أديب لـ(مدنية نيوز): العدالة الانتقاليّة الحل الوحيد لعدم الإفلات.. وهذا أو (الطوفان)

– جرائم التعذيب تدين الحكومة سياسياً

– نحن مسؤولون عن الإبقاء على قوانين تسمح بالانتهاكات

– إما دستور دائم أو نظام استبدادي

– (٦٥) قانوناً تحتاج تعديلاً ولا مبرر لتأخير الحكومة

حوار: عازة أبو عوف

شدد الخبير القانوني والمدافع عن حقوق الإنسان نبيل أديب، على عدم حدوث تقدّم نفخر به في أوضاع حقوق الإنسان بعد الثورة؛ وقال في حوار مع (مدنية نيوز) إن حادثة قتل مواطنين تحت التعذيب تدين الحكومة الانتقالية سياسياً، وأضاف: (كلنا مسؤولون لسماحنا ببقاء قوانين تسمح بذلك).

وانتقد أديب، التأخير في التوقيع على اتفاقية مناهضة التعذيب، وشدد على ضرورة التوقيع على اتفاقية مكافحة الاختفاء القسري، بجانب تعديل أكثر من (٦٥) قانوناً، وتحدث في كثير من القضايا القانونية والدستورية فإلى مضابط الحوار:

تواجه لجنة التحقيق في فض الاعتصام انتقادات خاصة بعد اعتذار عضو مجلس السيادة شمس الدين الكباشي، عن المثول أمامها ما تعليقك على ذلك؟

ما حدث هو إعادة جدولة تاريخ مثوله أمام اللجنة وليس اعتذار، وهناك حقيقة يجب أن يعرفها الجميع أن اللجنة حينما تمّت جدولة تاريخ مثول المسؤولين في الدولة لم تقم بتحديد اليوم وتركت الأيام لاختيارهم لأننا نعلم أنه قد تطرأ طوارئ في مسؤولياتهم تجعل اليوم غير مناسب، وهذا ما حدث مع الكباشي، ولكن من المؤكد كل المسؤولين سيخضعون للتحقيق في فترة بدأت من ١٦ ديسمبر.

وأريد أن أكرر حديثي حول صلاحيات لجنة التحقيق المستقلة وأنها تقدم أدلة جنائية وتوجه التهم لأشخاص بعينهم، وهذا يختلف تماماً عن عمل لجنة تقصي الحقائق حيث لا يستخدم ما تتوصل إليه لجنة التقصي كدليل في المحكمة، ولذلك الطلب من لجنة التحقيق إدانة شخص بعينه يؤثر على العدالة.

ما رأيك في الوثيقة الدستورية، خاصة الحديث عن أنها معيبة ومليئة بالثغرات؟

أولا يجب التأكيد على أن الفترة الانتقالية تبدأ باحترام الدستور، ولذلك فالحديث عن أن الوثيقة معيبة لا ينمُّ عن فطنة سياسية، والصحيح أننا لدينا مشكلة حقيقية هي افتقاد الدستورية فتاريخياً وضعنا (٦-٧) دساتير، لكن جميعها تم خرقها بواسطة الحكام ولم تنجح في إبقاء المجتمع خارج دائرة الحرب الأهلية.

ولكن هذا لا يعني أن الوثيقة ليست بها أخطاء، لكن الوثيقة لم يتم تبنيها كما كتبت خاصة أنها جاءت نتيجة مفاوضات منذ سقوط (الإنقاذ) وحتى توقيعها، وحول أخطاء الوثيقة يمكن القول إنها لم تحدد مستويات الحكم ونصت على أن الحكم لا مركزي فقط، وتركت تحديد نوع اللامركزية لما بعد اتفاقية السلام، بالإضافة لذلك الوثيقة تضمنت خطأً فيما يتعلق بالمحكمة الدستورية وتركت التعيين لمجلس القضاء العالي رغم أن مجلس القضاء يحكم السلطة القضائية ولا صلة له بالمحكمة الدستورية.

وخلاصة القول إن المسألة ليست في الأخطاء الموجودة، لكن الوثيقة نفسها لم يتم العمل بها على الوجه الصحيح، وأشير إلى عدم تشكيل المجلس التشريعي على الرغم من أن الوثيقة نصت على أن نظام الحكم تعددي برلماني فالقضية الأساسية هي احترام الدستور.

هل يمكن القول إن الوثيقة الدستورية هي الحاكمة؟

نعم حاكمة، لكن يتم خرقها وهذا لا يبشر بخير فالآن هناك هياكل سلطة لم يتم تكوينها ولا توجد سلطة تشريعية ولاتوجد محكمة دستورية، وهذا يسمح لجهات غير مفوضة أن تقوم باستغلال السلطة.

ما رأيك في ما يدور حول الوثيقة وأنها مكنت العسكريين؟

هذا غير صحيح، الوثيقة لم تمكن العسكريين، فهم موجودون في المجلس السيادي يمثلون الدولة ولا يحكمونها، وإذا تمددت الآن سلطاتهم فهذا لنموذج توازن القوى، ونحن كممثلين لثورة ديسمبر لم نستطع الاستيلاء على السلطة، فما حدث هو أن النظام السابق فشل في القدرة على حكم البلاد ولجأ إلى مواجهة الاحتجاجات بالقوة المفرطة، وفي ظل استمرار الاحتجاجات الشعبية التي لم تشهد البلاد مثلها تم تغيير السلطة عبر انقلاب عسكري استجابة للاحتجاجات الشعبية لإكساب الانقلاب شرعية، لذلك جاءت الوثيقة.

يرى البعض أن قوى الحرية والتغيير افتقدت الالتفاف الذي كان حولها ما رأيك في ذلك؟

أولاً نحن جميعاً قررنا أن نظام (الإنقاذ) يجب أن يذهب، لكن ماذا بعد؟ لا اتفاق. وما يحدث عدم قدرة على إيجاد رؤية سليمة، وهناك خلل في الجسم السياسي السوداني، فالأحزاب الكبيرة عددياً تكونت نتيجة تحالف بين المثقفين والطائفة كحزب الأمة والوطني الاتحادي، فلم يتم بناء أجسام ديمقراطية لهذه الأحزاب، وفي المقابل الأحزاب الأيديولوجية رغم أن الحزب الشيوعي استطاع أن يضع لنفسه وجوداً محسوساً داخل الطبقات الحديثة، إلا أن وقوعه في بعض الأخطاء واستهدافه من قبل الطبقات المسيطرة كل هذه العوامل أدت إلى إضعافه.
وصف البعض التعديلات على الوثيقة بغير الدستورية، ما رأيك؟

التعديلات على الوثيقة الدستورية غير قانونية وأية محاولة لقول غير هذا غير مجدية.

يرى البعض أن مجلس شركاء السلام محاولة لإنشاء حاضنة سياسية بديلة لقوى الحرية والتغيير ما تعليقك؟

قد يكون هذا صحيحاً فقوى الحرية والتغيير لا تحتكر تمثيل الشعب هي كانت ممثلة للشعب أيام الثورة، لكن الآن لا نستطيع أن نقول إنها ممثلة للشعب.

في ظل الحديث عن خرق الوثيقة، هل تمكن تلك الممارسات من الوصول لدستور دائم؟

ليس أمامنا خيار غير الوصول لدستور دائم، إذا لم نصل لذلك فإن النتيجة ستكون نظاماً استبدادياً، فهناك خياران فقط إما الاتفاق على دستور دائم أو قهر من يرفض، لكن يجب الاتفاق على المبادئ فوق الدستورية من قبل القوى السياسية والاتفاق على عدد من الأحكام التي يجب أن يتضمنها الدستور.

ما رؤيتك لتحقيق العدالة الانتقالية وعدم الإفلات من العقاب؟

أعتقد أن العدالة الانتقاليّة هي الحل الوحيد لعدم الإفلات من العقاب، لكن العقاب لا يقتصر على العدالة الجنائية، فهناك تدابير أخرى؛ ففي الأصل عدم الإفلات يعني ضمان عدم تكرار الجريمة، وأن يكون الشعب مُطّلعاً على ما يتم في قضية تحقيق العدالة الانتقالية. وفي المقابل، يتم إعلان الحقيقة من جانب الجناة وكل هذا يؤدي إلى الحقيقة والمصالحة.

نحن شعب مرَّ بتجارب دموية عميقة منذ الاستقلال، وعلينا ألا نغمض أعيننا عن الحقيقة حتى يتم التشافي، فالحاجة إلى عدالة انتقالية ليست خاضعة لرغبة شخص ويمكن القول هذا أو الطوفان، فيجب إنهاء قبول العنف وإنهاء اللجوء للغلبة ضد التنوع.

ما هو ما تحتاجه القوانين السودانية لتكون متوافقة مع حقوق الإنسان؟

أولاً يجب إصلاح حال السجون ومكان الاحتجاز، ويجب أن تتم إصلاحات عميقة في قوانين الإجراءات الجنائية والأمن والشرطة، ويجب أن يكون الاعتقال السابق للمحاكمة تحت هيمنة القضاء، ويجب أن تتضمن القوانين حق الشخص في المطالبة بإطلاق سراحه من القاضي، وذلك الحق غير قابل للمساس، ولا بدَّ من التوقيع فوراً على اتفاقية مكافحة الاختفاء القسري ويجب أن يكون الاعتقال تحت الأضواء وليس في الخفاء، بجانب ضمان حقوق المعتقل في التنبيه لحقه في الصمت والاتصال بمحامي وإخطار أسرته ومعاملته معاملة إنسانية ولا يجوز أن يخضع المعتقل لأية عقوبة بدنية.

وإضافة لذلك يجب إجراء تعديلات فورية على أكثر من (٦٥) قانوناً أبرزها قانون الأحوال الشخصية، وأريد أن أقول إن قانون الإجراءات المدنية فيه خرق للحريات العامة، خاصة أن فيه نصاً يجوّز للقاضي حبس المدين لحين السداد وهذا مخالف للدستور.

في رأيك، ما هي أسباب تأخر الحكومة في إجراء تعديلات على هذه القوانين؟ وأين أنتم كمحامين ديمقراطيين من هذه التعديلات؟

نحن مقصرون، ويجب أن يعترف أي شخص لديه علم قانوني بالتقصير، ويجب أن أقول صراحة: أنا مقصر، وكان علينا أن يكون صوتنا أقوى مما نحن عليه الآن، وأنا شخصياً تقدمت بمقترحات قوانين تم العمل ببعضها، ولم يتم العمل ببعض المقترحات، لكن الحاجة لتعديلات في ظل غياب المحكمة الدستورية ملحة.

ولا أعتقد أن هناك قصداً من السلطات في تأخير التعديلات، فالمهام جسيمة والخبرات ضعيفة، لكن هذا ليس عذراً يبرر التأخير.

كيف تفسر التأخير في التوقيع على اتفاقية مناهضة التعذيب؟

هذا خطأ كبير، وفي السابق كان يتعذّر النظام بالقول إن السبب الشريعة وإن الأحكام الحدية تتعارض مع الاتفاقية، ويجب القول إنه لا أساس ديني للتعذيب فهو عملية حط بالكرامة البشرية وبقيمة الإنسان الذي كرمه الله، والتوقيع مهم خاصة أن العقوبة الموجودة في القانون السوداني للتعذيب بسيطة جداً وتقدر بالسجن (٣) أشهر تقريباً، ويجب اعتبار التعذيب الذي يحدث بواسطة السلطات من الجرائم الكبرى، فإذا كان الاعتقال في الظلام تبدأ جميع الانتهاكات.

ما تعليقك على حوادث التعذيب التي وقعت مؤخراً بواسطة منسوبين للدعم السريع والشرطة وتسببت في مقتل مواطنين؟

هذه حوادث تتطلب محاكمة وإيقاع عقوبة مشددة على الجناة، فأي شخص يُقتل أثناء اعتقاله هذه جريمة خطيرة تطال الدولة كلها، فالذي ارتكبها والذي أغمض عنها والذي سمح بارتكابها سيعرّض نفسه للمحاكمة.

كيف تدين هذه الجرائم الحكومة؟

تدينها سياسياً، ونحن أنفسنا مسؤولون عن الإبقاء على قوانين تسمح بذلك فالقانون نفسه انتهاكيّ لأنه سمح بإمكانية القتل والتعذيب، ما حدث في وجود حكومة انتقالية خطأ وتقصير كبير لكن يجب ألا نقف ونبكي على اللبن المسكوب، يجب أن نضغط ونطالب بإصلاحات قضائية وقانونية بجانب تكوين هياكل السلطة.

يتحدث البعض عن بسط هيبة الدولة، ورغم ذلك تنتشر سيارات دون لوحات ماذا تقول في ذلك؟
الدولة تطالبني كشخص بأرقام لوحات لسيارتي ولكن الدولة نفسها تخالف القانون، وظاهرة وجود سيارات دون لوحات خطيرة جداً والدولة مسؤولة عن هذه الانتهاكات التي تقع.

كيف تقيّم أوضاع حقوق الإنسان في السودان بعد الثورة؟

لا يوجد تقدم نفخر به في أوضاع حقوق الإنسان، وكنا نأمل أن يكون أكبر من ذلك.
ما هي رؤيتك لإصلاح المؤسسات العدلية؟

يجب أن يتم إصلاح قانوني وتأهيل لمنسوبي الأجهزة العدلية مع ضمان إبعادها عن سيطرة أي حزب، وأن تكون مستقلة تماماً في مواجهة السلطة التنفيذية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *