الحكومة الانتقالية.. أزمات خانقة وإرادة للعبور (26)

بقلم: حسين سعد
تطورات المسار الانتقالي بالسودان تنطوي علي احتمالات عديدة بعضها يتنافي مع رغباتنا وطموحاتنا لكن معطيات الراهن تجعلها قريبة؟وهناك عوامل أخري تجعل بلوغ السودان لحافة الهاوية امرا مستبعدا نظرا للمسرح الاقليمي، وتطورات الاوضاع بدول الجوار مثل ليبيا ومصر وسوريا والصومال؟ فالتحدي الحقيقي الذي يعرقل الانتقال الديمقراطي ،ليس الدولة الموازية فقط بل هناك وحدة قوي الحرية والتغيير، والشاهد هنا هو التباينات الايدلوجية والمواقف المتسرعة والمتهافة لقسمة الثروة والسلطة بعيدا عن الاجابة علي سؤال كيف يحكم السودان؟وماهو مصير العدالة والاقتصاص للشهداء والجرحى والمصابين؟ وكيف تسترد الحقوق وجبر الضرر وارجاع الحواكير وغيرها من قضايا العدالة أولا، والتي فرضها الثوار والشارع بمواكبه.


المشاركة المنصفة للمراة والشباب:
استطاعت المرأة السودانية أن تتبوأ مركزاً مرموقاً بنضالاتها وجسارتها، لكن مشاركة النساء في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية،ومواقع صنع القرار كانت ضعيفة مقارنة بتضحياتها ،وسلب النظام البائد كل الفرص المتكافئة للبناء والمشاركة في مختلف احتياجات الدولة والمجتمع، مما زاد من تهميش دور المرأة وتعميق الفجوة الجندرية،لكن المرأة السودانية بادرت بتحركات على مستويات مختلفة لفرض واقع جديد يحترم كينونتها ويعترف بقدرتها، عبر جهود نسوية بحتة دون التعويل على نظام يروض الديكتاتورية في المؤسسات والفرد، ورغم عرقلة القوانين، وإنكار المجتمع المُلقّن لدورها، كان جلياً مع انطلاقة ثورة ديسمبر2019م ،المنادية بدولة المواطنة والديمقراطية الدور الفعّال للنساء. القضية الثانية هي البطالة الواسعة وسط الشباب مفجر الثورة وهؤلاء الشباب بحاجة الي توظيف بعد تحقيق دولتهم المدنية.


المجتمع الدولي والاقليمي:
هذه القضية مهمة وهي تلعب دورا كبيرا ومحوريا في قضية السلام وتحقيق التحول الديموقراطي ونري ان سباق المحاور (مصر-السعودية-الامارات-امريكا) و(قطر-ايران- تركيا-روسيا) يلعب دورا كبيرافي رسم الفترة القادمة، فالمحور الأول ضد عودة دولة الاخوان بينما يعمل المحور الثاني لعودة دولة الاخوان ،هذا اللعب الضاغط سوف يزاد أكثر في الفترة القادمة وربما تكون ارض الملعب جهات ودول أخري ومنصات إعلامية والشاهد هنا الوسائل الاعلامية التابعة لتلك المحاور،ونري ان بعضها ينشط كثيرا في التوترات السياسية.


تجارب الانتقال:
وفي ورقة له قدمها في ورشة مركز الايام في يوليو 2019م تحت عنوان (تجارب الانتقال في السودان) قال الاستاذ محجوب محمد صالح ان الانظمه الشموليه لاتسقطها الانتفاضات الشعبيه الا عندما تكون أزمة الحكم فيها قد وصلت ذروتها وقدرات الحكومة قد انخفضت الى ادنى مستوى واحاطت بها الازمات من كل جانب وكانت عاجزه عن معالجه تلك المشاكل وبالتالى فأن الانتفاضه عندما تنتصر ترث دوله فى الحضيض ونظاما مأزوماً وغير قادر على مواجهه المشاكل التى تحيط به وهذا هو اخطر تحدى يواجه الفتره الانتقاليه والنظام الجديد مطالب بان يصنع المعجزات لكى يحقق لمواطنيه قدراً معقولاً من الخدمات ومن النشاط الاقتصادي الذى يدر دخلا فكيف يفعل ذلك وخزائنه فارغة؟؟


تزايد التوقعات:
وقال محجوب ان ما يزيد الامور تعقيداً أن توقعات الجماهير تتزايد وترتفع لسقوفات عاليه وتتكاثرالضغوط والمطالب الشعبيه ـــ وهذه حاله تهدد بسقوط النظام الجديد خاصه مع وجود ثورة مضاده تتربص بالنظام الجديد وتزكى نيران المطالب ــ هذا خطر حقيقي عرفناه فى عهود سابقه وهو قابل للتكرار الأن فى الفتره الانتقاليه الحاليه مالم تسارع السلطه الجديده وتحسن توظيف طاقات الشباب فى العمل الطوعى الخدمى الذى يسهم فى تقديم خدمات للجماهير وفى نفس الوقت يجند طاقاتهم للعمل العام ويحاصر توقعاتهم الطموحة فلا تتجاوز سقف الواقع المعاش .. بل تعظم فى نفوسهم معانى التضحيه ومواجهه الصعاب كعنصر اساسى فى التربيه الوطنيه الجديدة التى تتبناها الثوره ــ فهذه هى مرحله البناء ومعركة البناء اشد وأقسى معاركنا الأتيه ولا ينبغى ان يعلو صوت على صوت معارك البناء فى سودان الثوره ــ وليكن هذا هو شعار كل لجان المقاومه التى لابد ان تتحول الى لجان لدعم الانتاج والعمل الطوعى و لتوفير الخدمات.
مطلوبات الفترة الانتقالية الحالية

  1. الفترة الزمنية يجب ان تكون كافية ولابد من حسن استثمارها في تحقيق أهدافها المعلنة.
  2. المهام ينبغي ان تكون محددة وتتوفر الارادة السياسية لانجازها.
  3. لابد من ادراك ان التحول الديموقراطي ليس عملية واحدة بل هو مجموعة تحولات متزامنة ومتداخلة – تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وكلها تحتاج لبرامج مفصلة.
  4. الأنظمة الشمولية لا تسقط الا عندما تحيط بها الازمات من كل جانب وتصبح الدولة على وشك الانهيار ومن ثم فان النظام الذي يرثه دعاة التغيير هو نظام متداعي ولا يحتمل مسئولية اعادة البناء ولابد من الاستعداد الى اعادة تشكيله بصورة تتحمل مسئوليات اعادة البناء والتنمية في شتى المجالات والفشل في هذه المهمة له عواقبه الوخيمة.
  5. الحراك الثوري الذي يسبق انهيار النظام يخلق لدى الجماهير مطالب وتوقعات عديدة ينتظرون تحقيقها ومتى ما الت السلطة للثوار ارتفعت سقوف التوقعات الى اعلى مستوى واذا لم يتحسب النظام الجديد لذلك فان ضغوط المطالب يمكن ان تشكل اكبر المهددات له. وقد واجهت اخر الحكومات الديمقراطية هذه المشكلة فأضعفتها ومهدت لسقطوها امام الانقلاب.
  6. اثبتت التجارب ان سقوط النظام القديم يقرأه المشاركون في الحركة الاحتجاجية بانه نهاية مشوارهم وبالتالي يتفرقون أيدي سبأ وتنحل الروابط التي كانت قد وحدت صفوفهم ويذهب كل لحال سبيله وهذا هو المهدد الثاني والخطير الذي لابد ان يتحسب له الناس، الثورة مستمره حتى تتحقق كل أهدافها.
  7. الفترة الانتقالية هي فترة تمهيدية واجبها ان تعد الملعب للمباراة الديموقراطية وهذا يقتضي ان تساعد هذه الفترة في خلق المؤسسات وبناء الاحزاب القادرة على تحمل مسئولية ترسيخ الديموقراطية وكثير من التجارب اثبتت ان التحول الديموقراطي فشل لان اللاعبين الاساسيين (الاحزاب) لم تكمل استعداداتها ولم تبني مؤسساتها ولم تخطط لنشاطها المستقبلي ولم تكتب برامجها وهذه ثالث مهمة تحتاج الى جهد والى تخطيط ودراسات.
  8. السودان يؤمل ان تخرجه الفترة الانتقالية الحالية من مستنقع الحرب الاهلية الى اجواء السلام وهذا يتطلب معالجة جذور الازمة وخلق اجواء تساعد على بناء الوحدة الوطنية والحرب خلفت مرارات عميقة وانقسامات داخلية خطيرة ولا سبيل لتمهيد الارض لاعادة بناء الوحدة الوطنية الا عبر مصالحة وطنية شاملة تستند على العدالة الانتقالية من ناحية والى المصالحة والحقيقة من ناحية اخرى وهذا واجب ينبغي ان يلعب فيه المجتمع المدني دوراً اكبر ويحتاج لحشد الطاقات وتجنيد المجموعات للتبشير بمبادئ الحقيقة والمصالحة ومتابعة اجراءاتها.
  9. ومع اجراءات الحقيقة والمصالحة لابد من التصدي للمظالم ولشكاوى التهميش بالتركيز على اعطاء معنى واقعي لشعار (الوحدة في التنوع) وذلك عبر الاعتراف بالتنوع والتعددية في السودان واحترامها وتبني التخطيط في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية للاحتفاء بذلك التنوع وتوظيفه بصورة ايجابية في بناء الوحدة الوطنية الى ان يجد كل مواطن نفسه فيها واذا تعمقت هذه المعاني خلال الفترة الانتقالية فان ذلك سيكون من اهم اللبنات التي ينبني عليها التحول الديموقراطي بل وستسهم هذه الممارسات في ترسيخ الديموقراطية وحمايتها من الردة الى الانظمة الشمولية كما كان يحدث في الماضي والخطر الاخير والذي لابد من ان ننبه له هو خطر فشل التحول الديموقراطي كما حدث في تجاربنا السابقة التي افضت بنا الى الحلقة المفرغة التي ي سلمنا فيها نظام ديموقراطي قاصر الى نظام شمولي يقوم على القهر ثم انتفاضة تعود بنا الى الديموقراطية القاصرة وفي الفترة الانتقالية الحالية لابد من ان نتصدى لبعض المشاكل التي تضعف النظام الديموقراطي القادم واولها ضعف الاحزاب السودانية ونكاد نجزم ان النظام الحزبي القديم قد انهار تماما نتيجة تتابع الانظمة الشمولية في السودان التي احتكرت اكثر من ثمانين بالمائة من سنوات ما بعد الاستقلال وقد درجت هذه الانظمة الشمولية على محاربة الاحزاب ومحاصرتها وحظر نشاطها وبالتالي اضعاف قدرتها على بناء هياكلها وتنظيماتها وكوادرها ولكي نكسر هذه الحلقة المفرغة نعتقد ان التجربة الديموقراطية القادمة ينبغي ان تنبني على التحالفات الكبرى التي تتالف وتتفق فيها مجموعات من الاحزاب على خوض الانتخابات ككتلة موحدة ببرنامج واحد حتى تتجاوز واقع التجزئية والتشظي الراهن ولكن بناء هذه التحالفات ينبغي ان تسبقه اعادة بناء هياكل الاحزاب وتسليحها بالمؤسسية المطلوبه – وهذا موضوع ينبغي ان يناقش في اطار المجموعات لاهميته البالغة بالنسبة للتجربة الديموقراطية القادمة. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *