الحكومة الانتقالية.. أزمات خانقة وإرادة للعبور (25)

الخرطوم: حسين سعد
تناقش هذه الحلقة تجارب الانتقال السابقة من حيث فترتها الزمنية ؟وتحدياتها؟وقضاياها؟وكيف تم تجاوزها ؟وماهي انتكاساتها ؟وفشلها؟ ولماذا تمسكت الحرية والتغيير بفترة أطول حددتها بأربع سنوات ؟ثم قبلت بفترة ثلاث سنوات؟ فترة الانتقال الاولي أعقبت الحكم الثنائي المصري في مارس 1953م ،كان مطلوب منها تحقيق سودنة الوظائف الحكومية العليا وتنظيم جلاء الجيوش الاجنبية ،وخلال عامان تم إستكمال الواجبات ،في ذات الوقت شهدت تلك الفترة إنفجارات أمنية كبيرة ممثلة في أحداث مارس 1954م وأحداث حامية توريت في أغسطس 1955م ،واحداث عنبر جودة.
السياسات الخارجية:
وفي يوم الخامس من مايو 2020م أصدرت الآلية المشتركة لمتابعة تنفيذ المصفوفة خلال المرحلة المقبلة و التى اجازها مجلسا السيادة والوزراء وقوى إعلان الحرية والتغييرمؤخرا أصدرت تعميما صحفيا بالرقم (3) إستعرضت خلاله موقف تنفيذ المصفوفة : حيث فرغت وزارة الخارجية من صياغة تصورها حول استراتيجية السياسات الخارجية التي تحقق مهام المرحلة الانتقالية، وينتظر انعقاد اجتماع لممثلي مكونات السلطة الانتقالية الثلاثة لنقاش وإجازة التصور.
الديمقراطية الثالثة
أما فترة الانتقال الثالثة فقد كانت عقب ثورة مارس أبريل التي أطاحت بنظام نميري كان عبد الرحمن سوارالذهب رافضا للاطاحة بالنظام بحجة القسم العسكري،ومن عيوب هذه الفترة هو قصر عمرها البالغ عام واحد،كما انها واجهت حرب الجنوب، ولم تفلح في التواصل مع قيادة الحركة الشعبية وإاحاقها بركب السلام وتأييد الثورة، ومن الملاحظة الثانية والمهمة هي الجبهة الاسلامية استمالت سوار الذهب الي صفها وهذه الوضعية تفسرها تعيين سوار الذهب رئيسا لمنظمة الدعوة الاسلامية، اما الفترة الانتقالية الرابعة، والحالية انها جاءت بعد ثورة واحتجاجات طويلة صمدت نحو خمسة أشهر سقط خلالها المئات من الشهداء، واصابات المئات بجراح مختلفة بعضها قاتلة بجانب اعتقال الالاف من الناشطيين والسياسيين والصحفيين والمهنيين ،ومن تحديات هذه الفترة انها اعقبت نظام عمره 30 عاما له فترة طويلة في الحكم ودولة عميقة وموازية تسببت في اشعال الكثير من الفتن والحروب بكل من جنوب كردفان والنيل الازرق ودارفور واشعال الخلافات في مناطق السدود وتدمير الاقتصاد السوداني والمشاريع الزراعية،فضلا عن تركها لميراث كبير من الخراب والدمار طال كل شي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية،وتمدد الفساد وخطاب الكراهية الذي خلق مرارات واسعة تحتاج الي تضميد الجراح، وعقد مصالحة وطنية تحتاج الي عدالة انتقالية لذلك كان من الانسب الاتفاق علي فترة انتقالية مدتها علي الاقل اربع سنوات لمعالجة هذه التركة الكبيرة من الخراب التي احدثها النظام البائد.
الوحدة في التنوع:

وفي دراسة له بعنوان :تجربة الإنتقال الديمقراطي في العالم العربي (الحالة السودانية مثالا) كتب مهدي إسماعيل مهدي عُثمان: ان نظام عبود نسج (1958-1964) على منوال النُظُم العسكرية الرائج سوقها آنذاك، فرفع شعارات التنمية لجذب الجماهير التواقة للتطور والعدالة الإجتماعية بعد أن تحقق لها التحرر السياسي (الإستقلال) ولكن وبعد ستة سنوات من الحُكم العسكري، وكبت الحُريات، تأكد للشعب أنه فقد حُريته ولم يحصل على التنمية الموعودة، وبلغت الأزمة السياسية ذروتها في النصف الثاني من عام 1964م من المُلاحظ إتسام تاريخ السودان الثقافي والإجتماعي بثُنائيات عرقية ودينية وثقافية ولغوية، بينما أتسم تاريخه السياسي بثُنائية عبثية بين حكومات عسكرية (يتطاول أمدها من حُكم عسكري لآخر) وحكومات مدنية قصيرة العُمر، وقد ظلت هذه الثُنائيات تُشكل أرضاً خصبةً للإستقطاب المُفضي للتمزق والتدمير والإنشطار، مع أن ذات هذه الثُنائيات قد تكون مصدر ثراء إذا اُحسن إستغلالها، ولكن يبدو أن هذا الأمل النبيل (الوحدة مع التنوع) سوف يظل عسير المنال حتى إشعار آخر، إذ يقف إنفصال جنوب السودان والثورات المُشتعلة حالياً في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، دليلاً دامغاً على فشل السودانيين في التعايش السلمي والتراضي على دولة ترتكز على المواطنة والعدالة والمساواة، هذا، وتُعد إنتفاضة 21 أكتوبر 1964، أول هبَة شعبية سلمية في العالمين العربي والإفريقي تُطيح بنظام حُكم عسكري ديكتاتوري، وتفلح في إقامة نظام برلماني ديمقراطي ليحل محله.
مواكب الغضب:
يُقدم الأستاذ الجامعي والباحث الأكاديمي د. جعفر كرار أحمد، في الباب الثاني (الفصل الثاني) من كتابه (الربيع العربي، عود إلى بدء- التجربة السودانية)، تلخيصاً لمشهد إنتفاضة أكتوبر السودانية المجيدة، فيقول (وهكذا وبدخول العُمال والمُزارعين رسمياً وعملياً في حركة الإضراب السياسي العام في يوم 26 أكتوبر 1964، شُلت جميع أجهزة الدولة، وكان القُضاة والمحامون وأساتذة جامعة الخرطوم والأطباء والمدرسون والطُلاب قد بدأوا منذ 24/10/1964 في تنفيذ الإضراب)؛ ثُم يسترسل (وملأت مواكب الغضب السودان مرة أُخرى، واتسعت حركة العصيان المدني وأخيراً استجابت الحكومة العسكرية وشكلت حكومة أكتوبر الإنتقالية الأولى التي ضمت مُمثلاً لكُل من؛ حزب الأُمة والحزب الوطني الإتحادي وحزب الشعب الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي، كما ضمت سبعة وزراء يمثلون النقابات والمنظمات المهنية ووزيرين من جنوب السودان، واهتدت الحكومة الإنتقالية بميثاق من سبعة بنود وافقت عليه القوى السياسية، ويقوم هذا الميثاق على؛ تصفية الحُكم العسكري وإطلاق الحُريات العامة ورفع حالة الطوارئ وإلغاء جميع القوانين المُقيدة للحُريات وتأمين إستقلال القضاء وإستقلال الجامعة وإطلاق سراح كافة المُعتقلين والمسجونين في قضايا سياسية، وأن تلتزم الحكومة الإنتقالية بإنتهاج سياسة خارجية مُعادية للإستعمار)
أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة:
يقول بروفيسور/ عطا الحسن البطحاني، في كتابه (أزمة الحُكم في السودان- أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة؟!)؛ الفصل التاسع بعنوان “الفترات الإنتقالية في السودان: إلى أين؟
شهد السودان العديد من فترات الحُكم الإنتقالية، ففي الفترة الإنتقالية الأولى (1953-1956) إنتقلت السُلطة من الإستعمار الثُنائي إلى حكومة وطنية أعلنت إستقلال البلاد، وفي الفترة الإنتقالية الثانية (1964-1969) تمكن تحالف سياسي/نقابي من إسقاط النظام العسكري الأول (1958-1964) وإقامة نظام برلماني (1964-1969) ما لبث أعواماً قليلة حتى تمت إزاحته بواسطة النظام العسكري الثاني الذي حكم لمُدة ستة عشر عاماً (1969-1985)، وجاء الإنتقال الديمقراطي الثالث عام 1985 ليُعيد التحالف السياسي/النقابي العريض التجربة السابقة ويتمكن عبر إنتفاضة شعبية من إسقاط النظام المايوي، ولم تُكمل الحكومة البرلمانية المُنتخبة دورتها حتى أجهز عليها إنقلاب عسكري في 30/يونيو/1989 من تدبير حزب الجبهة القومية الإسلامية التي حكمت تحت مُسمى نظام الإنقاذ، ثُم يسترسل البروفيسور/ البطحاني فيقول إن الطبيعة البنيوية للأزمة السياسية في السودان وتأرجح ميزان القوى المُصاحب للفترات الإنتقالية، ساهمت مع عوامل أُخرى، في فشل فترات الإنتقال وعجز الحكومات الديمقراطية عن تحقيق المهام المطروحة والمنوط بأنظمة الإنتقال تحقيقها (وحدة الوطن، الدولة المدنية العصرية، التنمية الإقتصادية) فتؤجل المهام لفترات قادمة. وتزداد مهام الإنتقال صعوبةً بقيام الأنظمة العسكرية بتصفية القوى الوطنية والديمقراطية في كُل مرة تعتلي فيها كراسي السُلطة، حيث يبز كُل نظام عسكري في هذا المجال من سبقوه، فيتآكل الرصيد التراكُمي لــ (الديمقراطية والثقافة المدنية) وبالتالي تتعاظم المهام وتقصر القامة، وكأننا نتقدم إلى الخلف، فقد قفزت مهام مرحلة الإنتقال الأولى (1953-1956) لتتصدر مهام مرحلة الإنتقال الحالية (وحدة الوطن، الدولة المدنية العصرية، التنمية الإقتصادية)
كتاب الديمقراطية:
وفي كتاب الديمقراطية الي كتبه تشارلز تيللي وترجمه محمد فاضل طباخ ان التجارب الهولندية بين ثمانينيات القرن الثامن عشر وثلاثينيات القرن اتاسع عشر تعطينا دروسا هامة وحتي خلال تاريخها الحديث كانت الديمقراطية شكلا من اشكال الحكم مزعزعا وعرضة للارتداد ولكي نعاين حداثة الديمقراطية وهشاشتها وتعرضها للارتداد يمكننا ان نراقب تاريخ فرنسا منذ العام 1600م ولم يستقر نظام الديمقراطي في فرنسا الي حد ما الا بعد انتهاء الصراعات الكبري بعد الحرب 1944-1947م واخيرا في العام 1945م حصلت النساء علي حق الانتخاب وشغل مناصب منتخبة في فرنسا ،ويضيف تشارلز ان اقامة الديمقراطية والاطاحة بها لا تحصلان كل علي حدة ففي منتصف القرن التاسع عشر شهدت بلجيكا وهنغاريا والمانيا والنمسا وايطاليا وسويسرا اطروحات ثورية تهدف الي احلال الديمقراطية وسرعان ما انتكس معظمها.. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *