ثوابت الأمّة وخطوطها الحمراء!!

بقلم: خالد فضل

في مناسبة الشروع في مباحثات السلام مع قوى الكفاح المسلّح يقول د. حمدوك ؛ رئيس الوزراء في السلطة المدنية الانتقالية: إننا نتوجه للسلام بذهن وقلب مفتوحين, واستعداد تام لمناقشة كل القضايا, فليس هناك خطوط حمراء تمنع مناقشة أيّ موضوع؛ ثمّ في مناسبة الشروع في خطوات إنهاء حالة العداء مع دولة إسرائيل يقول د. عبد الباري وزير العدل في ذات السلطة: إنّه لا يوجد ما يسمى بثوابت الأمّة.

هذان التصريحان الصادران عن مسؤولين اثنين بارزين في السلطة المدنية الانتقالية يميزان بوضوح أنّ السودان تحت القيادة المدنية يتجه فعلاً إلى التقدّم في مسار حلحلة القضايا التاريخية التي أقعدت بلادنا منذ الاستقلال وأوصلتها إلى هذا الدرك السحيق من التردي مما نعيشه حالياً, نقول بهذا على الأقل نظرياً, فماذا عن واقع الحال؟

بدأت في جوبا قبل أيام المفاوضات غير الرسمية بين وفدي الحكومة والحركة الشعبية شمال قيادة عبدالعزيز الحلو, فيما عُرف بالورشة التحضيرية لمناقشة القضايا الرئيسة محل الخلاف والتي قادت فيما مضى لتوقف المفاوضات, ونظام الورش التحضيرية هو ما توصل إليه د. حمدوك والقائد الحلو في إعلان المبادئ الموقع بينهما في أديس مطلع أكتوبر الماضي. ولكن انتهت الورشة دون الإتفاق على توصياتها الختامية، هنا يطفر السؤال مجددا حول ثوابت الأمّة وخطوطها الحمراء المزعومة, فالموضوع محل الخلاف هو مسألة فصل الدين عن الدولة؛ وهي العقدة الأساسية في التفاوض بين الطرفين, ولأنّ رئاسة وفد التفاوض الحكومي يتسنمها العسكريون الجنرال حميدتي وصنوه الكباشي, فإنّ السؤال البدهي هو: هل ما يزال العسكريون في المربع الوهمي القديم مربع ثوابت الأمّة وخطوطها الحمراء؟ وأين رأي القادة المدنيين عن الأفق المفتوح وتبدد وهم الثوابت؟

لقد كانت الورشة بمشاركة مسهلين من دول ذات تجارب مشابهة لأوضاع السودان، وبحسب علمي فإنّ النموذج التركي لمعالجة القضية كان هو الأنسب للأخذ به، وفي اللحظات الأخيرة بعد التداول رفض الفريق الكباشي التوقيع على التوصيات مما قاد لانهيار الإجتماعات ولتبدأ جولة جديدة من جهود الوساطة فيما يبدو . ولا أدري _ إن صحّ تعنّت الكباشي _ على أي شي يعتمد في رفضه لحل العقدة ومن ثمّ الإنطلاق للتفاوض وفق رؤية متفق عليها مسبقا وهذا يقود إلى سهولة وقصر الوقت الذي يستغرقه التفاوض والوصول إلى ابرام اتفاق سلام يغطي جوانب النقص في اتفاق جوبا السابق الموقع مع الجبهة الثورية بفصيليها، واعتماد النموذج التركي في تقديري خيار موفق باعتبارات عديدة، وشواهد حاضرة، فتركيا دولة تقطنها غالبية مسلمة، ولكن دستورها الحاكم يعتمد العلمانية وفصل الدين عن الدولة دون أن يجرؤ أحد للإفتاء بأنّ الشعب التركي (غير مسلم) لأنّه لا يحكم بالشريعة !! كما أنّ الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان تولى منصبه في الإنتخابات العامة عن حزب إسلامي، بل تعتبر تركيا حاليا من أكبر الداعمين لحركات الإسلام السياسي في المنطقة وهي معقل الإخوان المسلمين، ومنها تنطق كل وسائل الإعلام الموالية لهم بما في ذلك إسلاميي السلطة المبادة في السودان، رغم ذلك يؤكد أردوغان في كل مناسبة ولاءه للدستور ( العلماني) وعند زيارته للقاهرة عقب فوز جماعة الإخوان بمنصب الرئيس وتولي محمد مرسي يرحمه الله للرئاسة ، تمّ استقباله باعتباره بطلا إسلامويا، واحتفت به الجماعة أيّما إحتفاء، فهو ربما يذكرها ب(الخلافة الإسلامية) وهي تميمة عزيزة للجماعات السلفية الإسلامية التي تعيش في عالم السلف) أي الماضي، وفي محاضرته التي ألقاها بحضور قيادات الجماعة ، عاد أردوغان ليؤكد على ضرورة (علمانية الدولة وفصل الدين عن الدولة ) ونصح جماعة الإخوان بتبني العلمانية في إدارة الحكم !! هنا بُهت دعاة تديين السياسة وتسييس الدين، وأسقط بين يديهم، همهم من همهم منهم، وفي ختام زيارته لم يكترثوا بتوديعه بمثل ما استقبلوه به من حفاوة. التجربة التركية حاضرة وعملية لمن يتجه للسلام بأفق مفتوح، ولمن لا يتوهم أنّ هناك ثوابت للأمّة، فالثابت إن وجد ينبغي أن يكون (حقوق الإنسان) كما أقرتها العهود والمواثيق الدولية التي يعتبر السودان طرفا فيها، والخط الأحمر إن وجد ينبغي أن يكون هو (الحكم العسكري)؛ فما ضاقت بلادنا بما رحبت إلاّ بتسلط العسكريين وخاصة عسكريي جماعات الهوس الإسلامي، فهل في الشق العسكري من السلطة الانتقالية من يدافع ويذود عن ذيول وعوائق ومتاريس العهد المباد؟ وهل من يتخذ هذا الموقف يمكن أن يسهم في إحلال السلام وإيقاف الحروب في البلاد؟ أليس من المنطقي والمعقول في هذه الحالة أن يعود ملف السلام إلى وضعه الطبعي كإختصاص صميم للسلطة التنفيذية المدنية ويقتصر دور العسكريين في مهامهم وواجباتهم المحددة والمتعلقة بحماية الحدود وحفظ الأمن لأنّ قضايا السلام والحرب هي شؤون حكم مدني يحتاج حلّها إلى قلب وذهن مفتوحين وإلى أفق ينطلق صوب الحلول العادلة والنهائية دون التمترس خلف سراب أوهام مدعاة تحت مسمى ثوابت الأمة. أين هي هذه الأمة ذاتها في الحقيقة؟ نحن في مرحلة بناء أمّة سودانية ووطن اسمه السودان، والسلام هو ساس ذاك البناء، ولن يقدر على انجازه من يتلفت إلى الوراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *