لا بديل لإزالة التمكين إلا إزالة التمكين

بقلم: حيدر المكاشفي

تتردد هذه الأيام شنشناتٌ من هُنا وهمهماتٌ وطنطناتٌ من هُناك، تطالب بحل وتصفية لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، وللأسف كان من الضالعين في هذه المؤامرة بحسب إفادات قيادات لجنة إزالة التمكين؛ بعض الشخصيات بمجلسي السيادة والوزراء، وكان هؤلاء قبل إن تبلغ بهم الجرأة المطالبة الصريحة بتفكيك اللجنة؛ كانوا وعلى طريقة الضرب من الخلف يعملون في الخفاء لإعاقة عمل اللجنة وممارسة الضغوط على إعضائها بطرق ملتوية، وقد شجعت هذه الميوعة من هذا البعض المحسوب على مؤسسات الحكم الانتقالي الفسدة من فلول النظام الفاسد وخصوم الثورة والتغيير للانتقال من خانة الدفاع إلى خانة الهجوم على اللجنة، ولهؤلاء الذين تربطهم علاقاتٌ مُريبة ببعض فاسدي النظام البائد وناهبي أموال الشعب، نقول لهؤلاء وأولئك باسم الثوار جميعاً، إن لجنة إزالة التمكين خَطٌ أحمر، ولا بديل للجنة إزالة التمكين إلا لجنة إزالة التمكين، فحتى لو صح أن لجنة إزالة التمكين ارتكبت بعض الأخطاء وشاب عملها بعض الخلل، ولا شك أن ذلك صحيح وباعتراف بعض قيادات اللجنة نفسها؛ فلن يكون ذلك مدعاةً لحل اللجنة وتصفيتها، وإنما هو أدعى لتصحيح الأخطاء وإصلاح الخلل وضبط منهج العمل، ومن كان بلا أخطاءٍ فليرمها بحجر، فتركة فساد النظام المخلوع من هولها وضخامتها مما تنوء بتفكيكه العصبة من ذوي العزم، والوقوع في بعض الأخطاء لإنجاز مُهمة في جسامة وتعقيد المهمة التي تضطلع بها اللجنة لتفكيك نظام جعل الدولة كلها ملكاً خاصاً لحاءاته الثلاث (حكومته وحزبه وحركته)، فصارت الدولة على قول لويس الرابع عشر (الدولة هُم وهُم الدولة)، هذا غير تتبع ممارسات فاسدة يشيب من هولها الولدان واسترداد كل جنيه منهوب، يكون الوقوع في الخطأ مبرراً بل ومتوقعاً.
إنها والله مهمة وطنية وتاريخية عظيمة تلك المناط بلجنة إزالة التمكين العكوف عليها، فمُهمة استرداد دولة الوطن المختطفة التي تسع الجميع بديلاً لدولة الحزب، هي مهمةٌ ينبغي أن تكون على رأس أجندة مؤسسات الحكم الانتقالي، ولن تتم هذه المهمة العظيمة إلا بتفكيك وتصفية دولة التمكين الموازية، حيث لم تكن هنالك دولة وطنية بل دولة حزبية استمرت على مدى ثلاثين عاماً، إلى أن أطاحت بها ثورة ديسمبر الباسلة، فقد كانت تلك السلطة المطلقة الظالمة والباطشة والنهج الشمولي القابض الذي جعل من الحزب المحلول والحركة الاسلاموية والدولة شيئاً واحداً، إذ تماهت السلطة في الحزب والحركة وتمدد الحزب والحركة في السلطة، ووضع الدولة في خدمتهما معاً، فكان رئيس الدولة المخلوع هو رئيس الحزب، ومساعد الرئيس في القصر هو نائب الرئيس في الحزب، والوالي هو رئيس الحزب في الولاية، ووزير الوزارة الفلانية هو أمين القطاع العلاني في الحزب وهكذا دواليك، كل الدولة كانت في جوف الحزب بما في ذلك الــ… والــ… والــ… مما تعدون وتعرفون من مؤسسات وهيئات يتشكل منها قوام أي دولة، وباختصار وضع الحزب الحاكم الدولة رهينة له ورهن إشارته من قمة جهازها التنفيذي وإلى أصغر وحدة محلية، وأحكم عليها الخناق تحت إبطه، بينما ترك الآخرين في الصقيعة (أباطهم والنجم)، لا فاصلَ بين الانتماء السياسي للحزب والحركة والانتماء العام للمنصب، ذاك هو هذا، وهذا هو ذاك، فلا تدري ما الذي يفعله من أجل الحزب والحركة، وما الذي يفعله من أجل المنصب، فقد اختلط حابل الدولة بنابل الحزب والحركة، وبقية خلق الله في أرض السودان مجرد فرّاجة على رأي حادي الإنقاذ (وروني العدو واقعدوا فرّاجة)، كان ذاك وضعٌ مقلوبٌ وصورة شائهة جعلت الحزب المحلول يكتم على نفس الحياة السياسية ويصيبها بــ(الأزمة والاختناق)، ويورثها الإملاق من خلال سيطرته على مؤسسات الدولة، واليوم بعد الثورة لن يتم إصحاح مناخات الحكم ولا يمكن إصلاح بيئة السياسة إلا بفصل بتفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن، وتخليص رقبة الدولة من تحت إبط النظام المخلوع، فالنظام المباد كان قد وضع الدولة كلها بمختلف مؤسساتها الأمنية والتنفيذية والتشريعية والقضائية تحت إبطيه، بل أنه مضى أبعد من ذلك بأن رهن وجود الدولة السودانية بوجوده بإحكامه القبضة على كل مفاصلها، فحيثما توجهت فثم وجه المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، فهل جزاء من يتصدى لهذه المهمة الوطنية الكبيرة أن يجد التثبيط والتهديد بل والمطالبة بالحل، أم يجد كل عونٍ ودعمٍ ومُساعدة وتشجيع؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *