الشفافية أولاً

بقلم: لمياء الجيلي

تابعنا خلال الأسبوع المنصرم صدور بيانات مُتضاربة ومُختلفة من مسؤولين ومؤسسات رسمية حول إعفاء أو عدم إعفاء مدير شرطة شرق النيل عقب العنف الذي تعرض له الثوار في مواكب الواحد وعشرين أكتوبر والذي راح ضحيته شهيدان من أبناء شرق النيل، نترحم على روحيهما، ونتمنى لأسرتيهما والشعب السوداني الصبر وحسن العزاء، ونتمنى عاجل الشفاء للمصابين.

أصدر والي الخرطوم أيمن نمر بياناً في التاسع والعشرين من أكتوبر، أعلن فيه خبر إقالة مدير شرطة شرق النيل وقائد القوة التي كانت في موقع الحدث للتحقيق معهم بواسطة النيابة العامة باعتباره أحد مطالب الثوار لفض اعتصام المنشية. عقب صدور بيان الوالي بساعات تناولت وسائل الإعلام بياناً صادراً من المكتب الصحفي بهيئة التوجيه والعمليات برئاسة الشرطة السودانية ينفي فيه خبر إقالة مدير شرطة شرق النيل ويكذب بيان الوالي، بل يستنكر ويشجب ويرى أن ما ورده الوالي من ترتيبات تفتقد للمنطق والترتيبات القانونية. وأوضحت الشرطة في البيان أنه لم يتم إبلاغ رئاسة الشرطة وهي المعنية بهذا الأمر من قبل مكتب رئيس الوزراء أو أي جهة أخرى، وأنه لم يصدر قرار إداري من رئاسة الشرطة بإيقاف المذكورين عن العمل وهو إجراء إداري بحت يقع في اختصاص الضابط الأعلى بحسب الحال، كما أنه يختلف عن رفع الحصانة والذي يُطلب من قبل النيابة العامة في حال توجيه اتهام محدد لأي من منسوبي الشرطة.

وعلى الرغم من أهمية الحدث بالنسبة للثوار والشعب السوداني، إلا أن بيان النفي لم يصدر من مكتب مدير عام الشرطة أو من رئاسة وزارة الداخلية، كما لم يصدر توضيح من والي الخرطوم، بل جاء بيان غاضب من قوى الحرية والتغيير وصفت فيه بيان الشرطة بأنه سابقة خطيرة تمثل ردة على ما جاءت به الثورة وما تسعى إليه المرحلة الانتقالية عبر أجهزتها المختلفة لإنجازه. كما دعت في بيانها رئاسة مجلس الوزراء وولاية الخرطوم ووزارة الداخلية ورئاسة قوات الشرطة للقيام بواجباتها بالسرعة اللازمة، لكشف ما حدث بالكامل والتحقيق فيه وفيما تبعه من تداعيات، والالتزام إلى ذلك الحين بإيقاف مدير شرطة محلية شرق النيل، وقائد الوحدة التي تواجدت في موقع الحادثة، إلى حين الفراغ من التحقيقات التي يجب إطلاع الرأي العام على نتائجها.

البيانات والبيانات المضادة تمثل قمة جبل الجليد للأزمة الحالية وحالة التخبط و(التوهان) و(روحان الدرب) للبعض، وتوضح الفجوة الكبيرة والعميقة، بين الأجهزة الرسمية المختلفة وحجم الاختلاف والتضارب في الرؤى، وتؤكد الحاجة الماسّة لإصلاح المؤسسات الشرطية والأمنية وتدريب أفراد تلك المؤسسات وتثقيفهم بحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية. هذا التضارب في البيانات وتبادل الاتهامات (تصريحاً أو تلميحاً)، يُصيب المواطن بالحيرة في أمره ويزيد قلق أسر الشهداء على حقِّ أولادهم والاقتصاص لهم ويفقدهم الثقة في مؤسسات يبحثون عن العدالة والأمن والأمان لديها. هذا التضارب أيضاً يزيد قلق الجميع على مستقبل العدالة وإمكانية تحقيقها، ويُضعف فرص ملاحقة الجناة ومحاسبتهم. ففي ظل هذه الهوة الشاسعة و(الجزر المعزولة) أو القطيعة بين المؤسسات التي تتلاقى مهامها وتتكامل أدوارها ويتطلب سير العمل فيها وجود تناغم وتوافق وفرص واسعة للتشاور والتشارك في اتخاذ القرارات أو متابعة تنفيذها، يصبح الحديث عن العدالة والإصلاح المؤسسي والتغيير الجذري داخل تلك المؤسسات ضرباً من ضروب الخيال يفتقر للواقعية والمهنية.

هذا التضارب في المواقف وفي تصريحات المسؤولين، والذي لم يكن الأول ولا أظنه سيكون الأخير؛ كشف ضعف قنوات التواصل بين الجهات المسؤولة وبين مؤسسات الحكم المختلفة؛ كما أوضح التأثير السالب لغياب الشفافية على الجميع. فغياب الشفافية وعدم توضيح ما يدور داخل أجهزة الحكم الانتقالي المُختلفة يفتح الباب على مصراعيه للمتربصين بالثورة وبحكومتها، وللحالمين بعودة النظام البائد، كما يساعد في بث الشائعات وانتشارها وضياع المعلومات السليمة وضياع فرص المحاسبة ومساءلة، وفرص الإصلاح بالتالي يعرقل مسار التحول الديمقراطي وتأسيس الحكم الراشد. فالشفافية ضرورية وهي عنصر أساسي من عناصر المساءلة وتُمكّن من الوصول إلى التقارير والمعلومات العامة وتجعلها متاحةً للجميع. والشفافية تساهم في توفير المعلومات وتسهيل الوصول اليها مما بمكن من تحليلها ويساعد في تحديد المسؤوليات، وبالتالي يقلل من فرص ارتكاب الأخطاء ويساعد في تداركها ومعالجتها أولاً بأول، فتتم حماية الموارد ومصالح الشعب السوداني من التعدِّي عليها أو الانتقاص منها دون وجه حق.

الأزمات التي تمر بها البلاد والمخاض العسير للفترة الانتقالية وخطط الحكومة والحاضنة السياسية لمواجهة تلك الأزمات وبالأخص الأزمة اقتصادية وما نتج عنها من غلاء في الأسعار وندرة وانعدام بعض السلع الأساسية أيضاً يتطلب مزيد من الشفافية والوضوح، وعدم إخفاء الحقائق، ويتطلب وضع كل المشاكل على الطاولة وطرح الحلول والرؤى المختلفة حولها؛ كما يجب إشراك الجميع في البحث عن حلول عادلة وعاجلة لمصلحة المواطن والوطن، ذلك عبر المنابر المختلفة وعبر الإسراع بتكوين المجلس التشريعي الانتقالي برلماناً للشعب وإكمالاً لهياكل السلطة الانتقالية.

إصلاح العلاقة بين مكونات السلطة الانتقالية المختلفة وبينها وبين الشعب، وإعادة بناء جسور الثقة بينهما يحتاج لحوار شفاف وصريح، لنضع أيدينا على موضع الجرح لتتم معالجته، وذلك من باب الحرص على الفترة الانتقالية وحكومتها، فلا مجال للرجوع إلى الخلف، ولا خيار أفضل من خيار الإصلاح، ودعم الحكومة الانتقالية بمزيد من النقد البناء وبمزيد من الرؤى والأفكار التي قد تُساهم في عبور الوطن إلى بر الديمقراطية والنماء بسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *