مشروع قانون مفوضية مكافحة الفساد.. خطوات في طريق البناء الديمقراطي

الخرطوم: أم سلمة العشا

صلاحيات واسعة حملها مشروع قانون مفوضية مكافحة الفساد، التي نصت على إنشائها الوثيقة الدستورية الحاكمة للبلاد بغرض محاربة الفساد، بما يعزز من إجراءات الحكومة الانتقالية ضد الفساد.

 وفي (11) يناير الجاري، انعقدت ورشة تشاورية، تعتبر الأولى لمناقشة مشروع القانون، ضمت قانونيين ومشرعين ومختصين من تخصصات مختلفة.

كيان مستقل

وقال الناشط في قضايا حقوق الإنسان المحامي المعز حضرة لـ (مدنية نيوز) اليوم، إن الورشة التي انعقدت سابقاً تتحدث عن قيام مفوضية مكافحة الفساد وليس قانون للفساد وإن القوانين تأتي لاحقاً، وإن مهمة المفوضية تتمثل في مكافحة الفساد، و(ما تم هو مناقشة قانون المفوضية وسلطاتها).

وأشار حضرة، إلى أن الفساد حالياً يحارب من قبل جهات كثيرة جداً، عبر قانون الثراء الحرام ولجنة إزالة التمكين، وأوضح أن تكوين المفوضية يعتبر إحدى اشتراطات الوثيقة الدستورية بتكوين مفوضيات الحدود والسلام ومكافحة الفساد.

وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت المفوضية ستلغي دور لجنة إزالة التمكين ذكر حضرة، أن لجنة  إزالة التمكين لها قانون خاص وهو جزء من الوثيقة الدستورية لتفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م، وأن المفوضية كيان قائم بذاته لمكافحة الفساد بصورة عامة وأشمل.

وتابع أن المفوضية تأتي اتساقاً مع ما يقوم به العالم لمكافحة الفساد، واستدل بهيئة الرقابة الإدارية في مصر باعتبارها الجهة مختصة بمكافحة الفساد وهي مدخل لتنفيذ القوانين، وأردف: الفساد موجود في كل العالم، ونحتاج لمحاربته بطريقة واضحة وقدرات.

وأوضح حضرة أن المفوضية تملك سلطة الضبط والتحقيق وهي جزء من سلطة النيابة العامة، وزاد: لكن ليس لها سلطة القضاء باعتباره جهة مستقلة وهي تحاكم القضايا التي تحال إليها من النيابة وتكون لها محاكم متخصصة.

خلفية عن مشروع القانون

وأُعد مشروع قانون مفوضية مكافحة الفساد في العام 2019م، عملاً بأحكام المادة (25-3) من الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية، وأودع في وقت سابق لدى مجلسي السيادة والوزراء، اللذان طلبا من الفريق المختص طرحه للتشاور والنقاش للمزيد من التجويد والإحاطة.

 ويهدف مشروع القانون لإنشاء مفوضية مستقلة عن السلطة التنفيذية، وتتمتع بالاستقلال الإداري والمالي اللازمين، ويستهدف مشروع القانون جميع أجهزة الدولة، على المستويات القومية والولائية والمحلية، وتشمل مجلس السيادة، مجلس الوزراء، الوزارات القومية والوحدات والأجهزة التابعة لها، والمجلس التشريعي والسلطة القضائية والنيابة العامة، ديوان المراجعة العامة، القوات المسلحة، قوات الدعم السريع، قوات الشرطة، جهاز المخابرات العامة وأية قوات نظامية أخرى.

ديمقراطية العملية التشريعية

وكان وزير العدل نصرالدين عبدالباري، لفت في الجلسة الافتتاحية للتشاور حول مشروع القانون، إلى أن الوزارة بدأت منذ العام الماضي في اتباع منهج يقوم على المشاركة الواسعة للقطاعات الشعبية المختلفة المعنية بالتشريعات التي تناقشها وتعدها الوزارة، وأوضح أن الوزارة تؤمن بمبدأ (ديمقراطية العملية التشريعية) الذي يُعدُّ من أهم المبادئ التشريعية في الدولة الحديثة.

وقال الوزير إن مساهمة المعنيين بالتشريعات والمتأثرين بها في العملية التشريعية مهمة من أجل تجويد محتوى القوانين والتشريعات، وأبان أن قيام مفوضية مكافحة الفساد يعزز من إجراءات حكومة الانتقال المتخذة ضد الفساد، واعتبر محاربة الفساد شرطاً لازماً لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، حيث أن الفساد يحرم الأشخاص المؤهلين من فرص كبيرة لأداء دور لصالح المجتمع.

وشدد وزير العدل على أن الفساد لا يُحارب إلا ببناء دولة ديمقراطية يستطيع فيها الناس محاسبة الحكام والمؤسسات الحاكمة بصورة مستمرة، بجانب بناء مؤسسات تُمكّن الحكومة من مراقبة الحوكمة الرشيدة بطريقة دورية.

تكوين المفوضية

وتتكون المفوضية حسب مشروع القانون الذي تحصلت (مدنية نيوز) على نسخة منه من رئيس و(6) أعضاء من ذوي الكفاءة والخبرة والحيدة والنزاهة والاستقامة، على أن يكونوا متفرغين للعمل بالمفوضية.

ويتم تعيين رئيس وأعضاء المفوضية بقرار من مجلس الوزراء وموافقة المجلس التشريعي، ويحدد مجلس الوزراء مخصصات وامتيازات رئيس وأعضاء المفوضية ولا يجوز -حسب مشروع القانون- اتخاذ إجراءات جنائية ضد رئيس المفوضية أو أي من أعضائها إلا بعد رفع الحصانة بقرار من المحكمة الدستورية، وإلى حين تشكيل المحكمة الدستورية، تُرفع الحصانة بقرار من المحكمة العليا، وفي حالة التلبس يجوز القبض على الرئيس أو العضو المعني وإخطار رئيس المفوضية فوراً.

وضع الفساد

وقدم ممثل اللجنة التي أعدت مشروع القانون مستشار وزيري العدل والمالية للحوكمة هشام كاهن، شرحاً مفصلاً عن وضع الفساد في السودان ورؤية وزارة العدل لمحاربته.

 وألقى المستشار الضوء على أهم الأسباب التي أدت إلى انتشار ظاهرة الفساد، ومنها عدم توفر الإرادة السياسية في الحكومات المتعاقبة وضعف الخدمة المدنية وغياب دور الصحافة والإعلام، وأكد ضرورة تقوية القوانين التي تحمي الصحفيين.

 وختم ممثل اللجنة تنويره بتقديم الفصول الثمانية المكونة لمشروع القانون، فيما أكدت المستشارة القانونية ابتسام سنهوري، أهمية الجلسات التشاورية مع الجهات ذات الصلة، خاصة في إطار مكافحة الفساد.

 وتضمنت الجلستان تعقيبات وملاحظات أدت لحوار حول مشروع القانون، وتعهدت وزارة العدل بأخذ جميع المقترحات والتوصيات بعين الاعتبار.

تعريف

ويحصر ويعرّف مشروع القانون، الفساد في العديد من النقاط بينها الجرائم المخلة بسير العدالة، وإساءة استخدام السُّلطة بغرض تحقيق منفعة شخصية لنفسه أو للغير، ورشوة الموظفين العموميين والأجانب، وجرائم التهرب الضريبي والجمركي، والثراء الحرام، وعدم اتباع نظام الشفافية والتنافس وفق معايير موضوعية في اتخاذ القرارات، أو توزيع المعلومات المتعلقة بإجراءات عقود الشراء والمشاركة في المناقصات والمزادات والمعلومات ذات الصلة الوثيقة بإرساء العقود وقواعد المناقصة، والاعتداء على الأراضي الزراعية والوقفية والتي تُوجد في أرض أو فضاء أو مبانٍ مملوكة لوقف خيري أو لإحدى الجهات التي تتبع لأجهزة الدولة.

 ويعدد مشروع القانون الأفعال التي تُعد فساداً، الجرائم الماسة بالوظيفة العامة، والمنصوص عليها في القوانين ذات الصلة.

سلطات التحقيق

وبموجب مشروع القانون، مُنحت المفوضية سّلطات للتحقيق في أوجه الفساد المالي والإداري، وفي أيّة معاملات تبرمها أجهزة الدولة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية بشأن العقود والمعاملات التي تنطوي على فساد.

وحسب مشروع القانون، فإنه وبغض النظر عن أي نص في أي قانون آخر، لا يتمتع أي شخص بأية حصانة في أية إجراءات تحقيق تتخذ ضده بواسطة المفوضية وبموجب مشروع القانون يحق للمفوضية الطلب من النيابة إجراء تحقيقات حول أي موضوع يدخل ضمن اختصاصاتها، إضافة إلى طلب الإطلاع على مجريات أية إجراءات متعلقة بالفساد من مؤسسات الدولة.

 كما أعطى مشروع القانون المفوضية سُلطة استدعاء أي شخص أو موظف عمومي أو موظف عمومي أجنبي ليمثُل أمامها للتحقيق معه أو تقديم وثائق أو الإدلاء بمعلومات، إضافة إلى سلطة إصدار أوامر الحجز على الأموال قيد التحقيق أو تجميدها.

 ووفقاً لمشروع القانون لمفوضية مكافحة الفساد الحق في التحقيق حول الشكاوى وادعاءات الفساد واتخاذ الإجراءات التحفظية التي تشمل حظر الأشخاص من السفر خارج البلاد، وبالإضافة لذلك يحق لها الإطلاع على الأرصدة البنكية وطلب أية مستندات من أجهزة الدولة، ومنح مشروع القانون، المفوضية حق دخول أية مؤسسة حكومية أو شركة حكومية أو شركة تساهم فيها الحكومة دون إخطار مسبق.

استرداد أموال

كما تعمل المفوضية على متابعة عملية استرداد الأموال العامة والعائدات الإجرامية وإعادة أية أموال انتقلت إلى أقارب الشخص الذي حصل عليها عن طريق جرائم الفساد.

وطبقاً لمشروع القانون للمفوضية نيابة مختصة تُسمى نيابة مكافحة الفساد، تقوم بالإشراف على الدعاوى الجنائية في الشكاوى المقدمة إليها من المفوضية، كما يحق لها إنشاء وحدة تحقيق بها قانونيون وأشخاص ذوو خبرة في التحقيق الجنائي، ويمكن لهذه الوحدة أن تطلب انتداب أي موظف ليعمل فيها.

كما أقر مشروع قانون مفوضية مكافحة الفساد عقوبة الشروع في جرائم الفساد بعقوبة الجريمة الكاملة، كما أوقع العقوبة الكاملة أيضاً على الشريك والمتدخل والمحرض، وتكفل مشروع القانون بتوفير حماية كافية للشهود والمبلغين والخبراء في قضايا الفساد، حيث تشمل الحماية أقاربهم والأشخاص وثيقي الصلة بهم.

 وتضمن مشروع القانون عقوبة السجن عامين مع إضافة غرامة مالية على من يعتدي أو يفشي معلومات الشهود، ومنع مشروع القانون إسقاط دعاوى الفساد ودعاوى استرداد الأموال العامة والتعويض المتعلق بها بالتقادم، ومنح حصانة عدم تفتيش مقار المفوضية أو الحجر عليها أو انتهاك سرية المستندات والمراسلات والاتصالات المتعلقة بعملها، إلا بموجب أمر قضائي أو إذن من رئيسها.

أهداف عمل المفوضية

ويهدف عمل المفوضية حسب مشروع القانون إلى حماية المال العام والخاص، ومكافحة الفساد في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية واسترداد الأموال العامة والعائدات الإجرامية، وإرساء مبدأ الشفافية والنزاهة في المعاملات المالية والإدارية، بما يكفل تحقيق الإدارة الرشيدة وتعزيز مبدأ المساءلة لأي شخص مهما كان موقعه.

 وبالإضافة لذلك يهدف عمل المفوضية لإرساء مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص، وتشجيع وتفعيل دور مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والإعلام في مكافحة الفساد، وتوعية أفراد المجتمع بمخاطره، بجانب العديد من الأهداف الأخرى، بينها احترام وتعزيز وحماية حق الحصول على المعلومات المتعلقة بالفساد.

تَعَهُّد

وأبدى الفريق المختص بإعداد القانون، استعداده لاستمرار النقاش التشاوري حول مشروع القانون قبل إيداعه مجلس الوزراء لإجازته، كما وعد بإدراج أية تعديلات أو إضافات يمكن تضمينها لمشروع القانون، ودعا الجميع لضرورة إبداء المشورة اللازمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *