أزمة الدواء .. خلو أرفف الصيدليات ومعاناة المرضى تتصاعد

قضية تطرحها: هانم آدم

(أصبحنا نبيع مستحضرات التجميل بدلاً عن الأدوية)، كلمات أطلقتها صيدلانية بإحدى صيدليات مدينة الخرطوم بحري، وهي تشير إلى خلو أرفف صيدليتها من الأدوية تعبيراً عن أزمة الدواء في السودان، الأمر الذي جعلها تهتم ببيع أدوات التجميل عوضاً عن الدواء.

حالٌ يغني عن السؤال، هو ما تعاني منه معظم الصيدليات في العاصمة الخرطوم، وأصبح شح وندرة الدواء هي السمة السائدة بالصيدليات، في ظل تزايد شكاوى المواطنين من انعدام الكثير من الأدوية، وتوجه عدد من أصحاب الصيدليات للاهتمام ببيع أدوات التجميل فقط.

إغلاق بعض الصيدليات

وحسب صيدلاني آخر فإن الدواء صار غير متوفر تماماً، وأصبح الأمر أكبر من طاقة المواطنين والصيادلة على حد سواء مؤكداً حديث زميلته السابقة بأن معظم الصيدليات تعمل على بيع المتوفر لديها وهي أدوات التجميل وليس الدواء، وأشار إلى اضطرار عدد من الصيدليات على الإغلاق لتجنب الخسارة.

معاناة المرضى

وكشفت جولة لـ(مدنية نيوز) على عدد من الصيدليات أمس الأول، عن أزمة حقيقية بالأدوية شملت حتى الأدوية المنقذة للحياة، وتلاحظ تطابق حديث معظم المرضى حول رحلة بحثهم عن الدواء بصيدليات مختلفة، ووقفت (مدنية نيوز) على حالة المواطنة (حنان)، والتي دخلت إلى إحدى المستشفيات بتسمم حاد، ولم يجد مرافقوها المحاليل الوريدية التي تحتاجها قبل إدخالها إلى الغسيل المعوي، فاضطر الطبيب لإجراء الغسيل المعوي نسبة لتأخر وصول المحاليل، والتي وُجدت بعد عناء وبحث بإحدى الصيدليات، غير أن انتظار (الصف) بالصيدلية للحصول على المحاليل، أخرهم عن توصيلها في الوقت المناسب.

وقالت مواطنة أخرى لـ(مدنية نيوز) إنها بحثت في عدد من الصيدليات عن دواءٍ يخص والدتها؛ ولكنها لم توفق في الحصول عليه، فأشار إليها معارفها بالتوجه لإحدى الصيدليات، وأضافت بسخط شديد: (عندما وصلت تفاجأت بصفوف الدواء، واستغربت من أن كل مستلزمات الحياة الضرورية صارت عبر الطوابير).

ومن جانبه نفى صاحب شركة أدوية – فضل حجب اسمه- في حديث لـ (مدنية نيوز)، انعدام الدواء بالصيدليات، وقال إن الدواء موجود، والتصنيع المحلي تصل نسبته إلى (70%) والمستورد (30%).

وأرجع صاحب الشركة أزمة الدواء الحالية لارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه السوداني، وأضاف: (بدأ ذلك في العام 2018م عندما وُضعت تسعيرة الدواء بالسعر القديم، وقتها كان سعر (البندول) يتراوح ما بين (5،7،10) جنيهات، هذا الأمر يشكل خسارة بالنسبة للشركات، فالحكومة لا توفر الدولار، والشركات اشترت الدواء من دولار السوق السوداء).

انعدام الرقابة

وأشار ذات صاحب الشركة إلى أنه بعد مجيء الحكومة الحالية، وتحديداً في فترة وباء (كورونا) حدث إقبال كبير على الدواء، فانعدمت الرقابة في فترة الحظر، خاصة وأن كثيراً من تجار الدواء بالسودان لا علاقة لهم بالصيدلة، ونتيجة لانعدام الرقابة؛ وجد تجار السوق الأسود ضالتهم لاسيما وأن الشركات لم تعمل طوال فترة الحظر البالغة (6) أشهر، وبالمقابل انتهت كل الأدوية التي كانت موجودة كاحتياطي، وصارت الشركات (تأكل من سنامها) ولا توجد تغذية جديدة، وحتى الشركات التي أجبرت على مواصلة عملها بتغذية الصيدليات بنسبة (10-15%) من أي صنف خلال يوم واحد تنتهي).

ورأى صاحب الشركة أن تلك النسبة قليلة جداً مقابل الاحتياجات اليومية للمرضى من الدواء، كما أن مجلس الأدوية والسموم لا يمكنه مراقبة (2300) صيدلية.

وأبدى مالك شركة الأدوية أسفه على أن من يقومون بهذا الفعل جزء منهم صيادلة لا إنسانية لديهم، حيث يقومون بتخزين الدواء ومن ثم بيعه بأسعار خرافية، وأبان أن أحد الأدوية من المضادات الحيوية بلغ سعره حالياً (300) جنيه، وفي الواقع هو لا يتجاوز (75)جنيهاً.

ورمى صاحب الشركة باللائمة على الجهات المختصة والتي تركت الأمر دون رقابة، بجانب عدم مصداقية بعض أصحاب المصانع والتجار، وتحسر على حال قطاع الدواء بالسودان، وذكر (لا يعدو الأمر سوى وجود الواسطة، فإذا توفرت، فإن الدواء سيكون متوفراً بصيدليتك، وإذا لم تتوفر فهنا تكمن الإشكالية)، ونبه إلى عدم الالتزام بأسعار الأدوية المحددة من المجلس القومي للأدوية والسموم.

وبدوره قدر تجمع الصيادلة المهنيين الندرة في الأدوية المسجلة بنسبة (70%) من الأصناف المختلفة، وكشف عن خروج غالبية شركات الأدوية البالغ عددها نحو (50) شركة كبيرة عن العمل، غير الشركات الوسيطة والأقل منها، مما أثر على السوق.

ووفقاً لتصريحات حملتها صحيفة (الصيحة) امس الأول، عن عضو تجمع الصيادلة المهنيين د.عوض عبد المنعم، فإنه لا توجد شركة مؤثرة عاملة حالياً عدا التي تعمل في المكملات الغذائية والفيتامينات، وذلك لأنها ملزمة ببيع تلك المكملات بالسعر الرسمي للدولار، وأشار إلى أن قيمة المبالغ التي صرفت على استيراد الأدوية من يناير الماضي وحتى الآن بلغت (13) ألف دولار فقط مقارنة بما صرف على استيراد الأدوية العام المنصرم والذي بلغ (300) مليون دولار، وتوقع حدوث ندرة حقيقية في مقبل الأيام بسبب عدم وضوح الرؤية من قبل الحكومة.

خروج الشركات

وكانت لجنة الصيادلة المركزية أعلنت في وقت سابق مغادرة شركة صن فارما الهندية المتخصصة في أدوية الأمراض النفسية والعصبية البلاد، وإغلاق المكتب العلمي لشركة جمجوم السعودية المتخصصة في أدوية العيون، وذلك بسبب الارتقاع المتزايد في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه. وأوضح بيان صادر من لجنة الصيادلة أن خروج الشركتين سبقه انسحاب شركة GSK الإنجليزية، واعتبر البيان خروج الشركات في ظل عدم مع عدم توفر بدائل لأدويتها كارثة حقيقية للمواطن.

أما الصندوق القومي للإمدادات الطبية، فقد كشف خلال تصريح نسب لمديرته عفاف شاكر في وقت سابق، عن توفير نحو (25) مليون دولار للأدوية المنقذة للحياة، عبر بنك االسودان المركزي، لكن اللجنة الاقتصادية بوزارة المالية اشترطت على الصندوق أن يدفع قيمة المبلغ بسعر السوق الموازي البالغ (240) جنيهاً مقابل الدولار الأمريكي.

وأشارت مديرة الصندوق طبقاً لموقع (مداميك) إلى أن الإمدادات طيلة الأعوام الماضية تقوم بتوفير الأدوية وفقاً للسعر الرسمي بالبنك المركزي، وهو (55) جنيهاً مقابل الدولار الأمريكي، ورغم ذلك طالب الصندوق وزارة المالية بدفع فرق العملة حتى لا تنهار المؤسسة أو تكون زيادة أسعار الأدوية في غير مقدور المرضى.

واعتبرت عفاف رفض المالية إشارة إلى اتجاهها لرفع يدها عن الدواء، وذكرت أنَّ الصندوق منذ يونيو الماضي لم توفر له الميزانية المخصصة للدواء، وأكدت محاولات الصندوق لسد الفجوات حتى لا تتفاقم أزمة الدواء.

وارجع مدير الإدارة العامة لشؤون الولايات بالصندوق القومي للإمدادات الطبية د.عبدالرحمن الجعلي، أمس الأول في الجلسة الإفتتاحية للورشة التدريبية التعريفية لمديري الفروع والمديرين الماليين، تدني الوفرة بسبب الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، ولفت للنهوض بالصندوق والمشاركة في إصلاح النظام الصحي وتوفير خدمة إمداد طبي مستمرة، وتوحيد سعر الدواء في جميع الولايات، ونبه لمطابقة الأسعار برئاسة أفرع الصندوق بالولايات بنسبة (100%) ومطابقة الأسعار بالمرافق الصحية بنسبة (90%).

وأكد الجعلي، ارتفاع التغطية بالمرافق الصحية إلى (88%) مقارنة مع الأعوام السابقة، وأشار إلى أن تغطية المستشفيات بأدوية العلاج بالقيمة بلغت (98%).

وينتج السودان (30%) من احتياجاته الدوائية محلياً، فيما يكلف استيراد المتبقي في المتوسط (600) مليون دولار سنوياً، تزداد صعوبة توفيرها عاماً بعد آخر بسبب سياسات حكومية كانت السبب في تراجع قيمة العملة الوطنية، وأخرى أدت لتراجع حجم صادرات البلاد، فتراجعت حصائل الصادر الواردة في خزائن البنك المركزي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *