الكورونا بين التباعد والتقارب الاجتماعي

بقلم: محمد الصحابي

أطلت الكورونا في نهايات العام الماضي، ولم يعر العالم هذا الفايروس اهتماما إبان فترة ظهوره في مدينة ووهان الصينية حتى بدأ في التنقل رويدا رويدا عبر الدول ثم تسارعت وتيرته فى الإنتشار، حيث بلغ ذروة اجتياحه للعالم معلنا تخطيه للوصف الوبائي إلى الجائحة.

تسيدت الكورونا العالم منذ ذلك الوقت وفرضت واقعها الإستثنائي على معظم الدول حيث داهمت البشرية بشراسة لا سيما نشرها للذعر والهلع بدوامة مفزعة مخلفة تبعا لذلك ملايين من الإصابات والمتعافين، وأكثر من ربع مليون من الضحايا عاجل الشفاء لهم والرحمة والمغفرة للمتوفين، يضاف إلى ذلك استمرار الترويع والآهات والدموع بسبب فقدان الأحبة، وما زال الفايروس يُمارس في تطرفه الداعشي بحصده للأرواح بوحشية وبلا رحمة.

تعاطي الدول مع هذه الجائحة متباين كما هو واضح وجلي، قليلٌ منها أبرز عضلاته الصحية في حلبة الصراع ضدها وبعد مجهودات جبارة نجح في تحجيمها وتضييق نطاقها ودلل على متانة منظومته الصحية، أما الغالبية العظمى من الدول فقد صرعتها الكورونا لتباطؤ التحوطات اللازمة، مما مكن الفايروس للإطاحة بالأنظمة الصحية لهذه الدول وجعلها تترنح وتئن تحت وطأته وتُصارع بتحشيد كامل طاقاتها لأجل تسطيح منحنى الفايروس، وفي خضم ذلك ما زالت معارك مجابهة الكورونا مستمرة.

أفرزت التدابير الوقائية وإستراتيجية الإغلاق الكامل واقعا إقتصاديا قاسيا علي الدول وانسحب هذا الواقع على السكان، وبالطبع تباين الأثر السالب بتفاوت إقتصاديات تلك الدول، حيث طال كل طبقات وشرائح المجتمع المختلفة، ولكن تبقى الطبقة الضعيفة والأكثر هشاشة هي الأكثر سحقا جراء هذا الفايروس، حيث زاد من تعقيد ظرفها المعاشي من أسوأ إلى الأكثر سوءا، وهنا يجدر بنا ذكر عمال الارتزاق اليومي الكٌداح في سبيل تأمين قوت رمقهم المنتمين الي قطاع الإقتصاد غير المنظم، وما أعنيه واقع سوداننا الحبيب الذي لا تنقصه الأزمات ويعيش جائحة إقتصادية إثر ثلاثين عاما من التخريب والتدمير الممنهج لكل مؤسسات وقطاعات الدولة الفاعلة في ظل حكم العهد البائد الإستبدادي الذي عصفت به ثورة ديسمبر المجيدة إلى مزبلة التاريخ، وما زالت تٌكافح لاستئصال جيوبه وفلوله الفاسدة من أعماق الجذور، ترافق ذلك مع بروز مبادرات عديدة هدفها العون والمساندة وتخفيف وطأة تبعات لهيب الجائحة لهؤلاء البسطاء، استلهمت رؤاها وملامحها من ثورة ديسمبر المجيدة التي تٌوجت بملحمة الاعتصام الباذخة التي نتنسم ذكراها هذه الأيام ونٌمجد ونٌخلد شهداءها الأبرار، ففيها أستعيدت كل القيم النبيلة لهذا الشعب المٌعلم، التي اجتهد النظام المدحور لطمسها بزعاف سمياته من ذاتية بغيضة وأنانية مٌفرطة وطفيلية متعفنة، ولكن جينات الشعب السوداني كانت أصعب على الاختراق وأقدر على الانتصار رغم تطاول أمد الذٌل والحصار الكيزاني.

واقع التجارب أثبت مقدرة الشعب السوداني على تجاوز المحن والكروب، وكما انتظم في مواكبه الهادرة لحظة تفجر الحراك الثوري ضد الطغيان في ديسمبر من العام 2018م، ها هو ينتظم مجددا في مواكب مبادراته الخلاقة لمجابهة الجائحة تقود ذلك لجان المقاومة دروع الثورة وحملة مشاعلها المتقدة، وبتدبر الواقع نجد أن التباعد الإجتماعي يقع من ضمن أولوية الإشتراطات الصحية في معركتنا ضد الكورونا وأساسها بالطبع الالتزام الصارم بغسل الأيادي، وعدم ملامسة العين والأنف وعدم المصافحة وغيرها، بالمقابل فإن التقارب الاجتماعي المرتكز على قيم التضامن، التكافل والتكاتف هو السلاح الأمضى لتخفيف حدة تبعاتها الاقتصادية، وهذا ما يدخره شعبنا الطيب ويعض عليه فتلك الثنائية هي المدخل لمقاومتها، وقد تفضي إلى إنحسارها وربما السيطرة عليها.

تتصاعد وتيرة الجائحة على مدار نبض عقارب الساعة، حيث لم يتوقف المؤشرالكوروني الدولي صعودا وهبوطا كل حسب معطيات واقعه ومدى التزام المواطنين بالإرشادات الصحية وبالتدابير الوقائية المفروضة من قبل حكوماتهم المختلفة، حيث نشهد هذه الأيام أن بعض الدول قد بدأت في تخفيف القيود وحدة تشديد الإجراءات تجاه الكورونا، فشرعت بعضها في السماح لسكانها مع اشتراطات صحية ملزمة التقيد بها لاستعادة أنشطتهم التجارية وفتح المدارس والجامعات” ألمانيا، الصين، كوريا، الأردن، تونس، بلجيكا، تركيا، أسبانيا، إيران وفرنسا”، فضلا عن إعلان إستنئاف النشاط الرياضي في ألمانيا وإيطاليا، هذا يؤكد تفاوت الأنظمة الصحية للدول وعلى أفضلية وفاعلية الإستجابة السريعة والجاهزية القصوى لبعضها بإجراء التحوطات اللازمة ضد الفايروس، ولكن مازال الجدل محتدماً حول التعايش مع الكورونا والقلق من مخاوف الموجة الثانية المحتملة.

كشفت الجائحة مدى ضعف المنظومة الصحية العالمية مع تفاوت بين ما بين نظام صحي قوي ومتوسط لبعض الدول وتقارب نسبي لهشاشة أنظمة صحية لدول أخرى فمنحت الدول فرصة ثمينة للغاية لمراجعة أنظمتها الصحية في إطار النظام الصحي العالمي لبلوغ النظام الصحي الأمثل والتباحث جدياً في كيفية تحقيق ذلك وجعله واقعاً ملموساً.

تفرض علينا حقائق الوقائع أن نرفع القبعات والعمائم إجلالاً وتقديراً لكل المبادرات النبيلة من مختلف القطاعات، ولكافة الجيش الأبيض الذي ظل صامدا على خطوط النار متحديا للكورونا في الجبهات الأمامية بهمة وثبات، ونترحم على كل من فقدناهم ونذكر منهم د.عادل الطيار، د.أمجد الحوراني، الكادر الطبي أمل نور، وآخرين، فهم يستحقون التمجيد لما بذلوه من جهود وتفان لخدمة البشرية في سبيل حمايتها من الهلاك، وإلى كل عاملات وعمال النظافة المنسيون (ملح الأرض ونبضها) فهم أيضا درعنا الواقي ضد الكورونا وميسري الأمور للجيش الأبيض في تكامل ضروري للأدوار وكرقم يصعُب تجاوزه في سلسلة المنظومة الصحية، ويتوجب تأمين حماية كل العاملين ضد الجائحة، “توفير معدات الحماية الوقائية، الحماية الشخصية، والسلامة المهنية”، ويمتد التبجيل لكل المبدعين الذين ساهموا بفاعلية في نشر التوعية الصحية لكافة شرائح المجتمع شعرا، نثرا، رسما، تلوينا، إيقاعا وولحنا أطرب الوجدان، وتحية خاصة للذين لم يتناسوا شريحة ذوي الإعاقة ذات الإرادة التي لا تُقهر.

تبقى هنالك حقيقة ماثلة أمام الجميع جراء تبعات الجائحة في أنها ستٌغير خرطة العالم السياسية، الاقتصادية، الإجتماعية، الثقافية والصحية، وبالتأكيد من السابق لأوانه الحكم القطعي، ولكن وقائع الأحداث والمؤشرات الحالية تؤكد ذلك كالخسائر الاقتصادية التي تٌقدر بترليونات الدولارات، وما زال عدادها يتصاعد جراء تهاوي أسعارالنفط ووقف حركة الطيران وخلافهما،فضلا عن إمكانية الإستقراءحيث ظلت التداعيات مستمرة والباحثون منكبون على التنقيب والعلماء منهمكون في تسابق لفك طلاسم الفيروس لقاحا وعلاجا، وكل الدول تُجابه وتراقب وتترقب مآلات الأمور.

في السودان حسنا فعلت لجنة الطوارئ العليا بتمديد فترة الحظر مع تزايد نسبة الإصابات لمدة عشرة أيام إضافية، للحيلولة دون زيادة معدل الانتشار وسط تسييس غير أخلاقي للجائحة رغم إدراكهم لواقع نظامنا الصحي المشوه الموروث من العهد البائد والموغل في الهشاشة!، سيدفع ثمنه الأبرياء وسيزيد من عدد الضحايا فيتطلب مضاعفة الجهود لتخفيف حدة التغبيش بينهم، وتبقي المراهنة على الالتزام الصارم بالتدابير الوقائية كالتباعد الإجتماعي جنبا إلى جنب تطبيق مفهوم التقارب الاجتماعي بفعالية، كما هو الحال في المبادرات وهو توجه مفضل في هذا الشأن لتعمل على تخفيف وطأة التأثيرات الاقتصادية للجائحة على الطبقة المسحوقة ولكل المتعففين، ولتُسهم لحد ما في زيادة تماسكهم وتقويتهم على عبور  هذه الكارثة بأقل الخسائر.

ختاماً هذه الجائحة فتحت الجدل على مصراعيه حول طبيعة أنظمة الحكم، وما مدى فاعليتها ونجاعتها في التغلب على النوائب؟، وزن تطور مكنيزمات الفيروسات تبعا لأنشطة الإنسان وفق عقلية الله وراء تنامي التربح بوقع الثانية دون الاكتراث للموازنة ما بين التكسب وحماية النظم البيئية، فالسؤال هل سيتعظ أصحاب النهج الرأسمالي من هذا الدرس؟، وبالمقابل هل سيستفيد أصحاب المدارس التي تٌعلي من نهج العدالة الإجتماعية وسيراجعون ترتيب أوراقهم بدقة؟، وهل سنشهد أو سيفضي ذلك إلى نظام اقتصادي مستحدث على ضوء هذه المستجدات؟، أم ماذا يضمره لنا هذا الفايروس المستجد القاهر؟، ودام الكوكب معافى وآمنا ويسوده سلام مستدام.

# معاً ضد كوفيد19.

# معاً ضد كوزيد89.

#م ح م د#

2020م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *