الحكومة الانتقالية.. أزمات خانقة وإرادة للعبور (11)

بقلم: حسين سعد

تناقش هذه الحلقة عناصر أساسية لجهة بناء دولة تعبر عن كل التنوع، وتعدد الموجود فيه، كما تطرح الحلقة مقترحات في ملفات قسمة السلطة ومؤسسات الدولة التي كانت مختطفة وكذلك ملف ملف قسمة الثورة الذي يجب أن يحكمه مبدأ إعادة التوازن التنموي لكافة الأقاليم المهمشة. وتنبه الحلقة إلى أخطاء اتفاقيات السلام السابقة، وكيف أنها مهدت لحروب قادمة حصدت أرواحاً عديدة، وفي ذلك يقول الأستاذ التجاني الحاج في ورقة له بعنوان (مستقبل السلام في السودان) إلى وجود ما أسماه الخلل البنيوي وفي منهجية الإتفاقيات التي أبرمت ما بين الحكومات المركزية في الخرطوم والقوى الثائرة عبر التاريخ، والذي لم يفضي إلا إلى إتفاقيات كانت بمثابة عتبة لحروبات أهلية أكثر حدة من سابقتها. وبالتالي، ولكي تكون أي إتفاقيات جديدة عتبة نحو التحوّل الحقيقي نحو سودان جديد، نجد أنه من الضروري أن تتم صياغة مبادئ أولية هادية لأي مفاوضات قادمة، وأضاف هذه المبادئ يجب أن تكون هي المدخل الصحيح نحو تفكيك دولة مابعد الكولونيالية في السودان. وهي على النحو التالي:

(1)مبدأ الوحدة الطوعية، ويستند على الحقيقة التاريخية الثابتة بأن الدولة السودانية الحديثة التي تأسست عقب الإحتلال التركي ـ المصري، لم تكن بإرادة السودانيين، وإنما بنيت على لتخدم الترتيبات الإستعمارية ومصالحها ذات الصلة، وأستمرت وتطورت بصورتها تلك خلال كل الحقب. وهو ما يستلزم إعادة مشاورة كافة القوميات السودانية حول جدوى إستمرارية هذه الدولة وأهمية إعادة تركيبها من جديد على أساس الوحدة الطوعية، وبذلك يمكن إعادة تصحيح مسار التطور الإجتماعي والسياسي في السودان.

(2) الهوية (هوية الدولة والمجتمعات): أيضاً لابد من تصحيح مفهوم هوية الدولة بإعتبارها أفريقية بحكم حقائق الجغرافيا والتاريخ والواقع السيوسيولوجي والأنثربولوجي التي لا يمكن إنكارها، فأكثر من نصف قرن من تزييف الوعي بهذه الحقائق جعلت من السودان دولة تتنكب الطريق بحثاً عن هوية لا تمت لها بصلة.

(3) مبدأً تفكيك البنيات والهياكل الإستعمارية: الهياكل الإقتصادية التي خلفها الإستعمار وسارت عليها النخب الوطنية من بعده، لم تكرس إلا لشئين هما: (1) التبعية لمراكز الإستعمار الحديث و (2) ترسيخ هيمنة النخب الوطنية (النيلية) التي مكنها الإستعمار قبل خروجه. هذين العاملين، كانا السبب الموضوعي المباشر وراء فشل الدولة السودانية وعدم إستقرار النظم السياسية والحروبات الأهلية. وبالتالي فإن إستمرارية هذه الهياكل بصورتها التي كانت ولا زالت عليها لن يفضي إلى الإستقرار السياسي، لأنها لن تزيد إلا من حدة التهميش بمستوياته المختلفة. فنياً تُطرح هذه القضية من خلال برامج الإصلاح المؤسسي للدولة. والحديث عن مؤسسات الدولة يشمل ليس المؤسسات المدنية فحسب بل المؤسسات العسكرية والأمنية أيضاً.

(4) مبدأ علمانية الدولة: غني عن القول إن التجربة الإنسانية قد إنتهت إلى أن نموذج الدولة الدينية الثيوقراطية Theocratic State قد أصبح من مخلفات الماضي وعصور الظلام، وخلال كافة تجارب السودان السياسية كانت هذه المسألة معضلة حقيقية، حيث ظلت النخب في المركز تستغل الضمير الديني للمجتمعات السودانية للوصول إلى السلطة، مستغلة في ذلك جهل هه المجتمعات بأسس ومفاهيم العلمانية كأداة ومفهوم ناجح في إدارة الدولة، وقد آن الأوان لوضح حد لهذا الإبتزاز والإستغلال للضمير الديني.

واضاف هذه المبادئ الأربعة في تقديرنا تمثل العتبة التي لا يمكن من دونها العبور نحو التغيير الحقيقي فلا يمكن لسودان جديد أن يقوم من دون الإرادة الطوعية لأهله، إعادة الإعتبار للهوية الحقيقة لأبنائه بدلاً من العيش في ظل الإستلاب الإسلاموعروبي، تفكيك دولة مابعد الكولونيالية وبنياتها، والإنطلاق من علمانية الدولة لإخراج الأيديولوجية الدينية من حلبة الصراع السياسي. وبالتالي فإنها يجب أن تقف كخطوط حمراء (إن جاز التعبير) في أي مفاوضات.

معلوم أن أي مفاوضات بين أطراف متنازعة ومن الناحية الفنية تنتهي إلى مناقشة ثلاثة ملفات هي ملفات (1) إقتسام السلطة (2) إقتسام الثروة (2) الترتيبات الأمنية والعسكرية. وقد طبقت هذه المنهجية وكانت ناجحة في كثير من الحالات. لكن وكما أشرنا سابقاً فإن مناقشة هذه الملفات في جولات التفاوض إن لم تضع في إعتبارها السياق الإجتماعي، الثقافي والتاريخي الذي تحاول فض نزاعه، فإنها ببساطة ستتحول إلى قنابل موقوتة تنفجر في مراحل لاحقة، وهو ما لخصناه بمقولة “أن هذه المنهجية بقدورها أن توقف الحرب، ولكن ليس بإمكانها أن تصنع السلام”، لأن السلام لا يسقط من السماء وإنما يجد عوامل إستمراريته وإستدامته في القراء السليمة للسياق الإجتماعي والثقافي والتاريخي للنزاع ومجتمعاته، وقد برهنت التجربة السودانية على ذلك عبر السيرة الطويلة للإتفاقيات التي تبرم ما بين الحكومات المركزية وخصومها وتعود الحرب من جديد. لذلك يمكننا أن نتصور أن المفاوضات القادمة ما بين الحركة الشعبية شمال ستواجه هذه المعضلة، وبالتالي نقترح الخطوات الضرورية التالية والتي تقوم على المبادئ الأربعة المشار إليها عاليه:

(1) ملف قسمة السلطة: في هذا الملف يجب أن يكون المبدأ ليس إستكمال ما تم ما بين القوى العسكرية والمدنية من خلال الوثيقة الدستورية، بل يجب مراجعة الأمر برمته، والمقصود بذلك مراجعة الوثيقة الدستورية نفسها، الهياكل التي قامت عليها (مجلس السيادة والوزراء)، من حيث المهام والواجبات مسترشدين في ذلك بالمبادئ الأربعة عاليه. ويجب أن يتم وضع الإصلاح المؤسسي لمؤسسات الخدمة المدنية، والمؤسسات الأمنية والعسكرية كشرط تفاوضي أولي لازم، ويجب أن تكون عملية الإصلاح هذه تحت تعاون ورقابة الضامنين للإتفاق. والمبرر الموضوعي لذلك هو أن الدولة قد تم إختطافها خلال الثلاثين عاماً الماضية ولكي تستقر الدولة ومؤسساتها المدنية، يجب أن تعود الصلاحيات والسلطة الممنوحة لهذه المؤسسات إلى موقعها المنطقي، وإلا فإن أي قسمة سلطة تصبح لا معني لها.

(2) ملف قسمة الثروة: يرتبط هذا الملف بقسمة السلطة تفاضلياً، لكن يجب أن يحكمه مبدأ إعادة التوازن التنموي لكافة الأقاليم المهمشة. بمعني أن تعطي السلطة المركزية الأفضلية لهذه الأقاليم على حساب أقاليم المركز.

(3)ملف الترتيبات الأمنية والعسكرية: الوضع الأمثل هو تطبيق بروتوكولات إتفاقية السلام الشامل CPA في هذا الجانب. بمعني أن يظل الجيش الشعبي كما هو في مناطق إنتشاره ويبقي الجيش الحكومي في مناطق إنتشاره، ويتم تكوين وحدات مشتركة تصمم على أنها الجيش الوطني البديل في المستقبل. نضيف إلى ذلك أنه يجب طرح قضية إعادة إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية كقضية جوهرية. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *