حماية الشهود بين المنشور والقانون


بقلم: لمياء الجيلي
حسنا فعلت تنسيقية لجان مقاومة الخرطوم شرق بمطالبتها رئيسة القضاء مولانا نعمات عبد الله محمد خير بإصدار منشور قضائي يتناول تعديل التدابير المتعلقة بالمحاكمات وحماية الشهود في القضايا الخاصة بشهداء ثورة ديسمبر المجيدة. جاءت هذه الخطوة بعد أن تيقنت التنسيقية أن بعض الشهود في هذه القضايا يتعرضون لمخاطر ولترهيب وتخويف واستفزاز من جهات عدة. إدراك لجان المقاومة لحجم المخاطر والتهديدات التي تحيط بالشهود في تلك القضايا وحرصها علي القصاص والعدالة جعلها حريصة على لقاء رئيسة القضاء وتسليمها مذكرة بهذا الشأن حفاظاً على الشهود وعلى أسرهم. فعدم توفر الحماية اللازمة للشهود قد تدفعهم للإحجام عن الإدلاء بشهادتهم أو أن يتعرضوا لضغوط من أسرهم خوفاً على حياتهم، وهذا بالطبع له تأثراته السالبة على سير العدالة. وفرص تحقيقها، وبالتالي يحول دون القصاص للشهداء. وزداد قلق لجان المقاومة ما رصدته في جلسات المحاكمات التي جرت مؤخراً من مهددات ومخاطر ناجمة عن أخذ بيانات الشهود في جلسات مفتوحة وأوضحت ذلك في مذكرتها التي قدمتها لرئيسة القضاء بتاريخ 24 أغسطس 2020.
الإستجابة السريعة لهذه المذكرة من قبل رئيسة القضاء مولانا نعمات عبد الله محمد خير نزلت برداً وسلاماً على الشهود وأسرهم وعلى الثوار والثائرات حيث أصدرت في السابع من سبتمبر الماضي منشور قضائي خاص بقواعد إجراءات حماية الشهود والمجني عليهم والخبراء والمبلغين والأشخاص ذوي الصلة بهم في القضايا الخطيرة. طالبت رئيسة القضاء في المنشور المحكمة باتخاذ التدابير الإحترازية ما يلزم لتوفير حماية الشهود وتشمل إخفاء هويتهم وذلك بعدم إفضاء المعلومات المتعلقة بهوياتهم وأسمائهم وأماكن سكنهم الحالية وعدم التقاط الصور داخل أو خارج المحكمة. كما طالب المنشور المحكمة باتخاذ التدابير اللازمة بشأن إختصاص شرطة المحاكم، دون غيرها، بتأمين قاعات المحاكم من الداخل، على أن يختصر دور القوات النظامية الأخرى على التأمين خارج قاعة المحاكمات وغيرها من التدابير التي من شأنها توفير قدر من الحماية للشهود
هذا المنشور خطوة مهمة في تحقيق العدالة يجب أن تتبعها خطوات أكثر من سن قانون خاص بحماية الشهود وإنشاء وحدات متخصصة في السلطة القضائية وفي الشرطة لحماية بيانات الشهود وضمان سريتها وعدم تسربها، وأن يتم تدريب العاملين والعاملات في هذه الوحدات على حفظ البيانات وعلي الأمن والحماية الرقمية حتى لا تتعرض المعلومات للتهكير والقرصنة، أو السرقة أو تغييرها فتتعرض حياة الشهود وأسرهم للمخاطر. كما يجب أن يكون من مهام هذه الوحدات متابعة التهديدات التي يتعرض لها الشهود وتدوينها وتوثيقها، واتخاذ ما يلزم من إجراءات سريعة وفعالة.
اصدار تشريعات خاصة بحماية الشهود خطوة مهمة في تحقيق العدالة والتي تعتمد بدرجة كبيرة على المعلومات التي يدلي بها الشهود كما أن هذه التشريعات لا تتعارض مع حق الاتهام في مناقشة الشهود وأدلة الاتهام، ولا مع كفالة حق المتهم في تقديم شهود وأدلة ادعاء وهو حق كفلته المواثيق الدولية لحقوق الإنسان كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولية للحقوق المدنية والسياسية. كما أن حماية الشهود وأسرهم وحماية الخبراء في القضايا الجنائية والخطرة لا تتعارض مع الشفافية وحقوق الإنسان.
هنالك العديد من الدول التي أصدرت تشريعاتها الوطنية لحماية الشهود وأسرهم كبريطانيا وفرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة الأمريكية وبالدول العربية جمهورية مصر العربية ودولة الأمارات العربية المتحدة والتي سنت قانون “حماية الشهود ومن في حكمهم ” في مايو الماضي. جرمت تلك التشريعات أية ممارسة فيها ترهيب او تخويف أو استفزاز للشهود وأسرهم، كما سمحت باستخدام التقنيات الحديثة للاستماع لشهادة الشهود أثناء المحكمة كالدوائر التلفزيونية المغلقة أو إستخدام خدمة الفيديو (Video Conference) وهي وسائل تحتاج لتوفير شبكة إتصالات ذات تقنية عالية تضمن إستمرار إدلاء الشهادة أثناء سير المحكمة دون إنقطاع. أستمدت هذه التشريعات شرعيتها من إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة للعام 2000 الفقرة 18 والمادة 24 وإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد للعام 2003 المادة 46 وهي إتفاقيات تشجع الدول على سنن تشريعات تسمح بإستخدام التقنيات الحديثة لحماية الشهود. فيمكن الإستفادة من تلك التجارب وتطوير تشريعات وتدابير تضمن حماية وسلامة الشهود وأسرهم.
الحديث عن سن التشريعات وإصدار القوانين التي تضمن الحقوق وتصونها وتوفر الحماية للشهود وحدها لا تكفي، فلابد ان يتبعها إصلاح كامل في النظام العدلي والشرطي، وإلغاء للحصانات وتسهيل الوصول للعدالة وإزالة كل العقبات التي تحول دون ذلك سواءً كانت إجرائية، أو تشريعية أو لوجستية. كما يتطلب تعديل لكل القوانين المخالفة للدستور وللمواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان. وتدريب وتأهيل منفذي القانون من شرطة وجيش ودعم سريع وغيره من القوات
سيظل ملف قصاص الشهداء وتحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب من الملفات التي تحتاج من الجميع متابعتها والإنتباه لكل شاردة وواردة ومنع كل ما يعيق سير العدالة وتحقيقها أو يفتح الباب لإفلات الجناة من العقاب. كما سيبقي شهداء الثورة السودانية في ذاكرة ونبض كل ثائر وثائرة، وسيظل القصاص مطلب يتصدر الأجندة الوطنية والمطلبية والحقوقية ويتوق الجميع لتحقيقه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *