إنشاء مفوضية مكافحة الفساد.. خطوة نحو التحوُّل الديمقراطي

الخرطوم: هانم آدم

تعتبر هشاشة المنظومة السياسية وغياب سيادة حكم القانون من ضمن الأسباب الجذرية للفساد، ولا يزال الفساد واحداً من العوائق التي تحول دون تحقيق أهداف التنمية وتهدد التحول الديمقراطي، حيث تتلاشى الموارد المخصصة للتنمية بسبب الفساد وسوء الإدارة، وتكون المحصلة الكلية للفساد ارتفاع تكلفة الخدمات الأساسية التي تقع وطأتها أكثر على الفقراء والمهمشين في المجتمع.

تحليل الأبعاد السياسية والاجتماعية والقانونية للفساد في السودان ضمن إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد هو عنوان الورقة التي قدمها عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم بروفيسور محمد عبد السلام، في سمنار(نحو بناء هيئة فاعلة لمكافحة الفساد في السودان) الذي نظمته المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً بقاعة الصداقة الأسبوع المنصرم.

نظم فاسدة

وتناول بروفيسور محمد عبد السلام، في مطلع حديثه أوجه وأنواع الفساد، بجانب الأسباب المتعددة له، وأرجع حالة تهميش الفقراء في السودان والدول الأخرى في الأقليم إلى النظم الفاسدة المتعاقبة، وأشار إلى أن هذا نادراً ما يتم تداوله في الخطاب السياسي والحقوقي، وقال إن الفساد خيانة للجماهير والقيم الجوهرية مثل احترام سيادة القانون والمحاسبية والشفافية.

ولفت عبد السلام، لصعوبة وعجز وجود هيئة أو مفوضية محاربة الفساد المستقلة في القيام بدورها بفاعلية في السودان حتى بعد ثورة ديسمبر 2018م، لجهة أن السودان يفتقر إلى سيادة حكم القانون ويتجذر فيه الفساد في أعلى مستوياته، إضافة إلى عدم تكوين حكومة مدنية بسبب غياب المؤسسات الديمقراطية الخاصة للمحاسبية، بما في ذلك المجلس التشريعي والمفوضية المستقلة.

مجتمع ديمقراطي

وشدد عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم على الحاجة لمجتمع ديمقراطي ومؤسسات سيادة حكم القانون، وفصل فاعل في السلطات لمحاربة الفساد، وإطار تنظيمي وموظفين مدربين، واستقلالية كاملة، بجانب تفويض قانوني قوي للقيام بمهامها.

ووصف عبد السلام إجازة قانون محاربة الفساد في السودان في عام 2016م بأنه وُلد بلا أسنان فيما يخص نصوصه الجوهرية وآلياته، وأوضح أن القانون تشوبه نقائص، وطالب بمعالجتها، وذكر: “على الرغم من التقدير الذي وجده هذا القانون حينها باعتباره خطوة إيجابية، لكن لم يتم إنشاء المفوضية حتى الآن، ونبه إلى عجز الهئيات الأخرى (مثل ديوان المراجعة القومي) عن محاربة الفساد”.

وأضاف أن الإعلان الدستوري لعام 2019م نصَّ على إنشاء مفوضية محاربة الفساد وإعادة الموجودات التي ستنشأ بموجب قانون صادر من البرلمان، غير أن المفوضية لم تنشأ، وتمت إجازة قانون تفكيك نظام الإنقاذ لعام 2019م بدلاً عن إجازة قانون محاربة الفساد.

وانتقد عبد السلام ذلك القانون بشدة، وبرر انتقاده لاحتواء القانون على ما اعتبرها نقائض عديدة ومتأصلة، بجانب أنه لا ينشئ هيئات مستقلة بل لجاناً سياسية تفتقر إلى الوضعية المستقلة عن الأشخاص العسكريين والمدنيين في مجلس السيادة وفي مجلس الوزراء وقوى الحرية والتغيير.

سياسة التمكين

وفيما يتعلق بمحاسبية القطاع العام، قال عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم إنه في بعض الدول مثل السودان يتم اختيار أو انتخاب المسؤولين الحكوميين للمناصب العليا على أسس حزبية أو عرقية.

وأردف: “لهذا يصعب فصم الدولة من الحزب الحاكم، وأشار إلى أن سياسة التمكين –في العهد السابق- تمثل هذا الأمر خير تمثيل”، واعتبر ذلك متناقضاً مع المادة (7) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على القطاع العام والقاضية بتبني كل دولة طرف تدابير تشريعية وإدارية لوضع معايير تتعلق بشروط الترشيح للمناصب العامة ولتعزيز الشفافية في تمويل الترشيح للمناصب العامة المنتخبة وفي تمويل الأحزاب السياسية وفي تبني وصيانة وتقوية النظم التي تعزز الشفافية وتمنع تضارب المصالح.

ولفت عبد السلام، لصعوبة تفريق مؤسسات الحكومة من هيمنة الحزب الحاكم خلال فترة نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، خاصة في الخدمة المدنية، التي يجب أن تكون مفتوحة أمام كل السودانيين (دون أي شكل من أشكال التمييز) على أساس المؤهلات بدلاً عن المحسوبية والوساطة.

إقرار الذمة

وأكد عبد السلام، عدم اهتمام المسؤولين الحكوميين السودانيين بتقديم إقرارات الذمة إذا تبين تضارب المصالح، كما أن القانون لا يعاقب بل يتسامح مع المتورطين في قضايا الفساد.

وأبان عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم أن النظم القانونية تتطلب من الموظفين العموميين تقديم شهادات إبراء الذمة إلى السلطات المختصة فيما يخص أشياء أخرى: (أنشطتهم ووظائفهم واستثماراتهم وممتلكاتهم الخارجية والهدايا القيمة) التي يترتب عليها تضارب في المصالح، فيما يخص وظائفهم كموظفين عموميين.

وأشار عبد السلام، إلى أنه يتم وضع تدابير تأديبية أو غيرها تجاه الموظفين العموميين الذين يخالفون اللوائح أو المعايير، وهو مالا يتوفر في السودان، (طبقاً لتعبيره)، وأشار لتفشي الإثراء غير المشروع للمسؤولين الحكوميين في السودان والدول النامية الأخرى.

ودعا عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم في ورقته الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لتبني تدابير تشريعية لاعتبار الإثراء غير المشروع وهو الزيادة في ممتلكات الموظف الحكومي التي لا يستطيع تعليلها وفقاً لدخله المشروع.

حماية الشهود

وأبدى عبد السلام، أسفه لعدم وجود قواعد إجرائية في السودان فيما يتعلق بـ (حماية الشهود والخبراء والضحايا)، كجزء من القوانين العقابية السودانية لتتيح للشهود والضحايا والخبراء الإدلاء بإفاداتهم أو تقديم الأدلة، وتمسك بضرورة استخدام اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الفساد (باعتبار السودان دولة طرف) لمراجعة كل العقود الموقعة عندما تظهر بينة بأن هذه العقود قد أبرمت من خلال ممارسات فاسدة للنظام السابق، وأكد إمكانية إبطال عدد من التعاملات التجارية للعقود التي أبرمها النظام السابق، وقال: (هذه الحالات متوفرة بكثرة).

وأوصى عبد السلام بأن يكون لمفوضية مكافحة الفساد المتوقع إنشاؤها في الإعلان الدستوري الانتقالي، ولاية قانونية على الأشخاص الذين نهبوا الأموال والممتلكات وتسليمهم للسودان، وأن تتوفر لها سلطة التوقيع على الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف لتسليم الفاسدين والممتلكات المنهوبة للسودان.

إجراءات قضائية

وأكد عبد السلام، مقدرة السودان على التواصل مع الدول الأطراف والتوقيع على اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف فيما يخص التحريات أو الملاحقات أو الإجراءات القضائية العالقة أو المتوقعة، وذلك إما عن طريق مكافحة الفساد أو مستشاري النائب العام المعنيين بمكافحة الفساد.

وأشار عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم إلى أن عدداً من نصوص دستور السودان تؤكد استغلالية النظام القضائي، ورأى أن قانون تفكيك نظام الإنقاذ لسنة 2019م يمس استقلالية القضاء، وأوضح أن عملية الاستئناف تفتقر للقواعد الإجرائية السليمة، ومثل لذلك بمصادرة الممتلكات التي منحت للّجان مباشرة بدون إعطاء المحاكم الحق في المصادرة عبر حكم قضائي، الأمر الذي اعتبره مخالفاً لوثيقة الحقوق في الوثيقة الدستورية لعام 2019م، التي تنص على حرمة الممتلكات، والتي تصادر فقط للمصلحة العامة شريطة منح التعويض الكافي.

تجذر الفساد

ولم يستبعد عبد السلام، أن يكون السياق السياسي طوال الثلاثين عاماً المنصرمة قد نتج عنه تجذر الفساد في المجتمع، بجانب آثار سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة، بالإضافة إلى مساهمة عوامل عديدة في تعمق الفساد منها الافتقار إلى المجتمع الديمقراطي وسيادة حكم القانون ومحدودية هامش الحريات، بما في ذلك حرية الإعلام، ونوه لإحاطة الطبقة الحاكمة لنفسها بالحصانة طوال الثلاثين عاماً الماضية، مما قاد إلى انعدام الشفافية والمحاسبية.

ولفت عبد السلام، إلى استيلاء الطبقة الإسلامية الأيديولوجية خلال فترة الإنقاذ على كل جهاز الدولة مستخدمة تطهير الخدمة المدنية وتغيير الكادر كخطوة إولى للتلاعب بالنظام السياسي منهجاً لها، ومن ثم شرعت الدولة في حياكة القوانين والتشريعات لتحقيق مصالحها الخاصة بالتركيز على شرعنة الفساد عبر التشريعات.

ووصف عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم، ذلك بالفساد السياسي في أعلى درجاته، وشدد على أنه ينتج عنه إساءة استخدام السلطات العامة (الهيئات الحكومية) لتحقيق أهداف غير مشروعة وللحصول على مكاسب وفوائد شخصية.

وأشار عبد السلام، لظهور مجموعة جديدة من المهنيين الليبراليين ورجال الأعمال الذين ظهروا مع المنظمات الدولية مطالبين بالخصخصة والقروض الدولية والتجارة الحرة ودمج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد الرأسمالي وشبكات التمويل العالمية دون أي التفات للمصلحة القومية.

ولفت عبد السلام، إلى أن الفساد السياسي في أشكاله المختلفة ينتج عنه محاباة وقبلية ومحسوبية والدفع بأشخاص غير مؤهلين لمناصب إدارية عليا حساسة في الدولة، مما يؤدي إلى تشويه الجهاز الإداري للدولة.

وزاد: “حتى في فترات الانتقال الديمقراطي، كما حدث حالياً عند اختيار المؤهلين بعد ثورة ديسمبر 2018م فقد اعتمد اختيار الوزراء إلى حد بعيد على الانتماءات القبلية والجهوية رغم نص الوثيقة الدستورية 2019م على اختيار حكومة تنقراط على أساس الكفاءات والقدرات”.

الهبوط الناعم

وقال عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم إن منهج الهبوط الناعم الذي أعقب ثورة ديسمبر 2018م، تم بمبادرات رجال أعمال مؤثرين أدّوا دور الوسيط لضمان تحول سياسي بعيد عن الراديكالية، بما لا يؤثر على مصالحهم الحيوية في فترة ما بعد سقوط البشير.

وتابع: “لهذا لا يوجد مبرر لإجازة قانون كهذا، وتشير الممارسات العالمية إلى أن إنشاء مفوضية محاربة الفساد من المكون العسكري والسياسيين لا تستأصله من جذوره”، وأبان أن الحرب ضد الفساد تحتاج إطاراً مؤسسياً ومفوضية مستقلة وخبراء فنيين قادرين على العمل بشكل مستقل للنظر في كل قضايا الفساد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *