السودان وإثيوبيا.. صراع وجود أم حدود؟

الخرطوم: محمد إبراهيم الخليفة

يشهد الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا توترات، ويصاحب المشهد تصعيداً دبلوماسيا وإعلامياً، حيث يرابط رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مع قواته في الجبهة الشرقية والإشراف المباشر على قواته ميدانياً، بعد مقتل حوالي (7) سبعة مواطنين سودانيين برصاص المليشيات الإثيوبية المحسوبة على الحكومة، واختراق الأجواء السودانية من قبل سلاح الجو الإثيوبي، مما حدا بالسودان لحظر الطيران المدني فوق أجواء ولاية القضارف.

مركز آرتكل للتدريب والإنتاج الإعلامي نظم ندوة اليوم الخميس بعنوان: (السودان وإثيوبيا.. صراع وجود أم صراع حدود؟)، وتحدث في الندوة كل من السفير عثمان نافع ورئيس لجنة الحدود د. معاز تنقو، وداخل في الندوة مختصيون ومواطنيون من منطقة الفشقة.

الصراع الأبدي

ابتدر السفير عثمان نافع الحديث من خلفية تاريخية وجيوساسية، فضلاً عن تجربته الشخصية وعمله في وزارة الخارجية وسفيراً لدى إثيوبيا طوال (3) فترات حكم إثيوبية متباينة، منذ فترة حكم الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، ومنغستو هيلا ميريم وختاماً بفترة حكم التيغراي.

وأكد السفير أن العلاقات السودانية الإثيوبية على مر التاريخ كان يشوبها توترات وصراعات إما سياسية أو عسكرية منذ حقبة مملكة مروي وإكسوم مروراً بالحروبات في زمن الدولة المهدية والحكومات الوطنية السودانية المتعاقبة التي تتأرجح ما بين الصداقة والعداء، وأرجع الصراع انطلاقاً من عقدة السيطرة والتنافس والصراع الديني.

ونبه عثمان نافع، إلى أن تنامي الأطماع الإثيوبية في منطقة الفشقة بدءاً من محاولة النظام المخلوع في السودان اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك،وانسحاب القوات السودانية من المنطقة وترك المواطنين والمزارعين السودانيين للعصابات الإثيوبية، وأشار إلى أن نظام الحكم برئاسة عمر البشير أهمل قضية الحدود مع إثيوبيا لانشغاله بحروباته الداخلية، والتقليل من شأن المنطقة، مما رفع حجم أطماع الإثيوبيين في الأراضي.

وذهب السفير إلى أبعد من ذلك وتوقع نشوب حرب عسكرية بين البلدين إزاء هذه القضية الحساسة، وتخوف من أن يجر هذا الصراع العسكري دولاً في الإقليم، وأن يتهدد أمن وسلامة منطقة القرن الأفريقي.

واسترسل السفير بالقول: الموقف الإثيوبي حالياً على المستوى الرسمي والشعبي مستيقظ، عكس المستوى الرسمي والشعبي في السودان، على الرغم من امتلاك السودان للحق القانوني بحكم الوثائق والاتفاقيات القديمة، ولفت إلى اتفاقية 1902م التي وضحت الأمور، بالإضافة إلى الاتفاقيات اللاحقة التي أكدت على الاتفاقية الأم وهي اتفاقية 1972 وغيرها.

وذكر السفير أن بداية الأطماع بدأت منذ فترة حكم الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي الذي ينتمي لقبيلة الأمهرا وهم لا يخفون أطماعهم في الفشقة، وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي بدأت صناعة المستوطنات.

شاهد عيان

الرشيد عبد القادر هو مواطن من منطقة الفشقة قرية بركة نورين، تحدث في الندوة بحكم ارتباطه بالمنطقة وكشاهد عيان لاحتلال العصابات الإثيوبية للمنطقة وتهجير المزارعين، وقال الرشيد: (حتى عام 1990م لم يكن هنالك نزاع حول الحدود)، واتهم نظام حكم الإسلاميين في السودان بسحب القوات المسلحة من المنطقة وجعل المواطنين عرضة للسلب والنهب والتهجير القسري من مناطقهم والسماح للقوات الإثيوبية بالتوغل داخل العمق السوداني.

ورفض الرشيد استخدام مصطلح العصابات الإثيوبية، وشدد على أنها قوات رسمية من قبل الحكومة الفدرالية، وأنها تعاملت بخطة محكمة ونفذت الاستيطان وبناء المدن التي توفر الأكل والخدمات مجاناً لكسب المزيد من المواطنين الإثيوبين في المنطقة، وإنشاء مشاريع البنى التحتية، وأضاف: (الحكومة الإثيوبية تستخدم التضليل الممنهج، وهي تتحدث في وسائل الاعلام عن العلاقات الأخوية بين البلدين، وأن منطقة الفشقة سودانية وفي أرض الواقع تعمل على احتلال المنطقة وبناء المستوطنات).

وأبدى الرشيد تخوفه من حلول فصل الخريف الذي يقطع المنطقة من التواصل مع مدينة القضارف نتيجة لانعدام البنى التحتية، عكس الاتجاه الذي يتواجد به الإثيوبيون الذين أنشأوا طرقاً في العمق السوداني تقدر بـ(40) كيلو متراً.

وثائق وقوانين

ومن ناحيته أوضح رئيس مفوضية الحدود د. معاز تنقو، أن كل الوثائق والقوانين الدولية والاتفاقيات الاقليمية تؤكد أن منطقة الفشقة منطقة سودانية خالصة، ولا يمكن للجانب الإثيوبي أن يتنصل من الاعتراف بتبعيتها، وذكر: (تحديد الحدود يستند على الوثائق والاتفاقيات والقوانين).

وأضاف أن الاتفاقيات الحدودية الدولية لا تعدل إلا ببرتكول متفق عليه من الجانبين، وتابع: (إثيوبيا حسب القانون الدولي لا يمكنها تعديل الاتفاقيات بشكل منفرد وكذلك السودان، ولا يمكن لطرف التنصل منها إلا إعلامياً).

وأردف رئيس مفوضية الحدود: (توصيف الحدود السودانية الإثيوبية أول مرة كان في عام 1900م بين الملك الإثيوبي حينها مينلك والادارة البريطانية التي كانت تستعمر السودان، وتم توقيع الاتفاقية يوم 15 مايو 1902م وتمت المصادقة عليها من الجانيين، وهنا اكتسبت الشرعية القانونية).

وزاد: (في عام 1903 تم وضع العلامات من قبل لجنة مشتركة والمواطنين من كلا الدولتين، وهذه العلامات موجودة حتى العام 2010م، وفي عام 1972 عرض وزير خارجية إثيوبيا على السودان تكثيف العلامات الحدودية)، وقال تنقو: (وفي عام 2001 اتفق البلدان على تشكيل لجنتين الأولى تختص بتكثيف العلامات والثانية كانت بغرض النظر في قضايا ومشاكل المزارعين من الجانين).

واعترف رئيس مفوضية الحدود بتقصير الحكومة السودانية عن تنمية (62) قرية بمنطقة الفشقة وجعلها جاذبة للمواطنين وتوفير الحماية والأمن لهم من الاعتداءات وحمايتها من الأطماع، ولفت في الوقت ذاته لجهود الرئيس الأسبق جعفر نميري بسن قانون بخصوص تنمية الفشقة، وطالب رئيس المفوضية بتفعيل القانون من جديد.

(3) ملايين فدان صالحة للزراعة

الصحفي السوداني المختص في قضايا القرن الأفريقي عبد المنعم أبو إدريس، رأى أن منطقة الفشقة يمكن أن تحل أزمة الاقتصاد السوداني لما تتمتلكه من ثروات، وأنها هي المنطقة الوحيدة التي تلتقي فيها (3) أنهر دائمة الجريان، وأنها تحتوي على (3) ملايين فدان صالحة للزراعة.

وذكر أبو إدريس، أن خصائص المنطقة زادت أطماع سكان إقيلم الأمهرا فيها نتيجة للزيادة السكانية الكثيفة لدى الأمهرا وخلو منطقة الفشقة من السكان السودانيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *