتكفير الآخرين، بل العُنف المادي مثل أحداث ودمدني والجرَّافة وغيرها من الأحداث التي قُتِل فيها المُصلين في المساجد، وحُرق معرض الكتاب المُقدَّس بجامعة الخرطوم (فبراير – 1999) فضلاً عن إيواء الأصوليين والمتشدِّدين والإرهابيين مثل أُسامة بن لادن وغيره، وقيام خلايا إرهابية الأمر الذي أبقَى السُّودان في قائمة الدُّول الراعية للإرهاب لسنوات طويلة مما أضَّر كثيراً بالإقتصاد الوطني نتيجة للحظر.

تقسيم المُجتمع:

ويقول الكاتب شالوكا إن بناء دولة إسلامية دينية لها دين رسمي واحد يتعارض مع الدِّيمقراطيَّة والمُساواة والحرية الدينيَّة، ويُعرِّض الأقليات الدِّينيَّة للخطر وربما الإضْطِهاد، والدُّول المؤسَّسة على الدِّين تُسبِّب ضعف المجتمع وعدم الاستقرار لأنها تعمل على ما يُفرِّق بين الناس، الأمر الذي يؤدِّي إلى الصراعات التي لا يمكن حلها بالتوافق، ومن ثم تفشِّي الحروب. والجمع بين الدِّين والسِّياسة يضعِف الدِّين نفسه إذ ينزِّله إلى حلبة الصراع السياسي ويُعرِّضه للتشويه ويُقلِّل من قدسيتهِ. والذين يدَّعون امتلاك الحقيقة المُطلقة، فإنهم إذا وصلوا إلى السُّلطة السياسية، ومنذ أن استولت الجبهة الإسلامية القومية على السُلطة في العام 1989 اتَّبعت الحكومة سياسات واضحة تستهدف المسيحيِّين في السُّودان، وأكثر ما يقف شاهداً على ذلك هو مُصادرة النادي الكاثوليكي في شارع المطار بالخرطوم وتحويلِه لـ(دار المؤتمر الوطني – المركز العام). وبعد إنفصال جنوب السُّودان 2011، زاد التضييق على المسيحيين في السُّودان، وتحوَّل ملف الكنائس إلى ملف أمني بحت تقلَّصت معه حقوق المسيحيين. ويُقدَّر عدد المسيحيين في السُّودان بعد إنفصال الجنوب بنحو (1,4) مليون نسمة، أي ما يُعادل (1.5 %) من عدد سكان السُّودان وفقاً لإحصائيات غير حكومية أصدرتها مراكز بحثية – وهي إحصائيات غير دقيقة.

الحرب الجِهَادِية:

منذ إنقلابها على السُّلطة شنَّت الجبهة الإسلامية القومية الحروب في كافة مناطق السُّودان خاصة في الجنوب، وذلك بعد إعلان الجهاد وإصدار قانون تم بموجبه إنشاء قوات الدفاع الشعبي بتاريخ 5 نوفمبر 1989، وبعدها فُتِحت معسكرات التجنيد والتدريب بالدفاع الشعبي، وتم تجييش وعسكرة المواطنين في مؤسَّسات الخدمة المدنية وحتى الطُلاب والزَّج بهم في أتون الحرب. ويُقدَّر ضحايا الحروب في جنوب السُّودان بحوالي (2 مليون) نسمة. وفي الحرب الثانية (2011 – 2019) في جبال النوبة والفونج ودارفور يُقدَّر عدد الضحايا بحوالي (400,000) نسمة بحسب المنظمات الإنسانية العاملة في مناطق النزاعات، وشهدت هذه الحروب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وصلت حد اتهَام رأس النظام المخلوع وعدد من رموزِه ومطالبتهم بالمثول لدَى محكمة الجِّنايات الدُّولية، وكانت قد صدرت فتوَى ضد (المُتمرِّدين) النوبة – حسب وصف الفتوَى –  بتاريخ 27 أبريل 1992 بمدينة الأُبيض بتوقيع ستة من شيوخ المُسلمين بعد مؤتمر عُقِد لهذا الغرض. ومنذ ذلك التَّاريخ شنَّت الحكومة عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد المواطنين في جبال النوبة، وأارتكبت انتهاكات جسيمة من تصفية وقتل خارج نطاق القانون، وحرق المساكن والمزارع والمحاصيل، فقد كانت حرب إبادة مُكتمِلة الأركان. تم كل ذلك باسم الدِّين والجِّهَاد. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *