المجلس التشريعي الانتقالي.. إرهاصات الغياب وحجم العراقيل

الخرطوم: سيد أحمد إبراهيم

بعد تأخر استمر لأكثر من عام، أعلنت قوى الحرية والتغيير بدء تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، بإخطار تنسيقيات الولايات بإرسال قوائم مرشحيها للمجلس المركزي لاختيار النواب في المجلس التشريعي.

وأعلن الناطق الرسمي باسم قوى الحرية والتغيير إبراهيم الشيخ، في تصريح صحفي، عن نسبة قوى الحرية والتغيير في التشريعي البالغة (55%) من مقاعد المجلس متمثلة في (165) مقعدًا تكون الأولوية فيها للولايات، بينما يبلغ عدد المقاعد المخصصة لمشاركة الأطراف الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان (75) مقعدًا.

وخلال العام الماضي، نشطت حملات واسعة للبدء في تشكيل المجلس التشريعي الذي كان مقررًا قيامه بعد توقيع الوثيقة الدستورية في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر، ونظمت لجان المقاومة وقوى سياسية مواكبًا حاشدة خلال العام للمطالبة باستكمال هياكل السلطة الانتقالية وأهمها تشكيل المجلس التشريعي، وواجهت تلك الحملات ذريعة غياب تحقيق السلام الذي كان مقررًا خلال الـ (6) أشهر الأولى من توقيع الوثيقة الدستورية بتاريخ 17 أغسطس 2019.

شركاء بدون شراكة

وأثارت خطوة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بتشكيل مجلس شركاء الفترة الانتقالية، جدلًا واسعًا في الساحة السياسية، واعتبر عدد كبير من المكونات أن ذلك يُعدّ تغولًا على الحكومة المدنية وضد التحول الديمقراطي، وأصدرت عضوة المجلس السيادي عائشة موسى، بيانًا أكدت فيه رفضها وقالت إن مجلس الشركاء الانتقالي انقلاب صريح على أجهزة الدولة المدنية بهياكلها المعروفة، وقفز فوق صلاحيات تلك الهياكل.

وفي ذات السياق رفض مجلس الوزراء تكوين مجلس شركاء الفترة الانتقالية بصورته الحالية، وقال في بيان إن الإعلان الرسمي الذي صدر بتكوين مجلس شركاء الفترة الانتقالية، جاء مخالفًا لما تم الاتفاق عليه، بينما رفض تجمع المهنيين السودانيين مجلس الشركاء واعتبره التفافاً جديدًا على تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، وذكر البيان أن آليات مراقبة وتوجيه الفترة الانتقالية متمثلة في المجلس التشريعي الذي يجب تكوينه بمعايير وفقًا لثقل القوى الثورية.

وعود البرهان

ومن جانبه قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في تصريحات سابقة، إن مجلس شركاء الفترة الانتقالية لا يلغي دور المجلس التشريعي، وأضاف أن المجلس ليست لديه أية علاقة بمهام أجهزة الدولة السيادية والوزراء ولا يتدخل في عملها، وإن مجلس شركاء الفترة الانتقالية لا يلغي دور المجلس التشريعي في الرقابة والتشريع، وذكر أن مجلس الشركاء جاء بمبادرة من قوى الحرية والتغيير وتمت إجازة تكوينه في جلسة مشتركة لمجلسي السيادة والوزراء ونشر بالجريدة الرسمية.

مخاوف

وبحسب اتفاقية جوبا لسلام السودان، فإن الحكم المحلي سيتحول من (18) ولاية إلى (8) أقاليم لها خصوصياتها في إدارة مواردها بنفسها، ويتساءل مراقبون عن وضع المجالس التشريعية الإقليمية في ظل إعلان قوى الحرية والتغيير أن أغلب مقاعدها مخصصة للولايات، بينما ترشح تسريبات عن عدم تشكيل مجالس تشريعية ولائية طوال الفترة الانتقالية.

شكل الصراع

وفي هذا الصدد قال المحلل السياسي مصطفى عبد القادر، إن الصراع الدائر حول المجلس التشريعي له وجهان، أحدهما سياسي تتزعمه سيطرة المكون العسكري على الفترة الانتقالية ومحاولة توسيع الهوة بين المكون المدني والحركات المسلحة لترسيخ وجوده، ويبرر ذلك بنجاح المكون العسكري في فرض مجلس شركاء الفترة الانتقالية بشكله الحالي.

وأضاف عبد القادر لـ(مدنية نيوز) أمس، أن المجلس التشريعي سيكون دون أي معنى حتى إذا لم تصادر صلاحياته من قبل مجلس شركاء الفترة الانتقالية، لأن المجلس التشريعي سيشهد انقسامًا حادًا بين المكون المدني ومكونات الحركات المسلحة، و لن يكون أكثر من مجلس تصفية الحسابات. وزاد أن الحديث عن المجالس التشريعية الولائية سيكون بلا معنى أيضًا خاصة في ظل تأجيل حسم العلاقة بين الأقاليم والولايات والمركز إلى ما بعد مؤتمر الحكم، بالإضافة إلى الاهتمام الضعيف من جميع الأطراف بالمجالس التشريعية الولائية، الأمر الذي أرجعه إلى ما أسماه سيطرة العقل السياسي القديم في النظر إلى الخرطوم كمركز الصراع السياسي ومنتهاه ما يترتب عليه تهميش الولايات.

بيض النظام وسلاله

وأبان مصطفى، أن الوجه الآخر للصراع هو انعكاس للوجه السياسي، مفصلًا أن النظام المخلوع يحاول إعادة انتاج نفسه عبر ممثليه في كل الأطراف من القوى المدنية والحركات المسلحة والمكون العسكري، وقال: (يمكن القول إن النظام لا يضع البيض في سلة واحدة، للنظام بيض في المكون المدني وفي المكون العسكري، مع اختلاف درجات تمثيل هذه المكونات للنظام، ومهما يكن من أمر الفائز في هذا الصراع فإن النظام يفرض طريقة وميدان اللعب).

وأوضح مصطفى، أن ذلك الفخ وقعت فيه مكونات الحركات المسلحة، ما قد يؤدي حسب رؤيته بالحركات إلى المشاركة في تقويض عملية السلام نفسها، وزاد: (النظام في النهاية أكبر من مكوناته وأفراده ويتجاوزهم، بل يستخدمهم للمحافظة على نفسه وتنظيمه).

المقاومة والمحاصصة

ودار جدل كثيف حول تمثيل لجان المقاومة في المجلس التشريعي، وسط وعود متواصلة من القوى السياسية والحكومة بضمان مشاركتها ووصول صوتها للسطات التنفيذية، في ظل احتجاج متواصل من لجان المقاومة على تأخر تشكيل المجلس التشريعي وانتظام فعاليات شبابية قادتها مبادرات ومنظمات لبحث كيفية المشاركة وضمان فاعليتها، وتخفيف وطأة التقاسم السياسي للمجلس التشريعي.

قلق وصلاحيات

وفي السياق، تعبر الناشطة المدنية رَوْح ناصر، عن أسفها لتأخر تكوين المجلس التشريعي الانتقالي وإقصاء القوى صاحبة المصلحة في التغيير من المشاركة السياسية، وقالت لـ(مدنية نيوز) إن الحوجة ماسة جدًا لتشكيل المجلس التشريعي نسبة للظرف الانتقالي الحرج الذي تمر به البلاد.

ورأت رَوْح، أن غياب المجلس التشريعي أضرّ كثيرًا بالفترة الانتقالية، خاصة مع غياب وجود حزب يمثل لجان المقاومة التي أنجزت ثورة ديسمبر في نظرها، وشددت على ضرورة تمثيل تلك اللجان في هياكل السلطة التشريعية، بينما اعتبرت أن تشكيل مجلس شركاء الانتقالية سيضع عقبات أمام عمل المجلس التشريعي الانتقالي، نسبة لوجود ما يدعم مجلس الشركاء حيث النص (أية صلاحيات أخرى يحددها المجلس)، الأمر الذي اعتبرت أنه يدعو الجميع للقلق ويدعو لرفض المجلس من أساسه.

نهاية معروفة

وطالبت رَوْح ناصر، قوى الحرية والتغيير بالاعتراف بفشلها في قيادة الفترة الانتقالية خلال الفترة الماضية، ودعت لأن تبدأ من جديد مع حلول الذكرى الثانية للثورة، وأن توجه تركيزها على المجلس التشريعي والمجالس المحلية والولائية وضمان تمثيل لجان المقاومة فيها، وأضافت: (غير ذلك ستكون النهاية معروفة للجميع، وستكون الحرية والتغيير تحالف استبدادي سينهيه الزمن بلا شك).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *