التواؤم المدني.. وأطفال الشوارع..!

بقلم: مرتضى الغالي

من هنا يبدأ التواؤم المدني… طفل بين الثامنة والعاشرة من عمره كان يتحدث إلى مجموعة من الشباب في اعتصام الثورة العظيم أمام القيادة العامة للجيش فقال: “يقولوا علينا شمّاشة.. هل أنا شمّاشي؟ معقول؟ هل يرضيكم هذا؟ هل يرضيكم هذا”؟ وجعل يكرر هذه العبارة ومن حوله يرددون: أبداً.. أبداً.. فسقطت الدموع من عينيه وانخرط في بكاء صامت..وأسرع الشباب يجففون دموعه ويحملونه على الأعناق وهم يهتفون وهو يهتف معهم (مدنياااااو)..! ومصطلح الشماشة لفظ يطلقه السودانيون على ما يُعرف بأطفال الشوارع؛ وهم الأطفال فاقدو السند الذي ألقت بهم إلى الشارع (تحت الشمس) حالات التشتت الأسري الناتج عن الفقر وتداعياته وبعض الأمراض الاجتماعية الخبيثة..!
هذا المجتمع السوداني الجديد الذي ينشأ الآن في هذا الحراك الوطني الكبير هو الذي وجد فيه هذا الطفل لأول مرة من يسمع له وينفخ فيه روح الإنسانية والاعتبار..! ومع هذا فنحن أمام قضية كبرى لا بد من النظر فيها بعمق وتناولها بإخلاص وسبر أغوارها بجدية.. فيا لهذه الطفولة البريئة التي ألقينها بها للشارع متجاهلين أن هناك مجتمع كبير منهم (موازٍ) للمجتمع الذي على السطح..مجتمع كامل يعيش تحت الجسور ويهيم في الطرقات.. إنهم يعيشون في هامش الحياة.. في عاصمة البلاد ومدنها ..نصادفهم في بعض الأحايين فنضحك منهم مرة و(عليهم تارة أخرى)..أو نمر بهم عابرين.. وربما قسا بعض الناس عليهم وزجرهم وأسمعهم ما لا يحبون، وربما تصدّق البعض عليهم ببعض الكلمات الطيبة أو نفحوهم ببعض (الملاليم) والأوراق النقدية (من الفئة الصغيرة) التي خرجت من التداول بفضل اقتصاد تصنعه (وزارات الكفاءة) أو القوائم التي تصدر من (صنّاع السوق) ومقيمي الدولار…!
لقد أصبحنا نسمع عن صور استغلال أخرى مرعبة لهؤلاء البشر الصغار، الذين نسميهم (شمّاشة) ونتجاهل أنهم يمكن أن يكونوا عُرضة لاستغلال فظيع يدخل فيه (ما لا يُستلطف ذكره) من تجارة بشر ومن تعديات خارج نطاق الأخلاق والإنسانية أو من ترويجات للسموم وما هو أفتك منها.. أو ربما لاستغلالهم واستغلال هشاشتهم في أغراض شيطانية أخرى من أباليس البشر (أكثر هولاً ورعبا)..! وكل ذلك من جانب الآثار والنتائج التي قد تنشأ عن هذه الظاهرة، ولكن الأكثر إيلاماً أن المجتمع قد تجنّى على هذه الشريحة ولفظها خارج دائرة اهتمامه وقراراته و(ميزانياته) وخططه وبرامجه واستراتيجياته، وحرم هؤلاء البشر من الرعاية والتعليم والإنسانية.. ومن يدري أنهم إذا وجدوا ذلك لخرج من بينهم خبراء وعلماء ونوابغ في شتى ضروب العلوم والمهن والفنون والإبداع..!
لقد أغلفنا (نحن كمجتمع) هذه الظاهرة التي لن ينتج عنها إلا الشرور و(القنابل الاجتماعية الانشطارية) ولن نتحدث عن دور السلطات المختصة فهذه لا شأن لها بهؤلاء الناس..وأياديها أنظف من أن تلامسهم ..ومهامها أهم وأعلى من تناول مثل هذه القضايا.. ولا تقل لي أن هناك وزارات أو إدارات اسمها الرعايا الاجتماعية..أو (تزكية المجتمع) أو غيرها من اللافتات يمكن أن تضع قضايا هذه الشريحة في أولوياتها مع حالة الضيق الاقتصادي العام والأولويات التقليدية .. ولا تقل لي إن هناك جهة حكومية سعت أو عملت بجدية لمعالجة جذور هذه المشكلة المؤرقة التي (تطرد النوم من العيون) أو أنها اجتهدت في إغلاق المنابع التي (تفرِّخ الشمّاشة) أو معالجة الأسباب التي تدفع ببعض الأولاد والبنات الإيفاع إلى قارعة الطريق بلا سند..وتجعل منهم شمّاشة.. لتصبح حياتهم بين (الخيران وتحت الجسور) وإلى (مزابل القمامة.. وبالعكس)..!
كيف نكون نظرة هؤلاء الأطفال والصبايا تجاه المجتمع؟ وهل نعتقد جميعنا أن هؤلاء الشمّاشة سيظلون صغاراً ولا ينطبق عليهم قانون النمو الطبيعي والتقدّم في العمر..؟! هل تابعنا حال من أصبحوا الآن في طور الشباب والذين تعدّوه.. أين هم؟ وكيف أصبح حالهم؟ وماذا يفعلون؟ ؟! هل يمكن تصور أنهم يمكن أن يندغموا في المجتمع سالمين من الأمراض الاجتماعية الوبيلة والغبن الحبيس المتراكم والأوضار النفسية التي نشأوا عليها ورضعوا هواءها في الخيران والأنفاق والحرمان..؟!
هذه قضية خطيرة يحتشد فيها كل ما يمكن وما لا يمكن تخيّله من الخطايا والمخاطر والمظالم.. وإذا كانت النعامة فعلاً وكما يُقال تدفن رأسها في الرمال توهماً بأن العدو لا يراها، فإنها هي التي غيّبت نفسها عنه..! وربما كانت حالتنا مع هؤلاء الضحايا أسوأ حالاً في (التعامي النعامي) عن هذا الخطر الداهم والتقصير المروّع..!
ومع عجز الدولة وأجندتها وأولوياتها وغلبة الروتين والبيروقراطية الضارة على حركتها، ومع غياب آلية البحوث والدراسة عن قراراتها وعملها اليومي وجفاف ميزانيتها من الرعاية الاجتماعية المباشرة للفئات المسحوقة في المجتمع والذين وقع عليه الضرر الأكبر من التهميش طوال سنوات الحكم العسكري الشمولي.. لا بد أن يكون الالتفات إلي منظمات المجتمع المدني التي يتوجّه اهتمامها الأكبر نحو القواعد الشعبية (Grassroots) وبالفعل فإن هذه المنظمات المدنية أولت عنايتها البحثية والعملية لهذه القضية منذ وقت مبكّر ورصدت دراساتها حجم هذه المعضلة المتعلقة بأطفال الشوارع، بل أقامت منظمات تخصّصت في شؤون الطفل ومنها أطفال الشوارع والأطفال خارج المدرسة والأطفال فاقدو السند، وهي قضايا تتفرّع منها قضية طفلات الشوارع و(الأمهات الطفلات). ومن المعلوم بحسب التقاليد والأعراف المُنحازة والثقافة الذكورية السائدة أن مشكلة طفلات الشوارع أفدح من مشكلة أطفال الشوارع الذكور لما هو معلوم من هشاشة أوضاع النساء إجمالاً في المجتمع ونصيبهن المغبون في العمالة والتوظيف وفي حرية الحركة وفي التشريعات..الخ
ألا تحتاج هذه القضية الشائكة إلى الاهتمام اللائق والبداية الجادة لمعالجة واقعها الراهن وجذورها ومنابعها حيث لا يمكن الإغضاء عنها باعتبار أنها يمكن أن تختفي تلقائياً وتحل نفسها بنفسها.. وهي خطر ماثل يزداد اتساعاً كل يوم..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *