صالح محمود: هناك مخاطر تواجه التحول الديمقراطي ومسارات السلام ستخلق بؤراً للصراع

الخبير القانوني والحقوقي صالح محمود في حوار مع (مدنية نيوز):

* هناك مخاطر وتحديات تواجه عملية التحول الديمقراطي في السودان

* طريقة المسارات لتحقيق السلام ستؤدي إلى خلق بؤر جديدة للصراع

المحكمة الجنائية الدولية هي المكان المناسب لمحاكمة البشير

* مكونات قوى الحرية أصبحت مندمجة مع مصالح المجلس العسكري

* المؤتمر الاقتصادي تضليل للرأي العام وتبديد للمال

حوار: عازة أبو عوف

كشف الخبير القانوني والمدافع عن حقوق الإنسان صالح محمود، عن تحديات ومخاطر تواجه عملية التحول الديمقراطي في السودان أبرزها وجود قوانين مقيدة للحريات ومشاركة العسكر في السلطة وكيفية إدارة الشأن العام للدولة والطرق المتبعة للوصول للسلام.

 واعتبر صالح محمود، أن مناقشة القضايا العالقة التي يجب مناقشتها عبر المؤتمر الدستوري تم الالتفاف عليها عبر ما يسمى بالمسارات، ورأى أن المسارات ستؤدي إلى خلق بؤر جديدة للصراع، وأشار بذلك إلى قضية شرق السودان.

(مدنية نيوز) جلست في حوار مع صالح محمود، حول تحديات الانتقال الديمقراطي، ورؤاه للواقع الماثل فإلى ما جاء في الحوار:

* كيف تنظر لعملية التحول الديمقراطي في السودان؟

 الوضع السياسي في السودان بعد مرور أكثر من (٦٤) عاماً على الاستقلال يدور في حلقة شريرة ما بين حكم عسكري وشبه ديمقراطي إلى عسكري مرة أخرى، والوضع السياسي في السودان اليوم رمادي ومزيج بين العسكر والمدنيين، والعسكر يسيطرون على مقاليد الحكم في السودان، والحديث بعد ثورة ديسمبر عن أن الوضع سيؤدي إلى تحول ديمقراطي غير دقيق، وعلى الرغم من وجود مساحة من الحريات إلا أن إحداث تقدم في التحول الديمقراطي مرهون بإبعاد المحاور والسلطة العسكرية عن الحكم، والتحول الديمقراطي الحقيقي لن يتم إلا عبر تحقيق مطالب الثوار، ومما لاشك فيه أن الديمقراطية هي الحل والمخرج من أزمات السودان  ولذلك يجب إيجاد حلول جذرية للعقبات التي تواجه الفترة الانتقالية والتحول الديمقراطي وضرورة حل مسألة سيادة حكم القانون وإدارة التنوع ووقف الانتهاكات، خاصة في ظل وجود حصانات للموظفين بالدولة وهو عامل رئيسي في انعدام الديمقراطية، حيث تسببت في عدم الوصول للعدالة.

* ما هي أبرز التحديات التي تواجه عملية التحول الديمقراطي؟

هناك مخاطر حقيقية تحيط بالوضع الراهن السوداني وتمنع الانتقال السلس، ووجود قوانين مقيدة للحريات منها قانون الأمن الوطني وقوانين سبتمبر لازالت سارية المفعول، وللأسف وزير العدل عندما أراد إجراء تعديلات في هذه القوانين لم يحدث تغييراً جذرياً.

*ما مدى جدية الحكومة في المصادقة على اتفاقيات تضمن حقوق الإنسان في السودان؟

الحكومة الانتقالية غير جادة في التوقيع على اتفاقيات هامة تتضمن حقوق المواطنين الدولية، أبرزها اتفاقية منع التعذيب واتفاقية (سيداو)، وهذا يعني أن الحكومة ضد حقوق المواطنين الدولية وضد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

* هناك تباينات في الرأي حول وجود المكون العسكري في السلطة ما رأيك؟

أولاً أريد أن أقول إن قوى الحرية والتغيير لم تلتزم بالميثاق الأفريقي لحقوق الشعوب وسمحت للمكون العسكري بالوجود في السلطة، وهذا مخالف للميثاق الذي يرفض وجودهم، مهمة (ود لباد) في السودان كانت تنحصر في تسليم السلطة من عسكر إلى مدنيين، لكن بعض مكونات قوى الحرية والتغيير دخلت في محاصصات مع العسكر وخانت المواثيق الأفريقية وتحول بعد ذلك ودلباد إلى وسيط.

* هناك انتقادات للوثيقة الدستورية نفسها، هل ترى أن تكوين المجلس التشريعي سيحقق نوعاً من التوازن؟

لاشك أن الوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي يشكلان عقبة في طريق التحول الديمقراطي، حيث أقرت الوثيقة للمجلس السيادي ومجلس الوزراء القيام بمهام تشريعية والتدخل لإجراء إصلاحات في المؤسسات العدلية مما يعني أن هذه المؤسسات ستكون عقبة في طريق التحول الديمقراطي، وهناك تخوفات من أن المجلس التشريعي المرتقب لن يكون له اختراق في مجال تعديل القوانين في مواجهة المجلس السيادي لأن مكونات قوى الحرية والتغيير (قحت) مصالحها أصبحت مندمجة مع مصالح المجلس العسكري.

* هل تعتقد أن المؤتمر الدستوري سيناقش جذور الأزمة السودانية واستحقاقات الانتقال الديمقراطي؟

 إن مسألة استحقاقات الفترة الانتقالية لها أهمية كبرى أهمها المؤتمر الدستوري، وحدوث التفاف فيما يخص قيام المؤتمر الدستوري نفسه عبر تمديد الفترة الانتقالية وبالتالي إن مهمته الأساسية المتمثلة في حسم القضايا ذات الصلة بقضايا خلافية أبرزها قضايا الهوية والاعتراف بالتنوع والتعدد الثقافي والإثني وقضايا التظلمات التاريخية حدث فيها استباق لإفراغ المؤتمر الدستوري من مضمونة الوطني السليم، وذلك عبر منبر جوبا وإدخال المسارات التي من شأنها أن تعقد الأمر وتخلق بؤراً للصراع.

* كيف تقيم أداء الحكومة الانتقالية؟

في رأيي أن الحكومة الانتقالية أصبحت تناقش قضايا ليست من مهام الفترة الانتقالية، وكان عليها التركيز على قضايا معاش الناس ومساحة الحريات والمصادقة على الاتفاقات الدولية ومخاطبة قضايا النازحين وسيادة حكم القانون وتوفير الاحتياجات والحقوق الأساسية من تعليم وصحة، لكن للأسف أصبحت الحكومة غير معنية بتلك القضايا وبالعكس رسخت لمفاهيم لا تخدم الشعب السوداني واعتمدت ذات المبادئ التي سمحت بإرسال الجنود إلى اليمن وليبيا ولم تلغ الاتفاقات السابقة التي وقعها النظام البائد المتمثلة في اتفاقيات تأجير الأراضي لدول لسنوات عديدة، فضلاً عن استمرار احتكار الدقيق والوقود لشركات بعينها حتى أن السلع التي لها علاقة بالأمن القومي وضعتها في يد أفراد. وأيضا الحكومة الانتقالية انصرفت عن مهمتها الأساسية وانشغلت بدفع أموال كتعويضات لضحايا المدمرة كول والديون من أموال الشعب السوداني، رغم أن المسؤولين عن هذه الجرائم هم المخلوع عمر البشير وأعوانه، إلا أن كل ذلك يدفع ثمنه الشعب.

* قضية السلام أولولية، لكن ما رأيك في طريقة الوصول إليه؟

لا شك أن السلام هدف قومي ولا يوجد عاقل يفكر في حل قضايا السودان العالقة بالسلاح، والطريق الوحيد هو الحوار والتفاوض والإقرار بحقوق الضحايا، لكن لايمكن إحداث سلام بالتجزئة عبر المنابر والاتفاقات المجزأة، والمنابر الحالية التي تتفاوض على السلام لم تخضع لمشاورات من أصحاب المصلحة بصورة كافية، وما نشاهده في شرق السودان هو أحد الشواهد وردود الفعل على ما يسمى بالمسارات، لذلك أكرر أنه من المتوقع أن تؤدي الاتفاقية إلى بروز صراعات جديدة، ومن هنا أريد أن أقول إن من حق الحركات المسلحة أن تتفاوض عن نفسها، لكن تفاوضها عن الناس هو الذي خلق عدم رضا من أصحاب المصلحة.

* هل ترى أن المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد الفترة الماضية سيؤدي إلى النتائج المرجوة منه بمعالجة الضائقة الحالية؟

 المؤتمر الاقتصادي ليس سوى تضليل للرأي العام وتبديد للمال العام، حيث أن مخرجاته تتناقض مع رؤية وسياسة الحكومة، خاصة فيما يتعلق بسياسة تحرير الأسعار وعدم اتخاذ رأي في الشركات الأمنية واستيراد المواد الضرورية وتشجيع الانتاج والانتاجية والاعتماد على الذات، وهناك ضرورة للتراجع عن سياسية التحرير الاقتصادي وسيطرة الحكومة على ملف استيراد السلع التي تربتط بالأمن القومي.

* كيف تنظر لأوضاع حقوق الانسان بعد ثورة ديسمبر المجيدة؟

لا شك أن هناك مساحة من الحريات لكنها مهددة بالانكماش في ظل وجود قوانين مقيدة للحريات وأخرى تمنع الوصول للعدالة، مثال لذلك قضية شباب مركز فيد الذين حوكموا بمواد الإزعاج العام، بالإضافة إلى ذلك حلق رؤوس الشباب كنوع من الانتقام.

* ما رايك في الاحتفاء بنهاية تفويض الخبير المستقل لحقوق الإنسان في السودان؟

الاحتفاء بنهاية تفويض الخبير وهم كبير، فهو منذ تحويل السودان للبند العاشر تحولت كل صلاحياته للبعثة الأممية وأصبح وجوده شكلي لإجراء إصلاحيات هيكلية في قوانين سبتمبر والنظام العام، إلا أن الحكومة الانتقالية لم تبد أي حماسٍ في التعامل مع الخبير المستقل، مما يؤكد أنها مستمرة في تنفيذ القوانين هذه.

* هناك مطالبات متكررة للجنة التحقيق المستقلة في مجزرة فض الاعتصام بتقديم تقريرها، في رأيك ماهي أسباب التأخير؟

أولاً أريد أن أؤكد أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، فلجنة نبيل أديب إذا لم تتوصل لنتائج عاجلة فالباب سيكون مفتوحاً لمنظمات المجتمع الدولي للتدخل، خاصة أن ما حدث يقع في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بحدوث جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، حتى إذا كانت النتائج غير مرضية فيمكن المطالبة بحضور لجنة دولية.

* في ظل الوضع الراهن، هل ترى إمكانية لتحقيق عدالة انتقالية؟

مجرد الحديث عن عدالة انتقالية في الوقت الراهن تضليل للرأي العام بسبب عدم وجود وضع انتقالي في السودان يسمح بذلك حيث يوجد في السلطة من ارتكبوا جرائم في حق المدنيين، وإضافة إلى ذلك فإن اتفاقية جوبا ليست شاملة، فلذلك أريد أن أؤكد أن طريق العدالة الانتقالية محفوف بالمخاطر وتحديات كثيرة تتمثل في استقرار الضحايا في قراهم الأصلية وضمان أمنهم وسلامتهم، لكن حتى الآن لم يتم نزع أسلحة المليشيات ودمجها في القوات المسلحة، بالإضافة إلى ذلك هناك مطالب مبدئية للضحايا أبرزها تسليم البشير والمسؤولين عن جرائم الإبادة في دارفور للمحكمة الجنائية الدولية، وما يدور عن التسليم ورفض التسليم مخالف لمطالب الثوار خاصة أن هناك مطالب بمحاكمته بالداخل، وفي رأيي لو تمت محاكمته في الداخل ستكون محاكمات بلا عقوبة بسبب القوانين والعمر، ولذلك المكان المناسب هو المحكمة الجنائية فالقضاء السوداني لا يملك تفويضاً أعلى من المحكمة الجنائية.

Photography: Ayman Mastour

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *