(19) ديسمبر.. جرد حساب

بقلم: لمياء الجيلى
أكدت مواكب التاسع عشر من ديسمبر أن لهيب الثورة لازال متقداً وأن شوارع الثورة لازالت تفتح ذراعيها بكل محبة وإخلاص لاحتضان الحراك الجماهيري.. كما جسدت قمة الوعي الذي أنتج هذه الثورة التي ارتكزت في مطالبها على الحقوق الإنسانية التي لا تقبل التجزئة ولا الانتقاص.. فلم تفلح المحاولات البائسة واليائسة للالتفاف على مطالب الجماهير ولا ومحاولات تغيير مسارها ليصب في مصالح مجموعات تٌغلب المصلحة الذاتية والحزًبية على مصلحة الوطن. كما لم يُثنيها القمع والقتل والسحل والاغتصاب والتخويف والترهيب والتجويع وغيرها من الوسائل عن رغبتها وإصرارها على بلوغ غايات الثورة. وأهدافها السامية والنبيلة.
التعامل المختلف مع مواكب التاسع عشر من ديسمبر من توجيهات للنائب العام بعدم إطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع على المتظاهرين، ومن التزام سياسي على لسان رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك باحترام حق التظاهر والتجمع السلمي. كما أن التزام الثوار والثائرات بالسلمية ونجاحهم في إفشال محاولات الاختراق للمواكب من قبل فلول النظام البائد ومن أعداء الثورة سواءً كانوا مدنين أو عسكريين أدى لأن يكون هذا الحراك في بيئة مختلفة عن سابقاتها. بيئة تتعدد فيها الشعارات وتنوع فيها الخطابات السياسية والحماسية، و هذا كان دليل عافية ولم يكن دليل اختلاف وتشرذم، بل خير شاهد على الحراك الديمقراطي الثر. كما كان واضحاً أن لجان المقاومة الآن اصبحت أكثر تنظيماً وتنسيقاً وأنها بدأت تفرز قياداتها التي تثق في قدرتها على حماية الثورة، والعمل على تحقيق أهدافها كالمطالبة بالقصاص وتحقيق العدالة واكمال هياكل السلطة الانتقالية وإلغاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية، ووقف هيمنة وتغول الجانب العسكري في مجلس السيادة على مهام وصلاحيات الحكومة المدنية. وغيرها من مطالب غالبية الثوار، مُلخصة ذلك في لافتات لجان المقاومة والتي حرصت على تحديد هويتها تأكيداً لمصداقيتها ووعيها، وقدرتها على تحمل المسئولية السياسية والتاريخية.
ساعد في صحة هذا المناخ التوجيهات التي أصدرها النائب العام بعدم اطلاق الرصاص الحى والغاز المُسيل للدموع على المتظاهرين بالإضافة الى توجيهه لجميع النيابات على مصاحبة وكلاء النيابة قوة من الشرطة الأمنية بقيادة ضابط بغرض التأمين، بالإضافة الى التنسيق مع لجان الميدان لمشاركة عناصر منهم في عملية الترتيب مع النيابة العامة وتكليف قوة من مباحث ولاية الخرطوم والشرطة الأمنية بولاية الخرطوم للانتشار داخل التجمعات ورصد أي خطر أو تفتات تهدد السلامة العامة والتأكد من تأمين وتفتيش أسطح المباني العالية المطلة على نقاط التجمعات السلمية والتنسيق مع لجان الميدان لإجراء عمليات تفتيش داخل التجمعات المقترحة لضبط أي أسلحة أو أشياء يعتقد استخدامها في أي عمليات عنف .. هذه التوجيهات وجدت الإشادة والاستحسان من الجميع، وغلت أيدي المُتربصين والمُخططين لخلق الفتنة والبلبلة وسط الشارع السوداني، والتي تم بناً عليها حشد الإعلام المضاد والمضلل للتمهيد لتلك الفتنة.. فلولا يقظة النيابة العامة وما لديها من معلومات وقيامها بدورها في حماية الثوار والثائرات لحدث ما لا يحمد عقباه. أيضاً تلك التوجيهات التي أصدرها النائب العام أكدت بكل ثقة أن الثورة بدأت تجنى ثمارها وأنها تسير في خطى ثابتة لانتزاع الحرية والحقوق الأساسية التي نادت بها شعارات الثورة. أن عدم التزام بعض قوات الشرطة بتوجيهات النائب العام واستخدامها القوة والغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين أمام البرلمان وفي شارع القصر، بالإضافة الي إصابة بعض الثوار منهم الثائر خالد بدرالدين الذي تعرض لإصابات خطيرة وتم بتر أربعة من أصابع يده.. كما تعرض اثنان من لجان المقاومة للاعتقال من قبل نظاميين لساعات ليتم إطلاق سراحهم بعد تعرضهم للتعذيب والتهديد بالاعتقال مرة أخرى. نتمنى عاجل الشفاء للمصابين والسلامة للجميع. هذه الحوادث نتوقع أن تتخذ النيابة العامة الإجراءات القانونية تجاه المخالفين وأن تتم محاسبتهم وأن يتم الإعلان عن ذلك للرأي العام، ويجب أن يشمل ذلك من أعطى الأوامر باستخدام القوة من قام بتنفيذها على السواء.
المطالب والشعارات التي تم رفعها في مواكب التاسع عشر من ديسمبر يجب ألا تمر مرور الكرام ويجب على الجميع مراجعة مسيرة عملها، وجرد حسابتها لتصحيح الإخطاء وتجنب تكرارها، والبحث عن أنجع السبل لإعادة الثقة فيها من قبل الجماهير. فالحكومة المدنية مطالبة بتقديم تقرير آداء للشعب السوداني توضح فيه أسباب تعثرها في بعض الملفات وتوضح من المسئول عن ذلك التعثر وكيفية التعامل معه أو محاسبته. كما على الحاضنة السياسية للثورة والمتمثلة في قوى الحرية والتغيير أن تُقيم تجربتها خلال الفترة السابقة وتعيد ترتيب صفوفها وتفتح حوار شفاف مع الأحزاب والكيانات التي انسحبت من هياكلها وان تجرى حوار مماثل مع الجماهير، خاصة الشباب، فكثير منهم فقد الثقة في الحاضنة السياسية وبعضهم كفر بالعمل الحزبي وبدور الأحزاب، وهذا أمر خطير وله تأثيرات سالبة على عملية التغيير برمتها وعلى مسار التحول الديمقراطي. يجب على كل تلك الجهات أن تدرس كيفية إعادة ثقة الشارع فيها والعمل على إصلاح مسارها هي ايضاً وإعادة الحياة للعديد من هياكلها وفروعها.. الأحزاب السياسية تعرضت للقهر والقمع والتنكيل في ظل النظام البائد.. وصاحب عملها العديد من (الكبوات) و(العثرات) نتيجة للحصار الأمني ولسرية العمل والخوف من الاختراق فانعكس ذلك سلباً على مؤسسيتها وديمقراطية العمل داخلها .. فهي تحتاج الى مراجعات وحوارات داخلية حتى تستشفى مما أصابها من تراجع تنظيمي وفكري انعكس على آدائها وأنعكس أيضاً على عضويتها وعلى ثقة الجماهير فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *