الحكومة الانتقالية.. أزمات خانقة وإرادة للعبور (9)

بقلم: حسين سعد

وضعت الحكومة الانتقالية مصفوفة مهام الفترة الانتقالية التي تشمل أربع قضايا رئيسية من بينها السلام الذي يشمل خمسة محاور، الأول خاص بإكمال التفاوض مع الجبهة الثورية السودانية وفق منهج يعالج القضايا في إطارها القومي على أن يجاز الاتفاق النهائي عبر سلطة تشريعية، وحددت مصفوفة مهام الفترة الانتقالية الجهة المنفذة هما المجلس الأعلى للسلام والمجلس التشريعي وحدد توقيت التنفيذ التاسع من مايو 2020م.

ودعا المحور الثاني بالمصفوفة إلى تطوير موقف تفاوضي لكسر الجمود مع الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو وحركة تحرير السودان برئاسة الأستاذ عبد الواحد محمد نور، وسمّت المصفوفة الجهة المنفذة من المجلس ومجلس الوزراء والحرية والتغيير، وحدد توقيت التنفيذ في الأسبوع الأول من أبريل 2020م، كما طالبت المصفوفة بتشكيل مفوضية السلام وإجازة قانونها وسمت المصفوفة الجهة المنفذة وهو المجلس السيادي ومجلس الوزراء، وحدد توقيت التنفيذ في الأسبوع الرابع من مايو 2020م.

وتناولت المصفوفة أيضاً إقامة مؤتمر قومي لقضايا الشرق، وسمت المصفوفة الجهة المنفذة وهو المجلس الأعلى للسلام ومجلس السيادة ومجلس الوزراء والحرية والتغيير، وحدد توقيت التنفيذ الأسبوع الأول من مايو 2020م، وأخيراً دعت المصفوفة إلى عقد مؤتمر قومي للسلام بمشاركة كافة الأطراف، وسمّت المصفوفة الجهة المنفذة والمتمثلة في المجلس الأعلى للسلام ومجلس السيادة ومجلس الوزراء والحرية والتغيير، وحدد توقيت التنفيذ شهري يونيو -يوليو 2020م.

فشل الحكومات:

يعتبر السودان واحد من أكثر دول القارة السمراء من حيث عدم الاستقرار وانتشار الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، وتعود هذه الصراعات إلى عدم حل المسائل القومية واحترام التنوع، كما تم الزج بالإثنية والقبلية والدين في هذه الحروب اللعينة، وهناك حقيقة أخرى تعطي تفسيراً لهذا الصراع الدامي والمستمر وهي الفشل في مشروع وطني قومي ومشكلات الاندماج الوطني والتعايش السلمي بين المكونات الداخلية في الدول الأفريقية، وتعود جذور هذه الأزمات والمشكلات إلى مرحلة ما بعد تصفية الاستعمار، حيث رحل الاستعمار وترك خلفه حدوداً صنعت ولم تراع معها خريطة التقسيمات الاجتماعية، كما أنها جعلت هذا التقسيم سياسياً مبرراً لخلافات وصراعات أولية حول الثروات والسلطة، مما أشعل نار الحرب في القارة، وامتد هذا الأثر إلى اليوم، فلم تلبث أن تخمد نار حرب حتى تتأجج أخرى، وقد كانت الحروب ذات الطبيعة الدينية واحدة من تجليات تلك المرحلة بل وأشدها خطورة والشاهد هنا (الحرب الجهادية) أو كما قال الرئيس المدحور في خطابه المشهور بالقضارف (تاني دغمسة مافي الحكم بالشريعة الإسلامية)، كذلك فشلت الحكومات الوطنية في تبني مشروعات وطنية وسياسات رشيدة، مما عمق من مشكلة الاندماج الوطني وحال دون وجود دولة حقيقية تستوعب مكوناتها وتعبر عنهم وتعطيهم ذات الحقوق وتلزمهم بذات الواجبات.

أزمة الهوية:

ويقول الأستاذ التجاني الحاج في ورقة له بعنوان (مستقبل السلام في السودان) إن كل الحكومات الوطنية لم تعالج أزمة الهوية، وتوصيف هذه النخب للدولة السودانية بــ (الدولة العربية الإسلامية)، في إنكار واضح للتعدد الثقافي والعرقي والديني، مما ترتب عليه إستبعاد/إقصاء لا تخطئه العين للمكونات الأفريقية الأخرى، وكان ذلك من الأسباب الرئيسية التي نتج عنها انفصال جنوب السودان لاحقاً في 2011م، وتجدد الحرب الأهلية مرة أخرى في جنوب كردفان والنيل الأزرق واستمراريتها في دارفور، بجانب استمرارية سيطرة وهيمنة ذات النخب التي ارتبطت بالاستعمارين (التركي ــ المصري) و(الإنجليزي ــ المصري) على مفاصل الدولة السياسية والإجتماعية والإقتصادية، وإقصائها المتعمد للآخرين الذين لا يشاركونهم نفس السمات الثقافية والعرقية، وإستمرارية الحروب الأهلية الطويلة التي خاضتها هذه النخب عبر حكوماتها المركزية بلا استثناء على بقية أطراف السودان من جنوبه إلى غربه وشرقه، والتي بدأت بدعوى قمع (التمردات) التي يقودها أبناء هذه المناطق ضد الحكومات المركزية، إلى أن وصلت إلى مرحلة الحروبات الجهادية في عهد حكومة الإنقاذ (الإسلام السياسي). فضلاً عن استمرارية نفس البنية المادية ونهج التطور الإقتصادي الذي خلّفه المستعمر لخدمة مصالحه بتركيز التنمية والخدمات في الوسط النيلي وتجاهل المناطق الطرفية البعيدة، مما نتج عنه مركز ثقافي/عرقي/إقتصادي سلطوي مسيطر وهامش مقصي على كافة هذه المستويات.

جدلية الحرب والسلام:

وقال الحاج: لقد مرَّت دولة مابعد الحقبة الكولونيالية في السودان بالعديد من التجارب ونظم الحكم السياسية، والتي تباينت ما بين حكم برلماني وعسكري صرف وشموليات هي مزيج ما بين الحكم العسكري والحزبي. وخلال كافة هذه التجارب ظلت هناك سمة بارزة على المستوى السياسي، تمثلت في عدم استقرار هذه النظم بمختلف تصنيفاتها، بالإضافة إلى أزمة إنقسام إجتماعي ظل ينمو تدريجياً إلى أن أفصح عن نفسه بالكامل في إنفصال الجنوب. إن هذه التجارب جميعها تثبت حقيقة واحدة لا مناص منها، هي أن النخب التي أعقبت الاستعمار فشلت في أن تحقق حداً أدنى من التراضي بين كافة الكيانات السودانية للتعايش فيما بينها وقبول بعضها البعض. وهو ما كانت نتيجته المباشرة الصراعات وعدم الإستقرار. إن كل ذلك يشير في نهاية التحليل إلى أن هناك إشكالية في القدرة على تأسيس عقد اجتماعي وسياسي وإقتصادي لــ (الدولة الوطنية) أو دولة ما بعد الحقبة الكولونيالية Post-Colonial State، وهو ما يمكن تسميته بـ (أزمة المشروع الوطني). الشاهد إن تجربة حكم الإسلام السياسي في السودان (1989 ـ 2019) أوصلت أزمة المشروع الوطني هذه إلى حدها الأقصى، لأنها أدخلت الدين ــ ضمن أشياء أخرى ـــ كعنصر مُحدِد في توجُّهات الدولة، وبالتالي طرفاً مركزياً في النزاع، مما وسَّع من الأزمة، لأنه سمَّى ــ أي النظام ـــ حربه للمقاومة المسلحة جهاداً، ناقلاً بذلك الصراع في الدولة السودانية إلى درجة أكثر تعقيداً. والمتتبع لهذه الحقبة تلفت انتباهه حدة المواجهة ما بين النظام الحاكم والأطراف المختلفة، سواء أن كان على صعيد المواقف والرؤى الأيديولوجية. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *