تشرد الأطفال.. سياسة وطنية جديدة وجهود لمعالجة الظاهرة

قضية تطرحها: هانم آدم

تظل قضية تشرد الأطفال من القضايا المحورية التي يشدد الناشطون والمهتمون بقضايا الطفولة على ضرورة معالجتها وإدماج أولئك الأطفال في المجتمع.

ووضع المجلس القومي لرعاية الطفولة، بالتعاون مع الوكالة الإيطالية للتعاون والتنمية وعدد من الجهات بينها الأطفال المشردون أنفسهم، سياسة وطنية جديدة لمعالجة مشكلة الأطفال المشردين.

وهدفت السياسة لوضع خارطة طريق للتدخلات والمعالجات المطلوبة لحل مشكلة تشرد الأطفال، خاصة أن الظاهرة صارت مؤرقة للجميع في ظل الأزمة الأقتصادية الراهنة التي تعيشها البلاد، والتي انعكست تداعياتها بصورة كبيرة على الواقع العام، وأفرزت العديد من الأشكاليات منها التشرد وبمختلف الأعمار، وأصبح منظر (الجيل الثالث) من المشردين بالشوارع مالوفاً نتيجة للتزاوج مع بعضهم البعض.

أوضاع المشردين

ووفقاً للوضع الراهن فإنه لا توجد إحصائيات حديثة للعدد الكلي للمشردين بالبلاد، وذكرت الدراسات الرسمية، أن آخرالإحصائيات لأعداد الأطفال المشردين في السودان للأعوام (2013ـ2016م) بلغت (15.085) وأن نسبة كبيرة منهم بولايات جنوب دارفور (23%)، ولاية الخرطوم (16%)، غرب كردفان (11%)، شمال دارفور(8%).

وتشير معظم الدراسات التي أجريت في هذا الخصوص الى ازدياد عدد الأطفال المشردين والفتيات المشردات، وإلى حرمانهم من حقوقهم واحتياجاتهم، كما أنهم أكثر عرضة لكثير من الأخطار الصحية والبدنية والنفسية، وإدمان المواد المخدرة، وحوادث العنف بكافة أنواعه، وغير ذلك من الانتهاكات.

قلق دولي

في أكتوبر من العام 2010م أشارت اللجنة الدولية لحقوق الطفل في ملاحظاتها حول تقرير حقوق الطفل في السودان إلى تزايد أعداد الأطفال المشردين في المدن الرئيسية بما في ذلك الخرطوم، وأنهم يكونون عرضة للإساءة الجنسية ولأشكال متعددة من الاستغلال، بالإضافة إلى العنف.

وأبدت اللجنة قلقها مما ورد في بعض التقارير من أن الأطفال المشردين غالباً ما يعتقلون أو يسجنون أو يرسلون إلى معسكرات مقفولة مثل طيبة أو الرشاد.

وتأسفت اللجنة لعدم توفر معلومات عن تأثير بعض الإجراءات مثل مبادرة حماية الطفل، والاستراتيجية القومية للقضاء على التشرد.

وأوصت اللجنة بان تقوم الدولة بخطوات فعالة تشمل معالجة الأسباب الجذرية لظاهرة تشرد الأطفال، وحمايتهم من أعمال العنف والاستغلال الجنسي وسواه من أشكال الاستغلال، بجانب التأكد من عدم معاملة الأطفال المشردين كمجرمين يخضعون للعنف أو الاغتصاب من قبل الشرطة، والعمل على إطلاق سراح الأطفال الذين أرسلوا إلى المعسكرات المقفولة أو إلى أماكن حجز أخرى وتسهيل إلحاقهم بأسرهم كلما أمكن ذلك.

وسائل أنجع

مرت سنوات على تلك التوصيات من قبل اللجنة الدولية لحقوق الطفل، إلا أن قضية التشرد وحسب مراقبين لوضعية الأطفال في الشارع تحدثوا لـ (مدنية نيوز) أمس، فإنها لم تراوح مكانها، وذلك على الرغم من وجود بعض التحركات والتي من ضمنها ترحيل أعداد كبيرة من المشردين والمتسولين لدولهم في وقت سابق، الأمر الذي يشير إلى ضرورة البحث عن وسائل أنجع لإغلاق منابع التشرد.

أول سياسة للتشرد

تعتبر السياسة الوطنية التي وضعت مؤخراً، أول سياسة وضعتها الجهات الحكومية في محاولة منها لمعالجة الظاهرة التي استفحل أمرها، لتصبح سياسة وطنية معتمدة لوضع خارطة طريق للتدخلات والمعالجات المطلوبة لحل مشكلة تشرد الأطفال، بجانب تمكين القائمين على أمر الأطفال من وضع حلول متكاملة تعمل على حماية ورعاية الأطفال المشردين، من خلال بناء وبلورة رؤية مشتركة لتتكامل الجهود وفقاً للتوجهات الاستراتيجية والاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية والمفاهيم القيمية للمجتمع.

واستندت السياسة علي العديد من المرجعيات منها: الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م، قانون الطفل 2010م، وأوليات الفترة الإنتقالية، وأهداف التنمية المستدامة (2010ـ 2030م).

واشتملت السياسة على (3) أجزاء بدءاً بالإطار العام والذي حوى مبادئ أساسية تضع مصلحة الطفل الفضلى في المقدمة، وموجهات عامة وأخرى متعلقة بالقطاع الرسمي والمجتمعي والأسري، ومنظمات المجتمع المدني، والأطفال.

كما فصلت السياسة المحاور الأساسية في جزئها الثاني، ولم تغفل الآليات المؤسسية المطلوبة لإنفاذ السياسة في الجزء الثالث.

فرص وتحديات

واستبشر واضعو السياسة الوطنية بوجود فرص متاحة لإنزالها على أرض الواقع، وأهم هذه الفرص تتمثل في قيام ثورة ديسمبر 2019م وما تبعها من حرية وانفتاح على العالم، وتباشير السلام القادم، بجانب صدور بعض التشريعات والقوانين التي اعتبرت التشرد ليس بجريمة، وتغيير الرؤية السلبية لهذه الفئة من الأطفال التي كانت تكمن في أن معالجة مشكلتهم تتمثل في خطورتهم على المجتمع وزيادة معدلات نتشار الجريمة، بدلاً عن اعتبارهم ضحايا مجتمع.

وبالمقابل لم يغفل واضعو السياسة عن وجود تحديات يمكن أن تواجه هذه السياسة، مثل الحروب والنزاعات الأهلية والكوارث الطبيعية داخل السودان والتي أدت إلى النزوح، وعدم وجود معلومات وإحصائيات حديثة عن تشرد الأطفال، وضعف التمويل المخصص لمعالجة مشكلة الأطفال المشردين.

نهج حقوقي

وقال الناشط الحقوقي ياسر سليم لـ (مدنية نيوز) أمس: إن السياسة تركز على الانتقال من النهج الاحتياجي للنهج الحقوقي للأطفال، وتغيير النظرة للمشردين من أنهم مجرمين لأنهم ضحايا يحتاجون لإعادة الدمج، ولم الشمل ومعالجتهم من الإدمان، وأن تكون الدور الإيوائية مفتوحة بدلاً عن أن تكون محروسة بعسكريين، وأضاف: (لو الدور محروسة بالعسكريين حتى الآن فهذا يعني وجود خلل فيها).

وأشار ياسر سليم، إلى أن السياسة تم إطلاقها وسيتم الدفع بها لوزيرة العمل والتنمية الاجتماعية للتوقيع عليها خلال الأسبوع القادم، وتوقع إقامة مشروع نموذجي يطبق في محلية أو محليتين.

سياسة عادلة

ومن جانبها أكدت وزيرة العمل والتنمية الاجتماعية لينا الشيخ، لدى إطلاقها تلك السياسة، على أهمية إجازة سياسة وطنية لمعالجة مشكلة الأطفال المشردين، تقوم على القضاء على النظرة التجريمية والتي كانت تقوم على المطاردات المؤلمة والعنف والحط من كرامة الأطفال المشردين.

ولفتت الوزيرة إلى ضرورة الانتقال لسياسة جديدة تقوم على العدالة، وأبانت أن الهدف من هذه السياسة هو أن تقوم كل التدخلات فيما يلي أولئك الأطفال على النهج الحقوقي والمبادئ الأساسية لحقوق الطفل.

وقالت لينا، إن السياسة تعتبر المرحلة الأولى من الهدف الكبير لمعالجة مشكلة تشرد الأطفال، وستكون المرحلة الثانية هي تطبيق المشروع النموذجي للمعالجة، وأبدت أملها في أن يتم تطبيقه في كل الولايات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *