الشعر وقود الثورة.. أحلام السودانيين في نصوص

مدنية نيوز: آيات مبارك

على الرغم من أن الثلاثين عاماً الماضية قد ضربت الإبداع السوداني في مقتل؛ إلا أن الحراك الذي أطاح بحكم الرئيس المخلوع عمر البشير، قد طرح مفردات تجلت في هتافات وأغانٍ سياسية، أعادت للأذهان أجواء القصائد الثورية القديمة، وكشفت هذه الثورة عن وجود روح مفردة عالية مضت ارتجالاً وكفاحاً في شوارع التظاهر والنضال.

ولم تكن القوة الجماهيرية تنتظر سوى بعض الهتافات والقصائد الشعرية حتى تتقد ويشتغل أوارها بالعديد من القصائد التي زلزلت أركان النظام السابق، مثل كلمات الشاعرة مروة بابكر التي وصفتهم بالقتلة والمجرمين: في قصيدة (بلا وانجلا) وهي القصيدة التي تجاري قصيدة شاعر الشعب محجوب شريف إبان ثورة رجب / أبريل 1985م:

أريته أصلاً كان حزب

ديل قتلة شلة مجرمين

هديتوا ياخ كل البلد

ومصرتوا دمنا بالسنين

لتغني بعد نجاح الثورة لتمجد الشاب السوداني في كليب (أحتاج حبيباً ثورياً)

يتسرب ما بين ضلوعي ليغازل قلبي والوجدان:

رجلاً من جوف كتاباتي

يلتحم بأنفاس الخرطوم

ويحفظ طرقات امدرمان

يعتنق شموخ جبال النوبة

هيبةُ وطنٍ كالبركان

بينما تقمص الشاعر الشاب معد شيخون (شاعر الثورة) أرواح الشهداء وخاطب أهله والرفاق:

اذكروني إن تحقق انتصار

أذكروني إن بدأتم في العمار

اذكروني أن غرستم شتلة يوم يؤتى غرسكم حلو كالثمار

وخرجت كالطوفان كالإعصار ورسمت مقلة من أحب ودمعة

فأمسحوها أن مررتم بالديار

فاضلت بين محبةٍ ومحبةٍ وكلاهما نفس الخيار

فإما أن أموت بسهم لحظٍ أو أن أموت على الجدار

فاخترت أن أمضي من أجل أن يحيا الوطن

من أجل بسمتها وأطفال صغار

وبدوره وصف الشاعر الشاب محمد المجتبى حسين عبقرية ثورة ديسمبر وقال: (قد أثبتت أن هؤلاء الشعراء يتمتعون بقدرات تمكنهم من مرافقة الحركات المدنية وتوعية الضمائر في خضم التغييرات المهمة التي تشهدها المجتمعات، وما يعصف به من تقلبات وتحولات اجتماعية). وأضاف في حديثه لـ (مدنية نيوز): (لم يكن النظم الشعري حكراً على الأدباء والأكاديميين لحياكة مساراته، ولكن مقتضيات الواقع قد منحت للكثيرين حق التعاطي بكل الصدق وما دل على ذلك هو ظهور (دسيس مان) بتلقائيته حتى يمضي في هذا المسار بأدواته الشعبية).

وقالت الشاعرة  رانيا حسين لـ (مدنية نيوز): (إذا ما تأملنا الحركات الاجتماعية المختلفة في العالم، نجد أن وعاء هذه اللغة يحمل الكثير باعتبارها العنصر المحفز والأداة الفعالة لخدمة النبض الاجتماعي ومطالبه وأفكاره الخلاقة لهذه الاحتجاجات، والتي من خلالها يتم بناء التصورات والشعارات التي منحت هذه الحركات الاجتماعية التعبير عن نفسها، مشيرة إلى قيام مفردة مختلفة تتخص ديسمبر وحدها).

الشعر التبشيري

ولأن الشعر يتنبأ بالثورات ثم يكون حاديها؛ كتب الشاعر الشاب بيرا كورا على صفحته الشخصية بالفيس بوك، عن أدب ثورة ديسمبر: (ليس مهماً بالنسبة للأدب أن يعكس أو يصور حدثاً أو واقعاً موضوعياً ما، المهم كيف يستثمر جمالياً هذا الحدث أو الواقع الموضوعي، أن يفتح لتأويلات جديدة، وأن يكشف عن ما يحدث في هامش الحدث، أن يُطارد ما يباغت الواقع الموضوعي، وأن يفتحه لتأويلات جديدة ويحدث في غفلة منه، والحال هذه فإن أدب الثورة ليس أدباً يصور، وإن الأدب لا يُمجد إلا مالم يأت بعد، لا يمجد إلا المستقبل، أي المجهول في النهاية الأدب هو المبشر الحق بالمجهول  يبشر بثورة قادمة على الثورة).

ويمضي نزيف القصائد التي تُندد بزوال الظلم منذ ما قبل ثورة ديسمبر، ويقول  الشاعر والناقد أبو عاقلة إدريس لـ(مدنية نيوز): (درج  الشعراء من قديم على استشراف المستقبل ببصائرهم النافذات؛ وبشاراتهم الثاقبات؛ لذا ألمح من خلال قراءة لديوان الشعر السوداني إبان حقبة نظام الثلاثين من يونيو 1989 ثورة عارمة على ذلك النظام الذي جسد خلال ثلاثة عقود أحلك صور الظلم والطغيان والاستبداد والفساد.. تقرأ النصوص الرافضة لانقلاب الإنقاذ تعريضاً بهم حيناً وهجاءً صريحاً له أحياناً.. في سنة 1993م أهدى محمد الفيتوري قصيدته (الصورة الأخرى للشاعر) أو (الشاعر في السنوات الصعبة) إلى محيي الدين فارس، وأذكر هاهنا أن أستاذي الشاعر محيي الدين فارس قال لي:

هل قرأت ما كتبه لي الفيتوري مهاجئًا الإنقاذ؟ ها فاسمع:

كأنك أنت الواقف وحدك

تحت سقوف السيرك

تراقب كيف تموج قرود السيرك

وكيف تفصل شمس الليل معاطف من ذهب

وفي مقام شهداء الديمقراطية -شهداء حركة الخلاص الوطني 28 رمضان- نظم الشاعر محمد عثمان كجراي إلى شهيد الحركة الطيار محمد عثمان حامد كرار:

يا سيدي في زمن الأقزام لا تزدهر الرغائب

وها هو الصمت الذي أيقظ في قلوبنا الأسى

يجتاح سيف البحر

من عيذاب

من تخوم دنقناب

 من حلايب

وكتب محمد المكي إبراهيم مخاطباً الطاغية ونظامه الاستبدادي: “سلم مفاتيح البلد”، و”سرق الجنجوبد غزالي”، وفي 2013 وثق عالم عباس شعراً لانتهاكات حقوق الإنسان في دارفور وهو يرقص على تلة من رماد روما المحترقة في “أوراق سرية من وقائع ما بعد حرب البسوس”).

تيار الوعي

وعن التغيير الذي لازم ديسمبر، أضاف أبوعاقلة: (لقد تفجر تيار الوعي في ثورة ديسمبر المجيدة فكانت “حنبنيهو” لمحجوب شريف، و”نورا “لحميد، و”انتظري” لهاشم صديق، و”سيناريو اليابسة” لعاطف خيري، و(“غناء العزلة.. ضد العزلة) للصادق الرضي، وكانت المواكب في يوميات التظاهرات وساحة الاعتصام تهتف مع القدال “أم الشهيد أمي”، ومع أزهري محمد علي “دم الشهيد بي كم.. ولا السؤال ممنوع؟”، ومع الطيب برير و”أئمة الوعد القديم”، في قلب الحدث كان معد شيخون  وكان “الممكون”، وعبد الرحمن الفاتح الذي سجل ديواناً كاملاً في سجل دفاتر الثورة، وفي ثورة ديسمبر المجيدة التقى العمود والتفعيلة وقصيدة النثر، الشعر البيتي عند عبد السلام كامل، والنص التفعيلي عند وئام كمال، والقصيدة النثرية عند بابكر الوسيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *