صناعة الندرة ما بين رفع الدعم والتطبيع .

بقلم: محمد الصحابي
لعل هذا النهج كان قد برع فيه النظام المدحور وأجاده لتمرير سياساته الإقتصادية، يُضاف إلى ذلك تحسسه لتداعيات قراراته عبر قرون إستشعاره الأمنية،حيث كانت ثمرة نجاحته تُخلف بحوراً من الدماء وعديد الإصابات والاعتقالات، وتجلى ذلك في هبة سبتمبر المجيدة، والتي ما زالت البلاغات الجنائية مدونة (ضد مجهول) ولاعزاء لأسر الشهداء والحق العام على الرغم من أننا في ثورة الحرية والسلام والعدالة.
إذا انتهجنا مبدأ المراقبة والمتابعة بتجرد بعيداً عن العاطفي والتطبيل الفج، نجد أن حكومة الفترة الانتقالية (حكومة الثورة) مارست نفس النهج وبامتياز وللأسف الشديد يتم ذلك في عز نهار ثورة ديسمبر المجيدة التي أتت لترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، لتكون الشفافية والمساءلة والمحاسبة مرتكزاتها الرئيسية دون أدنى مرواغة أو إستمرار التطاول عليها، وبتفحص واقع تسيير الدولة في ملف الخدمات الأساسية (الدواء، الدقيق، المحروقات جازولين، بنزين،غاز) يتضح جلياً أن الشح في هذه الضروريات طالته يد التحكم بقصد وإحجام الحكومة عن القيام بالواجب المنوط بها تجاه توفير هذه الضروريات، بإحكام الدور الرقابي في سلاسل إمدادها حتى مرحلة التوزيع وما بعدها.
فالسؤال الموضوعي لماذا نُرجح أن الحكومة قد سلكت منهج صناعة الندرة؟ فالإجابة على ذلك تقودنا إلى سؤال آخر، هل خزينة الدولة فارغة فعلياً كما يُصرح المسؤولون بذلك؟ وبإسقاط ذلك على الواقع نجد أن الدولة لم تدفع للامدادات الطبية سوى 10 ملايين دولار من أصل 20 مليون دولار (راجع تحقيق جريدة الجريدة & بيان الصيادلة المهنيين)، وهذا مؤشر أن الدواء سيطاله التحرير، وأن طباعة الكتاب المدرسي تعترضه عقبة التمويل، وأن قطاع النقل والمواصلات لم يُدعم ببصات أو حافلات جديدة، وأن البند الأول (منصرفات تسيير دولاب العمل والمرتبات) شابها التقصير والتأخير، (راجع إعتذار السيدة وزيرة المالية للقوات النظامية)، واحتجاج مدراء الجامعات السودانية عند محاولة التراجع عن مرتبات وزير المالية السابق د.البدوي، والحال في المجلس القومي للصيدلة والسموم، وقد يكون هناك مالم يجد حظه من الرصد في الإعلام؟!.
إذا كان هذا واقع الحال، فالأسئلة الحقيقية فيما تُنفق الحكومة مواردها؟ وأليست تلك الضروريات تقع ضمن دائرة أولوياتها؟ وأليس التجنيب الذي كان يُمارس في العهد البائد قد أوقف تماما؟ أو تم الحد منه على أسواء الفروض؟ وهل لم يتوقف الصرف على مؤسسات وأجسام النظام البائد الهلامية؟ التي كانت تبديداً للموارد، وامتيازات لكوادر المؤتمر الوطني؟ فضلاً عن المرتبات والنثريات التي كانت تذهب للمجلس الوطني ومجلس الولايات وملحقاتهم من اللجان وخلافها، ولماذا رفضت الحكومة مقترحات اللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير؟ فضلاً عن عديد البدائل؟، ولماذا أصرت على تجريب المجرب والتمسك بالحلول الجاهزة؟ وهل تحسبت جيداً لتبعات قرارتها الخطيرة على شعبها؟ ولماذا تُكافئ صبره وجلده وتحمله للشدائد بمزيد من التضييق في معاشه؟ ولماذا تغافلت عن المناصحة؟ وآثار تلك الوصفات والروشتات الدولية المدمرة للدول والساحقة للشعوب؟ مجمل ذلك ألا يُدلل على أن للدولة موارداً رغم جائحة الكورونا لأنه لم تكون إحصائيات رسمية عن تبعاتها الإقتصادية، وبالمقابل هنالك دعومات أتت لصالح الوضع الصحي، عطفاً على ذلك يتأكد للمراقب بعمق أن فرضية صناعة الندرة سليمة هدفها إخضاع الشعب المغلوب على أمره جراء إهدار طاقته في صفوف الخدمات (عيش، وقود، غاز) وتهيئته لمسألة رفع الدعم أو ترشيد الدعم! كما تُصرح الحكومة،لأنه عندما تُحاصر بإنعدام الخيارات يمكنك القبول بأسوأ الخيارات! ولذلك ربطة موضوعية بمسألة التطبيع.
فبخلاف الآلة الإعلامية للدولة التي تُزين ذلك، يُساق الشعب للنظر إليها بشغف وترقب باعتبارها الخلاص من الجائحة الاقتصادية، ومفارقة الضائقة المعيشية والظروف الطاحنة التي تشهدها البلاد، فذلك يوضح أن الحكومة قد تطابق نهجها مع النظام المدحور في إدارة تلك الملفات الاستراتجية، ويوضح أن هناك خللاً جسيماً في منظومة إتخاذ القرار من خلال تضارب التصرحيات الوزارية والسيادية وتتناقضها مع الحاضنة السياسية فيما يتعلق بمسألة التطبيع، لذا قد تنجح الحكومة في تمرير سياساتها بنهج صناعة الندرة ولكنها سقطت في إمتحان الشفافية والمكاشفة! مع الشعب الذي حملها بتضحياته الجسام وبدماء شهدائه الطاهرة إلى سدة الحكم.!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *