البنات غير آمنات .

بقلم: حيدر المكاشفي

(البنات في السودان غير آمنات)، هذا ما قالته هالة الكارب المديرة الإقليمية للمبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الإفريقي المعروفة اختصارا بـ(صيحة)، وقد صدقت. وكانت هالة قد خاطبت الأسبوع الماضي احتفال شبكة صيحة باليوم العالمي للبنات، وهو اليوم الدولي الذي أعلنته الأمم المتحدة وخصصت له تاريخ الحادي عشر من شهر أكتوبر من كل عام للاحتفال به، لدعم الأولويات الأساسية من أجل حماية حقوق الفتيات والمزيد من الفرص لهن لحياة أفضل، وزيادة الوعي من عدم المساواة التي تواجهها الفتيات في جميع أنحاء العالم على أساس جنسهن. وتطرقت هالة في خطابها بهذه المناسبة العالمية للتحديات التي تواجه عمل البنات في السودان، ولفتت إلى أن البنات في السودان غير آمنات، ولا تتوفر الحماية لهن في بيئة العمل. وطالبت الكارب بتوفير بيئة خالية من العنف القائم على النوع الاجتماعي والعادات الضارة. ويذكر أن احتفال (صيحة) بهذا اليوم العالمي جاء تحت شعار (أدوا البنات فرصة، وصوتي مستقبلنا المتساوي)، وشاركت منظمات وجمعيات نسوية وأطباء في الاحتفال الذي اشتمل على إقامة مبارة في كرة القدم النسوية.
استوقفني في حديث المديرة الإقليمية لـ(صيحة)، قولها إن البنات غير آمنات، فتلك حقيقة تستوجب التوقف عندها، والتصدي لها وحسمها، لتوفير الأمان للبنات في كل مكان، في العمل والشارع والمواصلات، في مدرجات الدرس، بل وأين ما كُن. وتُعيد إشارة الأستاذة هالة الكارب لعدم أمان البنات في السودان إلى ذهني تداعيات كثيرة عن هذا الموضوع المُقلق؛ فقد وضعتني مقادير العمل الصحفي أمام حكايات شتّى مُفزعة عن ما تُلاقيه الفتيات من عمليات ابتزاز وتحرُّش؛ بيد أنني سأكتفي في هذه العجالة بواحدة من تلك الحكايات، ولم أتخيَّرها اعتباطاً، وإنما لأنَّ البنت نفسها يمكن أن تؤدِّي الدور الرئيسي في مكافحة هذه الظاهرة القذرة، إذا ما تحلَّتْ بالجرأة والشجاعة، لكشف وفضح المُبتز والمُتحرّش والاقتصاص منه قانوناً. والحكاية تروي عن تعرض طالبة بالمرحلة الثانوية للتحرش من أحد أساتذتها، فتصدَّت له هذه الطالبة الكنداكة وفضحته وكشفته للجميع بنشرها لبوست عن محاولته الدنيئة معها ومع غيرها من زميلات أخريات بمواقع التواصل الاجتماعي، كما وقفت بقوَّة في وجه إدارة مدرستها التي خيَّرَتْها بين أن تحذف ما كتبته وتعتذر لأستاذها المُتحرّش، أو أن تُفصل من المدرسة، فاختارت بإباء وشمم الحرائر تفضيل خيار الفصل على الاعتذار لهذا الوحش. وتعيد هذه الحكاية المؤسفة مقروءة مع حديث الأستاذة هالة إلى الواجهة قصص التحرش التي لم تنفك النساء من التعرّض له، سواء كان ذلك بمؤسسات العمل أو دور العلم أو في المواصلات وأماكن التجمعات، وأذكر في هذا الخصوص على سبيل المثال، أن مدير جامعة الخرطوم كان قد شكّل لجنة تحقيق لأحد الأساتذة لاتهام ستِّ طالبات له بالتحرش بهنَّ ومحاولة ابتزازهن، وشخصياً كنتُ قد وقفتُ قبل عدَّة سنوات على قضية تحرُّش مؤسفة مماثلة كانت ساحتها ذات جامعة الخرطوم، كان ذلك حين زارتني بمكتبي بالصحيفة التي كنت أعمل بها وقتها عددٌ من طالبات هذه الجامعة، وشكون لي مرَّ الشكوى من المضايقات والإيحاءات والتلميحات الجنسية التي تكررت من أحد أساتذتهن إزاءهن.
المهم الآن بعد أن تكرّرت حوادث التحرّش بصورة لافتة وخاصة في دور العلم والعمل، أن يتم كشف هويات هؤلاء اللعوبين المستهترين عديمي الأخلاق والضمائر، حتى تنتبه إدارات في دواوين العمل والجامعات والمدارس ولتعلم بأنها ليست سوحاً للقديسين والملائكة. ومن الجائز جدّاً بطبيعة البشر أن يكون بين صفوف الموظفين والأساتذة ذئاب وثعالب تتخفى تحت مسوح الدين، وتلبس قناع الواعظين، وتتدثر بروب العلماء، وربما يكونون قد نجحوا في الإيقاع ببعض الضعيفات، فلا أحد يعلم على وجه الدقة ما إذا كانت مثل هذه التحرشات فردية ومعزولة، أم أنها منتشرة ومستشرية؟ ولكن ضحاياها آثرن التكتم والستر، وقد لاحظت ذلك من الخوف والتردد الذي اعترى من اتصلن بي، خوفاً على سمعتهن أولاً ومصيرهن التعليمي ثانياً، وقد تأكد لي ذلك بعد أن عرفت ممن زارني من طالبات أن الخوف على السمعة والمصير التعليمي، هو السبب الذي منعهنَّ من رفع الأمر إلى عمادة الكلية أو الإدارة، خاصة أن التحرُّش والابتزاز يتخذان أشكالاً وأساليبَ وصوراً يصعب إثباتها، سواء كانت كلمات أو حركات غالباً ما تأتي في صورة تلميحات وإيحاءات حمّالة أوجه، يمكن أن يلتبس فهمها وتفسيرها وتُحمَل على حسن الظن والنية، كما أن التحرُّش عادةً يقع في خلوة، إذ من الطبيعي أن تذهب طالبة لأستاذها في مكتبه، لشأن أكاديمي أو حتى غير أكاديمي، أو أن يستدعيها هو إلى مكتبه، وفي هذه الحالة تؤثر الطالبة لعق جراحها والتكتم على الأمر، فذلك يبدو مناسباً لها أكثر من إثارته. وعموماً هذه قضية مهما كان حجمها ــــ كبيراً أو صغيراً ــــ يجدر الانتباه إليها، خاصةً في دور العلم والعمل التي لا ينبغي أن يقتصر دورها على تقديم العلم وحسب، بل قبل ذلك لا بدَّ أن تُقدِّم القدوة والأخلاق، ومن أبرز الإشكاليات التي تواجهها النساء في المجتمع السوداني في قضايا التحرُّش هي ثقافة (لوم الضحية)، لتبرير التحرُّش ضد النساء.
وبسبب هذه الثقافة المهيمنة على المجتمع، يتحول جزءٌ كبيرٌ من النقاش في الرأي العام حول كل واقعة من وقائع التحرش داخل المؤسسات عن أسباب تكتُّم ضحية التحرش عن حادثة الاعتداء التي تعرَّضت لها، أو حتى تأخُّرها في الإعلان عنها أو الشكوى ضد من ارتكبها.
ويُعتبر شعور الخوف من نظرة المجتمع لضحية التحرُّش، وإلقاء اللوم عليها في أغلب الأحيان، العامل الأول للسكوت عن الحادثة؛ فالتكتُّم عن هذا الموضوع يكون بسبب الخوف من الانتقادات التي يمكن أن تحوّل الضحية إلى شخص مذنب، إضافة إلى أن الوعي وعمر الضحية يؤدي دوراً في مدى سكوتها عن واقعة التحرش من عدمه، وهنا يجب أن يكون للمنظمات والنشطاء دورٌ في رفع مستوى الوعي حول قضية التحرش، وعدم إهانة الضحية لذاتها، واعتبار ما حدث لها انتهاكاً خطيراً بحقِّها لا ينبغي التنازل عن الشكوى ضده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *