التعليم العالي .. أدوار منتظرة لبناء السلام والتحول الديمقراطي

الخرطوم: هانم آدم

أدوار مختلفة يعول على التعليم العالي أن يؤديها، خاصة في المرحلة الحالية (ما بعد التوقيع على اتفاقية السلام والتحول الديمقراطي)، لإنزال ما تم الاتفاق عليه إلى أرض الواقع.

فمراكز السلام والتنمية الاجتماعية بالجامعات السودانية، ينتظر منها أن تسهم في أداء أدوار متعددة للبناء القومي للسلام، بجانب تسخيرها للعلوم من أجل التنمية  المستدامة في مناطق النزاعات في السودان، وتعزيز ونشر ثقافة السلام.

وهذا ما سعت وزارة التعليم العالي لمناقشته مع كافة الجهات  المعنية ببناء السلام وإنزاله لأرض الواقع، من خلال ورشة عمل حول (دور التعليم العالي في بناء السلام)، سعياً منها لوضع النقاط على الحروف، لتترك تلك المراكز بصمة واضحة في طريق السلام.

لا تنمية بلا سلام

وقطعت وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي انتصار الزين صغيرون، لدى مخاطبتها الجلسة الافتتاحية للورشة الثلاثاء الماضي بالقاعة الكبرى بالوزارة، بعدم وجود تنمية  في غياب السلام، ولفتت إلى أن السلام في انتظار العائدين والموجودين بالمعسكرات، وأكدت أهمية دور كليات تنمية المجتمع ومراكز السلام في نشر ثقافة السلام في السودان، وربطهما لإكمال الأهداف المرجوة.

وأشارت الوزيرة، إلى وجود (17) مركزاً للسلام في العديد من الجامعات، ودعت للاهتمام بتلك المراكز، وكشفت عن تصديق الوزارة لكل مراكز السلام وكليات تنمية المجتمع بمبلغ يساهم في دفعها للأمام.

تحديات

 ومن جانبه أقر الأستاذ بجامعة بحري بروفيسور جمعة كندة، بوجود تحديات تواجه عملية التحول من مرحلة التفاوض لإنزال اتفاق السلام على أرض الواقع، ووصفها بالأقوى والأصعب.

وشدد كندة، على ضرورة أن تكون هذه الاتفاقية شاملة بمعناها الحقيقي، وأن تضم كل مكونات الكفاح المسلح حتى يكتمل السلام، ودعا للتفكير في إنشاء شبكة لمتابعة وتقويم تنفيذ الاتفاقية كما جاءت في جداولها.

 وقال كندة، إن وزارة التعلم العالي جعلت قضية وملف السلام من أولوياتها، وأشار إلى أن السودان يعيش مرحلة الانتقال من التفاوض إلى عملية بناء السلام وتطبيقه.

ومن جهته أوضح ممثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) المهندس عبدالقادر عابدين، أن برامج المنظمة في السودان تعمل في بناء السلام، ولفت إلى وجود مشروع بناء القدرات وسياسة الشباب في السودان، بجانب تقوية التعايش السلمي.

 ودعا ممثل اليونسكو إلى أهمية ربط التعليم العالي والأبحاث بكل مجالات الحياة، للوصول للقرارات التي تكون مبنية على أسس علمية، وأشار إلى أهمية البحث العلمي في الجامعات.

وفي ذات السياق ذكر عضو الجبهة الثورية أسامة مختار، في ورقة (إضاءات حول السلام) أن الاتفاقية غطت الكثير من قضايا البلاد في مشاركة المرأة في السلطة بنسبة (40 %)،  بجانب الفصل بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة، كما أنها شملت قضايا مجموعات لم تحمل السلاح لكنها متأثرة وتعاني من التهميش ونقص الخدمات.

  وأشارمختار، لتوجس الشارع من الاتفاقية باعتبارها اتفاقية منقوصة، وشدد على أهمية المضي قدماً في استكمال الاتفاقية. وقال مختار: (يجب أن ننظر لمصلحة السودان فيما يتعلق بالجدل حول العلمانية والتطبيع مع إسرائيل)، واعتبر ذلك قضايا ايدلوجية، وتساءل: (ما الذي يجعلنا نرهن مصلحة السودان لمجموعات لديها أفكار  ذاتية أيديولوجية؟).

  وتابع أن موضوع فصل الدين عن الدولة لا يتسبب في أي ضرر لأي طرف من الأطراف، ورأى أن الأمر متعلق بمصلحة الوطن،  ودعا لعدم التعامل بعصبية، واستشهد بتداعيات فصل دولة جنوب السودان، وزاد: (جربنا نظام الحكم الإسلامي فلابد من إعطاء أنفسنا فرصة أخرى).

وطالب مختار، بالعودة لاتفاقية السلام لفهم مسألة الترتيبات الأمنية، وقال: (خلال فترة 39 شهراً سيحدث تجميع للجيوش والحكومة تشرف عليه)، ولفت إلى العمل على وجود جيش قومي وموحد.

 ولفت مختار، إلى تحديد الحكم الذاتي لإقليم دارفور، بقيام الموتمر لتحديد نظام الحكم في الإقليم، وأردف أن التحدي في وجود نظام الحكم بالولايات والإقليم.

وأقر مختار، بوجود تحديات تواجه الجداول الزمنية للاتفاق، تتمثل في (جائحة كورونا) التي أدت لتأخير مؤتمرات المانحين، وأبان أن الاتفاقية ناقشت قضية الحواكير في اتفاق الأراضي.

 وذكر مختار، أن النظام السابق استخدم عدداً من مواطني دول الجوار في الحروب، لاستفزاز السكان وخلق الفتنة بينهم والحركات لجر البلاد لحرب أهلية لا طائل منها، ونبه لوجود مستوطنين جدد في أراضي السكان الأصليين، ولفت لوجود مفوضية الأراضي في الاتفاقية مسؤولة عن الحواكير، ونوه إلى مخاطبة مسألة المستوطنات الجديدة بشكل تفصيلي.

 وأقر مختار بأن كل الأطراف لديها أطراف مضادة، واعتبر أن المشكلة في السودان واحدة، (إلا أن الأسباب تختلف في ظل وجود هم واحد)، وقال إن الأقاليم لديها مشاكل مختلفة مثل مظالم السلطة ونقص التعليم وتمييز النوع، وردد: (لذلك لابد من تضمين قضايا الأقاليم التي لم تحمل السلاح).

وأبان مختار، أن الاهتمام ببسط السلام من أولويات الحكومة الانتقالية، وأوضح أن الاحتكاك بين الرعاة والمواطنين المقيمين في جبل مرة يحتاج لحل عاجل، وأشار إلى دور النظام المخلوع في تأجيج الحرب بين المواطنين وحرق القرى.

وتمسك القيادي بالجبهة الثورية أسامة مختار، بالإسراع في الترتيبات الأمنية باعتبار أنها مرهونة بتوفير الأمن، وأبدى ثقته في مقدرتهم على معالجة القضايا والنزاعات بين المواطنين عبر الاتفاق والجلوس كمكونات سودانية بغية الوصول لاتفاق سلام.

مهددات عمل مراكز السلام

وبدوره تطرق مدير مركز دراسات السلام والتنمية وحقوق الإنسان بجامعة الفاشر د.السر خليل عبد الله، للأدوار الفاعلة التي يمكن أن تؤديها مراكز السلام في تنزيل السلام على أرض الواقع.

 ونبه خليل، لوجود تحديات يمكن أن تقعد أداء تلك المراكز، أبرزها التمويل والمنح والدعم المالي وعدم وجود استراتيجية واضحة لعمل المراكز، بجانب صعوبة الوصول لكثير من المناطق والتغيير المتسارع وغير العادي لمدراء المراكز، بالإضافة إلى  وجود تحديات مجتمعية ومنها عزوف بعض قيادات وأفراد المجتمع عن المشاركة في أنشطة المراكز.  

تنمية المناطق الحدودية

 ومن ناحيته رأى مدير مركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر د. حاتم الصديق محمد، في ورقته (النزاعات القبلية والتداخل الحدودي وأثرهما على السلم الإجتماعي في السودان) أن قضايا السلم الاجتماعي تمثل واحدة من القضايا المؤرقة للمواطن السوداني، وصناع القرار والباحثين وكل من يصبو لسودان أفضل لما بعد الثورة، وقال إن السودان يتميز بالتداخل القبلي، وإنه يجب أن يدار برؤية وتأنٍ لأجل تنمية المناطق الحدودية واستقرار القبائل الحدودية.

 وشدد حاتم، على أهمية أن تكون الدولة راعية وموجهة بدلاً عن الدولة الباطشة، وأشار لكثير من التجارب في السودان وخصوصية  المناطق الحدودية، باعتبار أنها  تزخر بالثروات، وعرضة للأطماع الخارجية في أراضي السودان، خاصة دول الجوار.

 ودعا مدير مركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر، النخب السياسية وصناع القرار والباحثين  للانتباه لهذا الأمر والسعي لتنمية تلك المناطق والتعريف بموارد وثروات السودان والعمل على استغلالها، وقال: (المال السائب يعلم السرقة).

وأكد حاتم أن التداخل القبلي يجب أن يكون أداة لقوة الدولة، وليس إضعافها، وزاد: (نصبو لدولة قوية في السودان)، ورأى أن الدولة مؤهلة لأن تكون قوية بما تمتلك من إمكانيات (موارد طبيعية وبشرية وثروات)، ونبه إلى أن عدم استغلال تلك الثروات يجعل الآخرين ينظرون للسودان بعين الطمع.

وأشار مدير مركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر إلى أن الدولة السودانية في مرحلتها الحالية تتأثر بما يحدث في دول الجوار، وبالتالي يجب المحافظة على الأمن والسلم الداخلي.

وأكد حاتم تأثير النزاعات القبلية على السلم الاجتماعي، وأوصى بضرورة الإسراع في ترسيم الحدود بصورة عادلة، وتكثيف الوجود الأمني والإداري مع تنمية الحدود.

وأجمع المشاركون في الورشة على ضرورة إشراك مراكز السلام والمؤسسات المنوط بها تنفيذ إتفاق سلام السودان الموقع في جوبا في (3) أكتوبر الماضي على أرض الواقع، على أن يتم إشراك تلك المراكز بعيداً عن المحاصصات السياسية، وإقامة وزارة متخصصة للسلام، وتجسير الهوة بين متخذي القرار ومراكز السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *